و أمّا سائر الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم، فلا يستفاد منها أكثر من الوجوب، و نحن لا نذكره بل نقول بمفادها إنّ التفقّه و طلب العلم واجب على كلّ مؤمن و مؤمنة، و لا يستفاد منها الشرطيّة أبدا، و الشهرة الموجودة في المقام الدالّة على الشرطيّة لا اعتناء بها، لأنّ حجّيّتهما إنّما من باب الظنّ، و مع كون الأصل و بناء العقلاء على خلافها لا يحصل منها الوصف.
و بعد ما سمعت أدلّة الخصم مع أجوبتها و دليلنا على المختار، تبيّن أنّ الحقّ عدم لزوم الإعادة على الجاهل المقصّر الجاهل بالجنس و الفصل، المتمكّن من التعليم بعد حصول العلم له بالمطابقة و الوقت، و إن كان الأحوط الإعادة.
و بعد ما ثبت عدم الإعادة على الجاهل المفروض، يثبت في الجاهل الغير المتمكّن بالأولويّة؛ و كذا في العالم بالجنس، كمن علم مطلوبيّة القنوت الجاهل بالفصل، هل هو واجب أو مندوب؟ مضافا إلى أنّ المختار عدم لزوم معرفة الوجه؛ و كذا في القاصر العالم بالمطابقة بعد العمل.
و بعد ما ثبت عدم لزوم الإعادة في الوقت، يثبت عدم لزوم القضاء في خارج الوقت بالإجماع، فإنّ ما لا إعادة فيه لا قضاء فيه.
المقام الثاني: أنّ القاصر بعد ما علم عدم المطابقة في الوقت، هل يلزم عليه الإعادة أم لا
؟ يمكن أن يقال: لا، للأخبار الدالّة على معذوريّة الجاهل المنصرفة إلى القاصر، و لأنّه حين القصور كان مأمورا بما اعتقده لا بالواقع، للزوم التكليف بما لا يطاق، و قد أتى به، و الأمر يقتضي الإجزاء.
و الحقّ: لزوم الإعادة للأصل الذي أسّسناه في المقدّمة الثانية، من أنّ المقتضي للتكليف و هو حسن الصلاة الواقعيّة مثلا موجود بالأصل، و المانع و هو الجهل مفقود، فهو الآن مكلّف بالواقع، و بدليّة ما أتى به من الواقع غير ثابت، و الأمر إنّما يقتضي الإجزاء إذا كان واقعيّا اختياريّا أو اضطراريّا أو ظاهريّا شرعيّا، و ما نحن فيه ليس من واحد من الأقسام؛ و ربما يعارض بالمجتهد بعد ظهور فساد ما اجتهده
أوّلا.
و الجواب: أنّ عدم لزوم الإعادة عليه إنّما ثبت بالإجماع و للزوم العسر و الحرج الشديد، بل الهرج و المرج إن قلنا بلزوم الإعادة عليه و على مقلّديه، كما لا يخفى؛ و الإجماع في المقام غير موجود، و أمّا الأخبار الدالّة على المعذوريّة فإنّما هي ظاهرة في المعذوريّة في الحكم التكليفي و نحن لا ننكره؛ و ممّا يؤيّد ذلك أنّ بعض من فصّل بين القاصر و المقصّر، كصاحب الحدائق(رحمه اللّه)، حكم بلزوم الإعادة فيمن صلّى في الثوب النجس جهلا بعد اطّلاعه به في الوقت، في مبحث لباس المصلّي.
نعم، ورد في بعض الأخبار معذوريّة الجاهل القاصر في الحكم الوضعي أيضا، كما في رواية العجمي الذي حجّ في ثوبه، و أنكر عليه أصحاب أبي حنيفة، فجاء عند أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال(عليه السلام): حجّك صحيح، إلى أن قال: أيّ رجل ركب أمر بجهالة فليس عليه شيء؛ و هذا يصدم بالأصل.
