يترتّب الأثر لذلك؛ فتبيّن أنّ الحقّ في هذا المقام أيضا من حيث الصحّة و الفساد التفصيل بين المطابق و غيره.
المقام الخامس: في أنّ المراد بالواقع الذي حكمنا بالصحّة في المقامات السابقة على فرض المطابقة له ما ذا؟
هل هو الأحكام المثبتة في اللوح المحفوظ، أو الأحكام المطابقة لآراء جميع المجتهدين، أو رأي المجتهد الذي يريد تقليده؟
فنقول: لا إشكال في أنّه في زمن حضور الإمام الواقع هو ما يقوله الإمام، و لا بدّ في صحّة عمل الجاهل من مطابقته له، و أمّا في زمن الغيبة، فإن كان ما أتى به موافقا لجميع الآراء، كما لو اتّفق الكلّ على أنّ الثوب النجس يتطهّر بالغسلتين، و ذلك الجاهل تطهّر كذلك، فلا ريب أيضا في أنّه مطابق للواقع؛ و أمّا لو كانت الآراء مختلفة، فهل الواقع بالنسبة إليه حينئذ أيّ الآراء؟
فإن قلنا بالتصويب، فكلّ رأي هو الحكم الواقعي؛ و إن قلنا بالتخطئة، فالواقع بحسب الواقع حكم واحد و سائر الآراء بدل منه، فيصير ما نحن فيه أيضا من ثمرات مسألة التخطئة و التصويب.
و لكن الحقّ حينئذ: أنّ الواقع بالنسبة إليه هو رأي المجتهد الذي يريد تقليده، و الدليل عليه وجوه:
الأوّل: فهم العرف، فإنّ الإمام(عليه السلام)لو قال: خذوا معالم دينكم عن زرارة مثلا، لكان فهم العرف قاضيا بأنّ ما يلزم مطابقة العمل له هو قول زرارة؛ ففيما نحن فيه هذا الجاهل مأمور بأخذ مسائله من المجتهد، للأدلّة الدالة على وجوب التقليد، و العرف يفهمون من ذلك أنّ الواقع هو قول ذلك المجتهد، و إن كان متعدّدا و كان الكلّ متساوين في جهات الترجيح أو لم نقل بلزوم تقليد الأعلم مثلا، فذلك الجاهل مخيّر في تقليد من شاء، كما لو خيّر الإمام بين أخذ المسائل من زرارة و من محمّد بن مسلم مثلا.
الثاني: بناء العقلاء، فإنّه لو قال المولى لعبيده: خذوا معالم دينكم عن فلان، لكان
بنائهم على أنّ ما يقوله هو الحكم الواقعي في حقّهم، و يكتفون بذلك.
الثالث: لزوم اللغو، بيانه: أنّه لو أنّ جاهلا عمل بعمل، ثمّ استفتى مجتهدا فرأى أنّ ما عمله موافق لرأيه، فحينئذ لو كان مأمورا بالإعادة، فلكون ما يأتي به ثانيا عين ما أتى به أوّلا يلزم اللغو، فانكشف أنّ الواقع هو رأي ذلك المجتهد.
و لا يخفى أنّ هذا الدليل دالّ على عدم لزوم الإعادة أوّلا و بالذات، و على أنّه بعد ما لم يلزم الإعادة نكتفي بقول ذلك المجتهد ثانيا و بالعرض.
و الحاصل: أنّي لا أفهم ربط هذا الدليل بهذا المطلب.
الرابع: ظهور الإجماع المركّب، فإنّ من قال بصحّة العمل على فرض المطابقة اكتفى بمطابقيّته لرأي المجتهد، فتبيّن أنّ مراده بالواقعي رأي المجتهد؛ ثمّ بعد ما راجع المجتهد، فلا يخلو إمّا ما عمله كان موافقا لرأيه و كان المجتهد مستقرّا على ذلك الرأي عند تقليده، و إمّا تجدّد رأي المجتهد، و حينئذ إمّا عمله موافق للرأي الأوّل و مخالف للرأي الثاني، أو بالعكس؛ لا إشكال في الأشكال[1]، إنّما الإشكال في أنّه بعد ما تجدّد الرأي، هل المتّبع في حقّ الجاهل بالنسبة إلى المطابقة و عدمها هو الرأي الأوّل، حتّى لا يعيد في القسم الثاني، أو الرأي الثاني، حتّى يصير بالعكس؟
الحقّ: أنّ المدار في الإعادة و عدمها على الثاني، لأنّ صيرورة رأيه واقعا له إنّما هو عند التقليد، و المفروض أنّ تجدّد الرأي الثاني إنّما حصل عند تقليد الجاهل له.
