بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 215

أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، فإنّهم كانوا متمكّنين من تحصيل الأحكام الواقعيّة، لانفتاح باب العلم لهم بالسؤال عن خزنته(عليهم السلام).

و أمّا على فرض عدم التمكّن من تحصيله في زماننا هذا، فنحن إن كنّا مكلّفين بتحصيل الواقع، يلزم التكليف بما لا يطاق، فلاستحالته على اللّه تعالى حكم عقولنا بأنّ تكليفنا العمل بالمعتقد، و بما أدّى ظنونا إليه من باب الاضطرار، و أكل الميتة عند المخمصة، و أنّ هذا الحكم المعتقد بمقتضى العقل بدل من الحكم الواقعي إن لم يطابقه.

و لنمثّل لتوضيح تحرير محلّ النزاع بالأدوية الموجودة في عالم الحس، حتّى ينكشف غاية الانكشاف، فإنّ عالم الأجساد نظير لعالم الأرواح، و كما أنّ الأدوية و المعاجين الخارجيّة يصير سببا لشفاء أمراض الأبدان، و يوجب حفظ الصحّة في صورة عدم المرض، و ربما يوجب بعض الأدوية الهلاك في بعض الأمزجة، و هكذا أحكام اللّه تعالى يوجب شفاء أمراض الأرواح من الجهل و عساكره، من البخل و الحسد و القسوة و نظائرها.

فنقول: إنّ بعض الأمراض البدنيّة ممّا له أدوية متعدّدة، يدفع كلّ واحد منها بالأصالة المرض، كمن كان له مثلا مرضا صفراويّا، فإنّ هذا المرض ممّا يندفع بالأدوية الباردة الرطبة، و كلّ واحد منها كاف في دفع المرض، فالطبيب حينئذ يخيّر المريض بين استعمال أيّها شاء؛ نظيره في الأحكام، كما في الواجبات التخييريّة، فإنّ من أفطر يوما من رمضان من دون عذر، يحصل لنفسه و روحه من ذلك مرض و مفسدة، و جعل الطبيب الواقعي لدفع هذا المرض من الروح أدوية ثلاثة هي الكفّارات الثلاث، و لمّا كان كلّ واحد منها مستقلّا في دفع هذا المرض، خيّر هذا المريض في الإتيان بأيّها أراد؛ و الأحكام التي هي من هذا القبيل ليس من محلّ النزاع، لأنّ الفريقين كليهما يقولون إنّ هذه الأحكام من الأحكام الواقعيّة المرتسمة في اللوح.

و بعض الأمراض ممّا له بالأصل دواء واحد ينتفع به، و لكن له في الخارج بدل‌


صفحه 216

لا يكون نفعه كنفع المبدل منه، لكنّه ممّا يطفئ به المرض و لا يندفع بالمرّة، كما في السموم مثلا، فإنّ الترياق ممّا يزول به السمّ و ينقمع به أثره بالمرّة، و الفادزهر بدل منه؛ و كما فيمن كان به ضعف القلب الشديد، فإن شرب الخمر العتيق مثلا، لتوليدها الدم الصالح في زمان يسير، يشفي به المرض، و المحّ النيم‌برشت كذلك في توليد الدم الصالح، لكن لا يصل في إلى الخمر فجعل بدلا له، و كذلك ماء اللحم مثلا، و في هذه الصورة يقول الطبيب لهذا المريض: و دواء دائك هذا، و إن لم تجده فالشي‌ء الفلاني بدل منه؛ و نظيره في الأحكام الواقعيّة الثانويّة، كالتيمّم عند عدم إمكان الوضوء و الغسل مثلا؛ و هذا القسم أيضا ليس من محلّ النزاع.

و بعض الأمراض ممّا يختلف دوائه باعتبار اختلاف الأوقات، كما أنّ المرض السوداوي معالجته في الشتاء مغايرة لمعالجته في الصيف؛ و نظيره في الأحكام الأحكام المتغايرة بتغاير الموضوع، كما في المسافر و الحاضر، فإنّ علاج المسافر للمرض الروحاني القصر و للحاضر الإتمام، و كما في تبدّل أحكام الماء باعتبار كونه في الأمكنة، فإنّه إذا كان في البئر تجري عليه أحكام ماء البئر، و إذا كان في الحوض يجري عليه أحكام الكرّ، و إذا كان في الإبريق يجري عليه أحكام ماء القليل، فإنّ الموضوع في كلّ واحد من المثالين هو الذات مع الوصف العنواني، و بتبدّله يتبدّل الحكم؛ و هذا القسم أيضا ليس من محلّ النزاع، فإنّ كلا الفريقين متّفقون على أنّ هذه الأحكام المتغايرة بتغاير الموضوع، على هذا النحو من التغاير، كلّها أحكام واقعيّة.