لكن نقول: إنّ دليلنا على لزوم الإعادة عليه أشياء خمسة، الأصل؛ و بناء العقلاء؛ و الشهرة؛ و الأخبار من قبيل «لا خير في عبادة لا فقه فيها» فإنّها في المقام منجبرة بالشهرة؛ و الإطلاقات، فإنّ إطلاق الصلاة لا يشمل ما أتى به هذا القاصر، فما ورد في معذوريّة الجاهل في الموارد الخاصّة كالجهر و الإخفات مثلا لا يضرّنا، فإنّه من قبيل خرج ما خرج، و لا إجماع المركّب في البين، و ما ورد فيها من العمومات كهذا الخبر الوارد في الحجّ، فهو ضعيف، غاية ما في الباب كونه صحيحا لكن مع إعراض الأصحاب و معارضة الأخبار المذكورة في الأدلّة لا يبقى له حجّيّة، فإنّ إعراضهم ممّا يوجب سقوط الرواية من درجة الحجّيّة.
و أمّا إذا التفت بالواقع في الوقت و شكّ في مطابقة عمله له، فالحقّ فيه أيضا الإعادة للاستصحاب، و لو أخلّ بالإعادة فيلزم عليه القضاء، لعموم من فاتته فريضة.
و أمّا إذا التفت كلّ من القاصر و المقصّر في خارج الوقت، فإن كان مطابقا لفقد
المقتضي فلا يسمّى فوتا، كما في الصبي و المجنون، و ما كان لوجود المانع كالنوم و القصور مثلا، فيسمّى فوتا؛ و يشكل الأمر في الحيض، فإنّه مانع مع أنّه لا قضاء عليها، و يمكن القول بخروجها بدليل خاص.
هذا إجمال الكلام، و أمّا تفصيله فإنّه إن قلت: إنّ المقصّر إذا اطّلع بعد فوات الوقت على عدم المطابقة، سلّمنا صدق الفوات عليه، فيلزم عليه القضاء للعموم من فات منه فريضة؛ و أمّا القاصر إن كان اطّلاعه على ذلك بعده، فلا نسلّم شمول النصّ له، لأنّ الصلاة الواقعيّة لم يكن فريضة عليه في الوقت، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق؛ و بعد ما لم يكن فريضة عليه، فلا يصدق الفوات.
قلت أوّلا: إنّ الفوات أمر عرفيّ، بمعنى أنّ المعيار في صدقه على العرف؛ و بعد ما راجعنا إلى عرف، وجدنا يطلقون الفوات على القاصر و النائم و الساهي دون الصبي و المجنون، و كان اللم فيه أنّ المقتضي للتكليف في الأوّلين موجود، لكن لمّا كان المانع أيضا موجودا لا يمكن الحكم بتوجّه العقاب عليهم، بخلاف الأخيرين، فإنّ المقتضي فيهما مفقود، و لذا لا يصدق عليهم الفوت و إن كان المانع أيضا مفقودا، و لذا نريهم يحكمون بفوت الربح لمن كان له قنية و عقل عن التجارة، بخلاف من لم يكن له البضاعة أصلا.
و ثانيا: سلّمنا عدم صدق الفوت، لكن القائلين بأنّ القضاء تابع للأداء، يحكمون بأنّ الصلاة مثلا كانت في نفسها واجدة للمصلحة، و خصوصيّة وقت الظهر لها مصلحة أخرى زائدة على المصلحة الأولى.
و بعبارة أخرى: عندهم قوله تعالىأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِأمران، أحدهما الأمر بالصلاة لا بشرط، و الآخر الأمر بالصلاة بشرط شيء و هو في وقت الظهر.
و بعبارة أخرى: الموقّت عندهم يفيد تعدّد المطلوب، فبمجرّد فوات إحدى المصلحتين و هي مصلحة الوقت، لا يستلزم ترك المصلحة الأخرى و هو الإتيان
بالصلاة، فإن كان قاصرا لم يكن عليه عقاب في فوت المصلحة الأولى، لكن يلزم عليه بنفس الأمر الأوّل الإتيان في خارج الوقت؛ و إن كان مقصّرا يعاقب على تفويت المصلحة الأولى، و مأمور بالإتيان ثانيا.