ثمّ إن قلنا: إنّ مجتهدا كان بنائه على أنّ عمل الجاهل عند المطابقة للواقع صحيح، و قلّده الجاهل في هذه المسألة، ثمّ تجدّد رأيه فيها فصار بنائه على أنّ محض المطابقة غير كافية، بل لا بدّ في صحّة العمل من تعلّم المسائل ثمّ إتيان العمل بعده، أو كان بنائه على عدم الكفاية أوّلا و بنى الجاهل المقلّد له على قضاء ما أتى به، ثمّ تجدّد رأيه فقال بالكفاية و كان المفروض مطابقة عمله لرأيه؛ فهل المتبع حينئذ في حقّه
[1]- هذه الكلمة مخدوش في الأصل و يمكن أن تكون «الأوّل».
هو الرأي الأوّل الذي قلّده فيه، حتّى يحكم بعدم الإعادة في الأوّل و بلزوم الإعادة على الثاني، أو المتّبع هو الرأي الثاني حتّى يحكم بالعكس؟
الحقّ: التفصيل بين القسم الأوّل و الثاني، بأنّه إن كان رأيه الأوّل الكفاية، فالمتّبع الرأي الأوّل، لأنّه بتقليده الأوّل سقط عنه لزوم الإعادة و برئت ذمّته من التكليف فلا يشتغل ذمّته ثانيا به، و إن كان رأيه الأوّل عدم الكفاية، فالمتّبع رأيه الثاني، لأنّه بتقليده الأوّل اشتغل ذمّته بالإعادة و برئت بالرأي الثاني لحجّيّة قول المجتهد له؛ و هذين الصورتين حكم ما علم المطابقة.
ثمّ لو شكّ في المطابقة و عدمها، فالصور ثلاث، لأنّه إمّا شاكّ في أنّه قلّد مجتهدا أم لا، و مع ذلك شاكّ في أنّ عمله كان مطابقا لقول المجتهد أم لا؛ و إمّا شاكّ في المطابقة و عالم بالتقليد؛ و إمّا عالم بعدم التقليد و شاكّ في مصادفة عمله للواقع من باب الاتّفاق.
و الحقّ في الأوّل و الثاني: عدم لزوم الإعادة، لأنّ فعل المسلم محمول على الصحّة، لقوله(عليه السلام)«متى ما شككت في شيء بعد الدخول في شيء آخر، فالشكّ ليس بشيء»؛ و أمّا في الثالث، فيلزم الإعادة لما ذكر سابقا من أنّ المقصّر إذا شكّ في المصادفة يلزم عليه الإعادة؛ و أمّا في الأوّل و الثاني فالدليل الاجتهاد و هو أصل الصحّة وارد على قاعدة الاشتغال و استصحاب الأمر.
ثمّ لو أخبر عدل بأنّ رأي المجتهد عدم تنجّس الماء القليل بالملاقات مثلا، و أخطأ في ذلك الخبر، فهل يلزم عليه إعادة العبادات التي استعمل الماء القليل الملاقي فبها أم لا؟
الحقّ: لا، لأنّه مأمور شرعا بمفهوم آية النبأ لسماع خبر العدل، و الأمر الشرعي يقتضي بالإجزاء، إلّا أنّه لو اغتسل بهذا الماء و قبل الإتيان بالصلاة اطّلع على خطاء المخبر يلزم عليه الغسل، و كذا لو أخبر شاهدان على فتوى المجتهد خطاء.
ثمّ لو أخطأ المجتهد في الفتوى، بأن كان رأيه على شيء و أفتى خطاء على خلافه و
عمل به المقلّد، فكلّ ما عمل به على طبق هذا الفتوى صحيح، لاقتضاء الأمر الإجزاء.