و بعض الأدوية بل كلّها ممّا يتفاوت أثره بالنظر إلى بعض الأمزجة، بل يختلف أثر كلّ دواء بالنسبة إلى الأمزجة المختلفة، فيكون دواء واحد نافعا في المزاج الصفراوي و ضارّا في البلغمي، أو نافعا في الدموي و ضارّا في السوداوي، أو بالعكس، مع وحدة الموضوع و هو الدواء؛ نظيره صلاة الجمعة للحاضر مثلا، و محلّ النزاع هو في هذا القسم، فإنّ المصوّبة يقولون ليس لصلاة الجمعة في نفسها مصلحة و


صفحه 217

لا مفسدة، بل تتفاوت بتفاوت المجتهدين، فمن أدّى ظنّه إلى حسنها هي حسن بالنسبة إليه، و من أدّى ظنّه إلى قبحها فهي حرام مثلا بالنسبة إليها.

و بعبارة أخرى: يقولون: إنّ الأحكام تابعة للحسن و القبح، و هما بالوجوه و الاعتبارات، و من جملتها العلم و الجهل، فعلم هذا بحسنه موجد لوجوبه في الواقع على الاحتمال الأوّل، و مطابق للوجوب المجعولة في الواقع بالنسبة إلى هذا المجتهد على الاحتمال الثاني و الرابع، و مطابق للوجوب الواقعي من باب الاتّفاق على الاحتمال الثالث؛ و علم ذلك بقبحه موجد لحرمته و هكذا.

و المخطئة يقولون: إنّ لهذه الصلاة في الواقع، مع قطع النظر عن الآراء، صفة كامنة إمّا القبح و إمّا الحسن، فإن كان الصفة الحسن، فالحكم المجعول الوجوب؛ و إن كانت القبح، فالحكم الحرمة؛ و لا مدخليّة لآراء المجتهدين في حسنها و لا قبحها؛ فإن طابقه ظنّ المجتهد فنعم المراد، و إلّا فهو معذور، و ظنّه بأنّ ما أدّى إليه ظنّه مطابق للواقع، و اعتقاده بأنّه حكم اللّه في حقّه و حقّ مقلّده، و امتثاله به بهذا الاعتقاد، ترياق للمفسدة الحاصلة من المخالفة.

و بعبارة أخرى: يقول المخطئة بتعدّد الحكم عند تعدّد الموضوع، و كذا المصوّبة، لكن المصوّبة يجعلون من مغيّرات الموضوع ما لا يصير سببا لتغيّره عند المخطئة.

و الحاصل: أنّ المصوّبة يقولون: إنّ في الواقعة الخاصّة ليس للقدر المشترك بين المجتهدين حكما مجعولا في الواقع، و المخطئة يقولون به و إنّ ما اعتقده بدل منه ظاهرا في صورة المخالفة.

ثمّ لا يخفى أنّه لا إشكال في كون الأحكام محلّا للنزاع، إنّما الإشكال في أنّ النزاع هل يجري في الموضوعات أيضا أم لا؟

قال الأستاد: يظهر من الشهيد الثاني، حيث عدّ من ثمرات المسألة إنّ من اجتهد في جهة القبلة، فاعتقد خلاف القبلة و صلّى إليه، ثمّ انكشف الخلاف، فإن قلنا بالتصويب، لا يلزم عليه الإعادة و لا القضاء، لأنّ الحكم الواقعي في حقّه هو الصلاة


صفحه 218

إلى هذه الجهة؛ و إن قلنا بالتخطئة، يلزم لأنّه لم يأت بالمأمور به الواقعي، فإنّ الظاهر من ترتّب هذه الثمرة على هذه المسألة أنّ النزاع في التخطئة و التصويب، كما يجري في الأحكام، كذلك يجري في الموضوعات أيضا.