فإن قلنا بهذا القول، فلا إشكال في الحكم بلزوم القضاء عليه حينئذ؛ و أمّا القائلون بأنّ القضاء بالأمر الجديد، يقولون: نحن لسنا مطّلعين على المصلحة، و نفهم من ظاهر قولهأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِانحصار المصلحة في الوقت، و أنّ بعد فوات وقت الظهر لا يلزم عليه صلاة، لكن فيما أمر فيه الشارع بالقضاء نفهم أنّ المصلحة كما أنّها كانت في الوقت، كذا تكون في نفس الصلاة أيضا.
و بعبارة أخرى: الأمر بالقضاء و العقاب على تفويت الوقت كاشف عن تعدّد المطلوب؛ و الفرق بين القولين واضح، فإنّ الأوّل حاكم بلزوم القضاء بنفس الأمر الأوّل، سواء صدر بالقضاء أمر آخر أم لا، كما في صوم شهر رمضان على فرض عدم ورود الدليل على لزوم القضاء.
و الثاني حاكم بلزوم القضاء إن صدر في مورد واحد الأمر بالقضاء، فإن قلنا بهذا القول كما هو الحقّ، نقول: إنّ القاصر فيما كان التفاته في الوقت، و قصّر في ترك الصلاة أو فات منه الصلاة لا عن تقصير بل عن غفلة، كان مأمورا بالقضاء، فبمحض ورود الأمر بالقضاء في هذا المورد الواحد، علمنا في صلاة الظهر مثلا بالنسبة إليه مصلحتين، فبمجرّد فوات مصلحة الوقت لا يلزم فوات مصلحة الصلاة، فيلزم عليه القضاء بعد الالتفات؛ و ذلك ما أردنا.
و ثالثا: أنّا استقرينا في الواجبات الموقّتة، فرأينا أنّ الشارع حكم بالقضاء في أغلبها عند فوات الوقت، سواء كان بالفوت كما في النائم و الساهي مثلا، أو بالتفويت كتارك الواجب عمدا؛ و شككنا في أنّ هذا القاصر المفروض محكوم بالقضاء أم لا، فالظنّ يلحق الشيء بالأعم الأغلب؛ أو نقول استقرينا فيمن فات صلاته لا عن تقصير، كالنائم و الساهي و الغافل و السكران، و وجدناهم مكلّفين
بالقضاء، فيلحق المشكوك بالأغلب.
و أمّا إذا التفت بالواقع بعد خروج الوقت، و شكّ في المطابقة و عدمها، فإن كان قاصرا لا يلزم عليه القضاء، لعدم الدليل على وجوبه عليه، لا من الاستصحاب و لا من عموم دليل القضاء، بل الأصل عدمه، و إن كان مقصّرا يلزم عليه القضاء، لقاعدة الاشتغال و استصحاب الأمر.
المقام الثالث: فيما كان الجاهل جاهلا بالموضوع،
كما لو كان عالما بحرمة الصلاة مع كشف العورة و وجود النجاسة مثلا في الثوب و البدن، و ببطلانها في هذه الأحوال، لكن جهل بالموضوع، فهل مقتضي الأصل لزوم الإعادة و القضاء فيما لو انكشف مخالفة الواقع، أم لا؟
فنقول: إنّ الشروط على ثلاثة أقسام، منها ما هو شرط علمي، أي شرط للعالم، ككون مكان الصلاة غير مغصوب مثلا؛ و منها شرط وجودي، أي شرط لصحّة العبادة المشروط به، و يبطل مع عدمه، و لا مدخليّة للعلم و الجهل، كالوضوء للصلاة و ككون الماء مطلقا مثلا؛ و منها ما هو شرط وجودي و علمي، كلاهما كما في الأجنبيّة، فإنّها شرط وجودي و علمي، للزوم الحدّ، بمعنى أنّه يلزم الحد إذا كانت المزني بها أجنبيّة في الواقع، و يكون الزاني عالما بها، بانتفاء كلّ واحد ينتفي المشروط.