ثمّ لو أخطأ في الاجتهاد و عمل نفسه و مقلّدوه، ثمّ اطّلع على فساد رأيه، لا يلزم عليه و لا على مقلّديه الإعادة، للعسر و الحرج و للزوم الهرج و المرج و لظهور الإجماع على حجّيّة رأيه لنفسه و لمقلّديه، و الأمر الشرعي يقتضي الإجزاء؛ و لذا لو أخطأ في الحكم بالقتل، لا يلزم عليه القصاص و لا إعطاء الدية، بل يعطي الدية من بيت المال.
ثمّ لو اعتقد بجهله المركّب أنّ رأي[1]مجتهده هذا و تبيّن خطائه، يلزم عليه الإعادة، لأنّ الأمر العقلي لا يقتضي الإجزاء.
ثمّ لو نسى حكم مجتهده و عمل بعمل، فالحكم في حقّه ما سبق من أنّه إن طابق الواقع لا يلزم الإعادة و إلّا يلزم.
و الحاصل: أنّ الجهل سواء كان بدويّا أم لا، فحكمه ما سبق.
ثمّ إنّ هذه المسائل إنّما هي على حسب القاعدة، و إلّا فالمتّبع في الموارد الخاصّة التي ورد الدليل على معذوريّة الجاهل مطلقا، كما في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، هو الدليل الخاصّ.
ثمّ إنّه لو اعتقد شخص أنّه مجتهد و عمل برأيه، ثمّ تبيّن عليه فساد اعتقاده، فهل هو معذور أم لا؟
الحقّ: أنّه ليس بمعذور، و يكون حكمه حكم الجاهل القاصر فيما إذا كان ذلك الاعتقاد من سوء فهمه، و أمّا إذا كان من إخبار عدلين من أهل الخبرة، فالحقّ أنّه معذور، لأنّ الأمر الشرعي يقتضي الإجزاء.
ثمّ إنّ القاصر باعتبار عدم التمكّن، بمعنى أنّه قلّد مجتهدا ثمّ عرض له مسألة في
[1]- في الأصل: رأيه.
موضع لا يتمكّن فيه من الرجوع إلى المجتهد، حكمه ما ذا؟
الحقّ: أنّه يلزم عليه الاحتياط فيما يمكن الاحتياط فيه، كما إذا كان الأمر دائر بين الوجوب و غير الحرمة أو بالعكس، لبقاء التكليف بالصلاة مثلا، و إمكان الاحتياط لقراءة السورة إن فرضنا أنّ أمرها دائر بين الوجوب و غير الحرمة، و إمكان الاحتياط بترك قول «آمين» بعد الحمد مثلا، إن فرضنا دوران أمره بين الحرمة و غير الوجوب.
و القطع بالاشتغال يقتضي القطع بالامتثال و إن دار الأمر بين الوجوب و الحرمة؛ فإن ظنّ أنّ فتوى مجتهده مطابق لأحدهما فالظنّ هو المتّبع، و إلّا فإن كان مطّلعا على قول المشهور في هذه المسألة فيرجّح الطرف المعتضد بالشهرة، و إلّا فإن كان مطّلعا على فتوى مجتهد ميّت أخذ بما كان مطابقا له؛ و إن انتفى المرجّحات من هذا القبيل رأسا، يقدّم جانب الحرمة و يعمل على مقتضاه، لأنّ دفع المضرّة مقدّم على جلب المنفعة؛ و قد حرّرنا ذلك على وجه الاستيفاء في مسألة أصل البراءة.
ثمّ لو أنّه عرض للمقلّد في أثناء الصلاة مسألة، كما لو شكّ بين الثلاث و الأربع، و لم يكن عالما بحكمها على طبق رأي مجتهده، فحكمها كحكم المسألة السابقة؛ و كان بناء بعض على أنّه يبنى على ما شاء، ثمّ بعد الصلاة و المراجعة إن كان موافقا لرأي مجتهده فبها، و إلّا فيعيد الصلاة.
ثمّ إنّ الرجل الذي حصل له ملكة الاجتهاد يحرم عليه التقليد، فلو تساهل في ذلك و قلّد غيره، حكمه ما ذا؟
الحقّ: أنّه لا بدّ له من الاجتهاد، فإن اجتهد و رأى أنّ ما عمل مطابق للواقع، و صار بنائه على كفاية المطابقة للصحة، لا يلزم عليه الإعادة، لأنّ حكمه حكم الجاهل المقصّر الذي طابق عمله للواقع، و إلّا يلزم.