أقول: التعليلان المذكوران للإعادة و عدمها على القولين ليسا في كلام الشهيد(رحمه اللّه)، بل إنّما هو رتّب الحكمين على المسألة من دون ذكر التعليل، و على هذا التعليل الذي ذكرنا كلامه(رحمه اللّه)ظاهر في التصويب و التخطئة في الحكم لا في الموضوع، بل مع قطع النظر عن التعليل أيضا كلامه ظاهر فيما ذكرنا.

و كيف ما كان، فعلى ما قال الأستاد سلّمه اللّه، الحقّ: عدم جريان النزاع في الموضوعات لوجوه ثلاثة:

الأوّل: إنّ التصويب و التخطئة غير معقول في الموضوعات الخارجيّة، فإنّ الموضوع الخارجي الذي هو الكعبة مثلا لا يتعدّد بتعدّد الاعتقاد قطعا، بل القائل بالتصويب في الأحكام أيضا لا يتفوه بذلك، فإنّ تعدّد الشي‌ء الموجود الخارجي محال لتشخّصه؛ و أمّا في الأحكام، فلكون التعدّد ممكنا فيها بالنسبة إلى الأشخاص، يمكن تعقّل التصويب فيها.

الثاني: إنّ الظاهر من عنوانات القوم، حيث يقولون: اختلفوا في أنّ كلّ مجتهد مصيب أم المصيب واحد، إنّ النزاع مخصوص في الأحكام، لأنّ ما من شأن المجتهد أن يجتهد فيه هو الأحكام لا الموضوعات، فإنّ الاجتهاد في الموضوعات موكول إلى العرف لا إلى المجتهد من حيث أنّه مجتهد.

الثالث: إنّهم اختلفوا في مسألة أنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة، أو للأمور الذهنيّة على قولين؛ و جعلوا من ثمراتها أنّ الشارع لو قال: صلّ إلى الكعبة، و اعتقد واحد خلاف الكعبة كعبة، و صلّى إليها، فإن قلنا بالأوّل لم يمتثل، و إن قلنا بالثاني امتثل، لكونه مأمورا بالصلاة إلى ما اعتقده كعبة؛ و نسبوا القول الثاني إلى بعض الإماميّة، فلو كان النزاع عامّا للموضوعات، لكان هذا القول لبعض الإماميّة


صفحه 219

منافيا لادّعاء اتّفاقهم على التخطئة؛ و فساد هذا الوجه واضح، فإنّ الأمر لو كان كذلك، لكان الأحكام أيضا خارجا عن محلّ النزاع، لأنّ هذا القول أيضا مناف للاتّفاق في التخطئة في الأحكام.

بل الحقّ: أنّ هذه المسألة لا مدخليّة لتلك المسألة فيها، فإنّ النزاع في تلك المسألة في الموضوع المستنبط، و في هذه المسألة في الأحكام، و القائل فيها بأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة، يمكنه القول في هذه المسألة بالتصويب و كذا التخطئة، و كذا يمكن كلّ واحد من القولين في المسألة أن يقول به من قال ثمّة، بأنّ الألفاظ موضوعة للمعاني الذهنيّة؛ كما لا يخفى.

المقدّمة الثانية: في تأسيس الأصل في المسألة؛ قال الفاضل القمي(رحمه اللّه): إنّ الأصل فيها مع المخطئة، لأصالة عدم التعدّد؛ و هذا القول بظاهره غير خال عن الخدشة، لأنّه يمكن للخصم أن يقول: إن أردت من هذا الكلام ظاهره المتبادر، فالأصل غير جار، لأنّ الشكّ في وصف الحادث المعلوم التعدّد، فإنّ الأحكام في الواقعة الخاصّة متعدّدة عند كلا الفريقين؛ غاية الأمر أنّ المخطئة يقولون: إنّ المتعدّد هو الأحكام الظاهريّة، و المصوّبة يقولون: إنّها هي الأحكام الواقعيّة؛ فلا نزاع بين الفريقين إلّا في وصف الواقعيّة و الظاهريّة.