فلو كان ذلك الموضوع الذي هو شرط في العبادة من الشرائط العلميّة، فلا يلزم عليه القضاء و لا الإعادة؛ و إن كان من الشرائط الوجوديّة أو من القسم الأخير، فهو ليس بمعذور فيه؛ و الوجه واضح و إن كان شرطيّته معلومة، و كان الشكّ في أنّه شرط وجودي أم لا؟
فالحقّ: كونه من الشرائط الوجوديّة، لوجوه ثلاثة:
الأوّل: إنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة، ففيما قال الشارع لا صلاة إلّا بطهور مثلا، معناه أنّه لا صلاة في الواقع إلّا بالطهور الواقعي، و لا مدخليّة للعلم
و الجهل؛ فالطهور في الواقع شرط لصحّة الصلاة، كذا لو استفيد الشرطيّة بدلالة الالتزام، كما في قوله «اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل لحمه» فإنّه دالّ على اشتراط طهارة الثوب في الصلاة؛ و بعد كون الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة، فلا يتحقّق الصلاة في الواقع إلّا مع تحقّق هذا الشرط، فليكن من شرائط الوجوديّة.
الثاني: الاستقراء، فإنّا بعد ما استقرينا في الشرائط، وجدنا أكثرها من الشرائط الوجوديّة، و لم نجد الشرائط العمليّة إلّا في موارد قليلة، كالصلاة في المكان المغصوب و التوضّي بالماء المغصوب، و نظائرها من كشف العورة و نجاسة الثوب في خارج الوقت، و الظنّ يلحق الشيء المشكوك بالأعم الأغلب.
الثالث: استصحاب الأمر بالصلاة، فإنّا بعد ما شككنا في ارتفاع الأمر بعد ايقاع الصلاة مع كشف العورة، فالأصل بقائه، فيلزم أن يكون ستر العورة مثلا من الشرائط الوجوديّة.
فإن قلت: الأصل عدم اشتراط صحّة الصلاة بستر العورة حين الجهل، و هذا الأصل مقدّم على الاستصحاب لكونه مزيلا.
قلت: هذا الأصل وارد على الاستصحاب لو لم يكن معتضدا بدليل اجتهادي، و في المقام الاستصحاب معتضد بالدليلين الاجتهاديّين، و هو الاستقراء و الدليل الأوّل.
و لا يخفى أنّ ما قلنا أنّ الأصل في الشرط المشكوك العلميّة و الوجوديّة، كونه وجوديّا، إنّما هو فيما إذا ثبت الشرطيّة في الجملة، بمعنى أنّا علمنا أنّه شرط لصحّة العبادة في العالم، و شككنا في أنّه شرط وجوديّ حتّى يكون شرطا للجاهل أيضا، أم شرط علميّ فقط حتّى يكون صلاة الجاهل مع فقدان ذلك الشرط صحيحة؛ و أمّا فيما تقدّم من تعلّم المسائل، فأصل الشرطيّة فيه مشكوكة، و لذا أجرينا أصالة عدم الشرطيّة بالنسبة إليه.
و بعد ما ثبت أنّ الأصل في الشرط المشكوك كونه وجوديّا، فلو أتى الجاهل بالعبادة مع فقدان هذا الشرط، يلزم عليه الإعادة و القضاء بمقتضى الأصل، إلّا أن يكون في المقام دليل وارد على الأصل حاكم بالإعادة فقط دون القضاء، أو بعدمهما؛ فتبيّن أنّ الحق في هذا المقام أيضا التفصيل بين المطابق و غيره، بالمعذوريّة في الأوّل و عدمها في الثاني، فيما لم يثبت كونه من الشرائط العلميّة.
المقام الرابع: في المعاملات، فهل الجاهل معذور فيها أم لا؟
يظهر من الاصحاب الإجماع على أنّ معاملته إن كانت مطابقة للواقع فهو معذور فيه، و إلّا فهي فاسدة، بل يظهر منهم الاتّفاق على ذلك؛ و أنت خبير بأنّ هذا الاتّفاق مناف للقول بأنّ ترك الضد مقدّمة لفعل ضدّه، و مقدّمة الحرام حرام بالأصالة، و النهي في المعاملات يقتضي الفساد؛ بمعنى أنّ ترك البيع مثلا مقدّمة لتحصيل مسائله، و تحصيل المسائل واجب، فترك البيع أيضا واجب، و بعد ما كان الترك واجبا، ففعل البيع حرام من باب المقدّمة، فبعد ما قلنا أنّ المقدّمة حرام بالأصالة، فيصير البيع حراما بالأصالة.