ثمّ لو أنّ رجلا ظنّ أنّه مجتهد و مع ذلك عمل بتقليد الغير، ثمّ انكشف أنّه كان مجتهدا، فهل أعماله فاسدة، لأنّه كان يلزم عليه أن يراجع أهل الخبرة، أم أعماله
صحيحة؟
الحقّ: الثاني، لأنّه مستصحب التقليد، و الأمر الشرعي المستفاد من عدم جواز نقض اليقين بالشكّ مقتض للإجزاء؛ كما أنّه لو كان مستصحب الاجتهاد، فتبيّن زوال ملكته و أنّه عمل باجتهاده في زمان كان التقليد عليه واجبا، لا يلزم عليه الإعادة للأمر الشرعي أيضا.
المسألة الرابعة: في التخطئة و التصويب.
و يقع الكلام فيه في مقامات أربعة:
الأوّل: في الأحكام العقليّة، سواء كان من أصول العقائد أم لا.
الثاني: في الأحكام الفرعيّة التي يستقلّ به العقل، كقبح الظلم و وجوب ردّ الوديعة.
الثالث: في الأحكام الفرعيّة الضروريّة.
الرابع: في الأحكام الفرعيّة الغير الضروريّة، سواء قام عليه دليل قطعي كالإجماع و التواتر، أم لا.
قال الأستاد: و العجب من الفاضل القمي(رحمه اللّه)حيث جعل مقامات المسألة أربعة بقوله:
إنّ الجمهور من المسلمين على أنّ المصيب فيها أي في العقليّات واحد، الخ.
و أمّا الفرعيّة من العقليّة، الخ.
و أمّا الفرعيّات الشرعيّات كالعبادات البدنيّة و المعاملات، فقالوا: إن كان عليه
قاطع فالمصيب فيها أيضا واحد و المخطئ غير معذور، و الظاهر أنّ مرادهم أن يكون على المسألة دليل قاطع، بحيث لو تفحّصه المجتهد لوجده جزما، فعدم الوصول إليه كاشف عن تقصيره، الخ؛ و أمّا فيما لم يكن عليه دليل قطعي مثل سائر المسائل الاجتهاديّة، فبعد استفراغ وسعه في الاجتهاد فلا إثم و إن أخطأ، بلا خلاف إلّا من بعض العامّة، و لكنّهم اختلفوا في التصويب و التخطئة، إلى أن قال:
ثم القائلون بالتخطئة من العامّة اختلفوا، فقال بعضهم: إنّ اللّه لم ينصب دليلا على ذلك الحكم المعيّن، و هو بمنزلة الدفين، فمن عثر عليه من باب الاتّفاق فله أجران و لمن لم يصبه أجر واحد على اجتهاده، و قال بعضهم: إنّه نصب عليه دليلا، فقيل: إنّه قطعي، و قيل: إنّه ظنّي؛ و القائلون بأنّه قطعي اختلفوا، فجمهورهم على عدم الإثم، و ذهب بشير المريسي إلى كون المخطئ آثما؛ إلى آخر ما ذكره.
و جعل المقام الثالث في الفرعيّات التي قام عليه دليل قطعي، و جعل عنوان المقام الرابع الفرعيّات التي لم يقم عليها دليل قطعي؛ و مع ذلك جعل من أقوال المقام الرابع القول بأنّ الحكم له دليل قطعي؛ و هذا خبط واضح، و لذا غيّرنا المقامات و جعلنا المقام الثالث في الفرعيّات الضروريّة، بمعنى أنّ مراد القوم من الدليل القطعي في المقام الثالث هو الضرورة، و جعلنا المقام الرابع في الفرعيّات الغير الضروريّة مطلقا.
و لكن أقول: لا احتياج إلى تغيّر المقامات و لا إلى ارتكاب هذه التمحّلات، و لا يلزم على هذا الفاضل خبط، بل مراده من القطعي في المقام الثالث هو المسائل الضروريّة و الإجماعيّة، كما يظهر من قوله في المقام الثالث «و الظاهر أنّ مرادهم» الخ.
و مراده من غير القطعي في المقام الرابع هو غير المسائل الضروريّة و الإجماعيّة، و لا ينافي ذلك قول بعض العامّة في هذا المقام بأنّ اللّه نصب على الحكم دليلا، فإنّ هذا القائل قائل بأنّ المسائل الغير الضروريّة و الإجماعيّة أيضا نصب اللّه عليها