فإن قلت: الأصل عدم الواقعيّة، فهو معارض بأنّ الأصل عدم الظاهريّة؛ و إن أردت منه أصالة عدم إصابة هذا الحكم مثلا للواقع، فهذا الشكّ أيضا في الحادث؛ فإنّ هذا الحكم لا يخلو من أنّه إمّا أصاب الواقع، و إمّا أصاب الظاهر.

فإن قلت: الأصل عدم إصابته، فهو معارض بأنّ الأصل عدم إصابته للظاهر.

لكن الحقّ: أنّ الأصل بكلا التقريرين جار، أمّا على التقرير الأوّل، فلأنّ النزاع على ما تقرّر في المقدّمة السابقة، في أنّ هذه الأحكام الظاهريّة في الواقعة الخاصّة، هل الكلّ واقعيّات أو الواقعي واحد و السائر بدل منه؟ فلو اختلف آراء المجتهدين في واقعة خاصّة بخمسة أقوال، فلو كان الكلّ واقعيّا يحتاج إلى جعل متعدّد بعدد


صفحه 220

الأقوال، و إن كان الواقعي واحد يحتاج إلى جعل واحد؛ فإذا ما شككنا في أنّ الجعل واحد أم متعدّد، فبأصالة عدم تعدّد الجعل نحكم أنّه واحد؛ فالمراد بأصالة عدم التعدّد هو أصالة عدم تعدّد الجعل.

فإن قلت: كما أنّ الحكم الواقعي يحتاج إلى الجعل، كذلك الأحكام الظاهريّة يحتاج إليه، فلا محيص على كلا القولين من التزام تعدّد الجعل، فلا يجري الأصل.

قلت: يكفي في جميع الأحكام الظاهريّة حكم واحد، و هو وجوب العمل بالمعتقد، بمعنى أنّا لو فرضنا أنّ الوقائع منحصرة في خمسين واقعة مثلا، و أنّ المجتهدين اختلفوا في كلّ واقعة على ثلاثة أقوال، فعلى القول بالتصويب نحتاج إلى جعل مائة و خمسين حكما، و على القول بالتخطئة يكفي جعل واحد و خمسين حكما، خمسون منها للأحكام الواقعيّة في خمسين واقعة، و واحد منها و هو وجوب العمل بالمعتقد للأحكام الظاهريّة التي هي مائة حكما، فالأصل عدم زيادة الجعل على واحد و خمسين، فتثبت بأصالة عدم تعدّد الجعل التخطئة.

كما نثبت بهذا الأصل اشتراك الغائب للمشافهة في الأحكام التي نزلت على المشافهين، بمعنى أنّه لو فرضنا نزول عشرة أحكام على المشافهين، فإن كان الغائبين مشاركين لهم في هذا الأحكام، لا نحتاج إلى جعل آخر لهم، و إلّا فنحتاج، و الأصل عدم تعدّد الجعل، فالأصل الاشتراك، لكن في إثبات الاشتراك بهذا الأصل كلام، فإنّه يجوز أن يكون الغائبون غير مشاركين لهم مع عدم لزوم تعدّد الجعل.

فإن قلت: فعلى هذا يلزم أن يكون الواقعة في حقّ الغائبين خالية عن الحكم، و هو غير جائز.

قلت: يجوز أن يكون الحكم في حقّهم الإباحة المستفادة من العمومات، كقوله(عليه السلام)«كلّ شي‌ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» و أمثاله، فعلى فرض عدم اشتراكهم لهم، لا نحتاج إلى تعدّد الجعل، و لا يلزم خلوّ الواقعة عن الحكم.

و كما نثبت بأصالة عدم تعدّد الوضع فيما لو استعمل لفظ في معنيين، و شككنا في‌


صفحه 221

أنّه حقيقة في أحدهما و مجاز في الآخر، أو مشترك لفظي بينهما، أنّه حقيقة و مجاز لا مشترك، لأنّ المشترك يحتاج إلى وصفين بخلاف الحقيقة في أحدهما، فإنّها يحتاج إلى وضع واحد.

و يعارضنا الخصم بأنّ الاشتراك كما يحتاج إلى تعدّد الوضع، كذلك الحقيقة و المجاز، غاية الأمر أنّه يحتاج في الاشتراك إلى وضعين شخصيّين، و في الآخر إلى وضع شخصيّ للحقيقة و وضع نوعيّ للمجاز.