و مع ذلك إن قلنا إنّ النهي في المعاملات يقتضي الفساد، فالبيع المنهي عنه فاسد، فيلزم أن يكون بيع الجاهل فاسدا مطلقا، و مع وجود القائل على هذا النحو، كيف يمكن دعوى الاتّفاق على أنّ معاملة الجاهل إن طابقت للواقع صحيح و إلّا فلا؟ إلّا أن يقال: إنّ القول على هذا النحو و إن كان لازمه القول بالفساد مطلقا، لكن الدليل الخارجي حكم بهذا التفصيل، فلا منافاة في البين، و أمّا على مختارنا من أنّ المقدّمة ليس حرمتها بالأصالة؛ و إن كانت بالأصالة فالنهي في المعاملات لا يقتضي الفساد، فلا يلزم منافاة مع قطع النظر عن الدليل الخارجي أيضا.
و دليلنا على أنّ النهي غير مقتض للفساد فيها: أنّ المنهي إمّا يتعلّق بذات الشيء بالذات، كما في قولنا «لا تبع الخمر» و إمّا يتعلّق بأمر عرضي، كما في قولنا «لا تبع مال الغير إلّا بإذنه» فإنّ نفس البيع هنا ليست منهيّة عنه، لأنّ ذات الشيء يجوز
بيعه، بل إنّما تعلّق بأمر عرضي هو كونه مال الغير؛ و إمّا يتعلّق بالشيء من باب المقدّمة، كالنهي عن البيع في وقت النداء، فإنّ حرمته حينئذ لحرمة ترك صلاة الجمعة؛ و هذا القسم إمّا يستفاد حرمته من محض حكم العقل أو يستفاد من الشرع، كما في قولهوَ ذَرُوا الْبَيْعَو يسمّى الأوّل بالنهي التبعي الغير التوصّلي، و الثاني بالنهي التبعي التوصّلي.
و في كلّ واحد من هذه الأقسام لا منافاة بين ترتّب الحكم الوضعي و حرمة البيع، كما أنّه لا منافاة بين حرمة وطء الحائض و ترتّب وجوب المهر لا عقلا و لا شرعا؛ و بعد ما لم يكن بين الحكم التكليفي و الحكم الوضعي منافاة لا عقلا و لا شرعا، فلا يدلّ النهي على الفساد؛ نعم، نحكم بالفساد في القسم الأوّل، لكن لا للنهي بل لدليل خارجي حكم ببطلان البيع فيما تعلّق النهي بذات الشيء.
و ذلك الدليل حسنة علي ابن هاشم ظاهرا في عبد تزوّج بدون إذن مولاه، فسئل عن أبي جعفر(عليه السلام)، فقال: إن أجاز مولاه، فالعقد صحيح، و إلّا فرّق بينهما؛ فقال الراوي: بعض فقهاء العامّة يحكمون بفساد العقد، فقال(عليه السلام): العقد صحيح مع الإذن، لأنّه لم يعص اللّه بل عصى سيّده.
فإنّ المستفاد من التعليل أمران، فإنّ منطوقه دالّ على صحّة العقد عند الإذن، فإنّه عصى بالذات سيّده و لم يعص بالذات اللّه تعالى، بل إنّما عصى اللّه بواسطة معصية مولاه، لأنّ اللّه تعالى جعل العقد حلالا و إطاعة المولى واجبا عليه؛ و مفهومه دالّ على أنّ معصية اللّه- كتزويج المحارم مثلا- مفسد للعقد، و نتعدّى عن مورد النص إلى سائر العقود، لعموم التعليل.
و الحاصل: أنّ المستفاد من الحديث أنّ كلّ عقد تعلّق النهي فيه بذات العقد كعقد القمار و البيع الربوي، أو بأحد المتعاقدين كتزويج المحارم، أو بالثمن أو المثمن كما إذا كان أحدهما ممّا حرم بيعه كالأعيان النجسة و آلات القمار، فهو فاسد، لكونه معصية اللّه بالذات، و ما لم يكن كذلك فهو صحيح، لكن في بعض الموارد كعقد العبد و البيع