و نجيب عنه بأنّ الوضع النوعي في المجاز نكفي فيه وضع واحد لجميع المجازات، و قد حصل الرخصة من الواضع في كلّيّاتها، فلو كان المستعمل فيه معان ثلاثة، نحتاج على الاشتراك إلى ثلاثة أوضاع، و على الحقيقة في واحد نحتاج إلى وضعين، شخصيّ للحقيقة و نوعيّ للمجازين؛ و يكفي ذلك الوضع في جميع المجازات.

و لا يخفى أنّ إجراء الأصل على هذا التقرير إنّما يصحّ على الاحتمالات الثلاثة الأخيرة، و أمّا على الاحتمال الأوّل، و هو كون رأي المجتهد محدثا للحكم، فنقول: إنّ الأحداث الزائد على الواحد أمر حادث، و الأصل عدمه، بمعنى أنّه على التخطئة يكفي حدوث واحد، و على هذا الاحتمال من التصويب يحتاج إلى إحداثات متعدّدة، و الأصل عدمها.

و أمّا على تقرير الثاني، فلأنّا نقول: إنّ إصابة رأي واحد من الآراء للواقع قدر يقيني بين الخصمين، و إصابة السائر له مشكوكة، و الأصل عدمها.

و القول بأنّ هذا الرأي مثلا أصاب إمّا الواقع و إمّا الظاهر، فالشكّ في الحادث فاسد، لأنّ الحكم الظاهري ليس أمر ما وراء رأي المجتهد حتّى يقال: إنّ الأصل عدم إصابة الرأي للظاهر، بل كون الآراء أحكاما ظاهريّة، بمعنى أنّه يجب العمل بها ممّا أطبق الفريقان عليه، إنّما الخلاف في أنّ الحسن سواء كان ذاتيّا أو بالوجوه و الاعتبار، في واحد منها من دون مدخليّة العلم و الجهل، أو للعلم و الجهل مدخليّة و الكلّ حسن.


صفحه 222

و كيف ما كان، يمكن أن يقال: لا ريب في أنّ الأصل في المسألة مع التخطئة.

و بعد ما عرفت الأقوال في المسألة و محلّ النزاع و تأسيس الأصل، فنقول: إنّ الصواب في التخطئة، كما أنّ التخطئة في التصويب، و ذلك لوجوه عديدة:

الأوّل: الأصل الذي أصلناه في المقدّمة الثانية.

الثاني: الإجماع المحقّق من الطائفة المحقّة عليها.

و الثالث: الإجماعات المنقولة البالغة إلى حدّ التواتر في أنّ الصواب في واحد، و الباقي مخطئ معذور.

و لا يخفى أنّ هذين الوجهين إقناعيّان.

الرابع: أنّ الأحكام لو لم تكن تابعة للصفات الذاتيّة، أو بالوجوه و الاعتبار مع استثناء العلم و الجهل، بل كانت بواسطة العلم و كانت تابعة لآراء المجتهدين، يلزم الدور.

بيانه: أنّ العلم بالتكليف بهذا الحكم مثلا متوقّف على الطلب المتوقّف على الحسن، فلو كان الحسن أيضا متوقّفا على العلم، لزم الدور.

أقول: بنيان هذا الدليل على ما تقرّر آنفا في مسألة عبادة الجاهل، مبنيّ على بطلان الترجيح بلا مرجّح، فلا يتمّ هذا الاستدلال في مقابلة المصوّبة من الأشاعرة القائلين بجوازه.

اللهمّ إلّا أن يتكلّم معهم في هذه المسألة الكلاميّة.

ثمّ لا يخفى إنّ هذا الدليل إنّما يتمشّى في دفع الاحتمال الأوّل، و كان الظاهر من كلامهم هو ذلك الاحتمال.

الخامس: أنّ المنزل إلى النبي(صلّى اللّه عليه و آله)باتّفاق الفريقين كان حكما واحدا، فلو كان الأحكام المجعولة في واقعة خاصّة متعدّدة، يلزم الترجيح بلا مرجّح من إنزال هذا الحكم الخاصّ إليه(صلّى اللّه عليه و آله)دون غيره، و التالي باطل، فالمقدّم مثله، و هذا يجري في مقابل الاحتمالات الأخيرة.