المسألة الخامسة: في أنّه يجب الاجتهاد عينا على كلّ أحد، أم لا؟
ذهب فقهاء حلب و بعض معتزلة بغداد إلى الأوّل؛ إلّا أنّ الأوّلين اكتفوا بمعرفة موارد الإجماعات الحاصلة من المناقشات الواقعة بين العلماء، كأن يرى العامي أنّ المسألة الفلانية لا يختلفون فيها، بل يحكمون لحكم واحد، و بمعرفة ظواهر النصوص، و بمعرفة أنّ الأصل في المنافع الإباحة و في المضار الحرمة؛ بمعنى أنّ العامي يجب عليه الاستدلال في كلّ مسألة بإجماع أو نصّ أو أصل.
و الآخرين جعلوا الأمر أسهل على زعمهم، بأن حكموا بوجوب سؤال العامي من المجتهد الذي تبيّن عنده اجتهاده، من الأقوال في المسألة و الأدلّة عليها، فينظر ذلك العامي في أدلّة الطرفين و يأخذ بالراجح في نظره.
و أمّا الإماميّة أجمعوا على أنّ الاجتهاد واجب كفائيّ؛ و الأصل في المسألة مع القائلين بالوجوب العيني، لأنّ كلّ ما ثبت وجوبه و شكّ في أنّه عينيّ أو كفائيّ؛ فالأصل كونه عينيّا، لأنّ الواجبين يشتركان من جهة أنّ الوجوب يتعلّق بالكلّ، و من جهة أنّهم لو تركوا جميعا لكان الكلّ آثما؛ و يفترقان من جهة أنّ الواجب العيني
لو قام به واحد لا يسقط عن الآخرين، و الواجب الكفائي يسقط بقيام من يحصل الكفاية، فبعد إتيان واحد بما ثبت وجوبه، و شككنا في سقوطه عن الآخرين، فالأصل بقائه للاستصحاب.
فإن قلت: نفرض أنّ مجنونا أو صبيّا صار عاقلا أو بالغا بعد إتيان واحد بذلك، فنشكّ في تعلّق التكليف له، و الأصل براءة ذمّته عنه، و إذا ثبت الوجوب الكفائي في مورد نتعدّى بالإجماع المركّب.
قلت: بعد ما أثبتنا العينيّة في أكثر الموارد بالاستصحاب، و تعدّينا إلى هذه الصورة المفروضة بالإجماع المركّب، يكون ضميمة إجماعنا أقوى، على أنّه يمكن أن يقال: إنّ أصل البراءة التي هي في الواقع في المقام استصحاب عدم التكليف الثابت في حالة الجنون أو حالة الصبي غير جارية، لعدم بقاء الموضوع.
فإن قلت: وجوب الاجتهاد على العاصي غير ثابت من أوّل الأمر، حتّى يثبت العينيّة بالاستصحاب، لجواز أن يكون الواجب عليه التقليد.
قلت: أمر ذلك العامي منحصر في أمرين، العمل بظنّ الغير و هو تقليد، و العمل بظنّ نفسه و هو الاجتهاد، و لا ريب في أنّ الثاني أرجح، فلا بدّ من الاجتهاد؛ بمعنى أنّه يجب الاجتهاد أوّلا على كلّ لرجحانه على التقليد، و بعد ثبوت الوجوب يثبت بالعينيّة بالتقرير الذي مرّ.
لكن الحقّ: كونه واجبا كفائيّا، بمعنى أنّ الاجتهاد و إن قلنا بكفاية ما قاله فقهاء حلب واجب كفائي، لكن إن كان مرادهم بكفاية المذكورات مع التقليد في المدرك، كأن يبني على حجّيّة الإجماع من غير دليل، و كذا على حجّيّة الأصل، فهذا القدر غير كاف في نفس الاجتهاد؛ و إن كان مرادهم أنّه لا بدّ من معرفة مدرك الإجماع و الدليل على حجّيّته، و كذا الدليل على حجّيّة الأصل، و معرفة سائر المقدّمات من النحو و الصرف و غيرهما لفهم الأحاديث، فهذا القدر كاف و وجوبه كفائي.
و يدلّ على المختار الإجماع المحقّق، و لزوم العسر و الحرج، و اختلال نظم العالم و
عيش بني آدم، إن قلنا بعينيّته، فإنّ الناس بعد ما اشتغلوا جميعا بمعرفة موارد الإجماعات و سائر الأدلّة، يختلّ أمور معاشهم جميعا، حتّى إنّا و إن قلنا بكفاية ما اكتفوا به الفقهاء تقليدا، للزم العسر أيضا، كما لا يخفى.
مضافا إلى أنّ التقليد في الدليل تقليد في المدلول، فعلى فرض التقليد في الدليل، يلزم التقليد في الأحكام، مع أنّهم اكتفوا بهذا القدر من الاجتهاد تحاشيا عن التقليد، لكونه عملا بما وراء العلم.
مضافا إلى أنّه على قول المعتزلة، زيادة على العسر و الحرج على الناس، يلزم التكليف بما لا يطاق، لأنّ أكثر العوام غير متمكّنين عن الترجيح بين الأدلّة، كما في أكثر النساء و العوام.
مضافا على لزوم العسر و الحرج على العالم الذي يبيّن الأقوال و الأدلّة للعوام.
مضافا إلى أنّ تبيّن اجتهاد المسئول عنه متعذّر أو متعسّر لأكثر العوام.
و كيف ما كان، عدم لزوم الاجتهاد على وجه العينيّة على كلّ أحد، بيّن لمن كان له أدنى بصيرة.
إنّما الإشكال في أنّه واجب عينيّ على الطلّاب المستعدّين أولى القوّة، أم لا؟
الحقّ: تساويهم بالذات مع العوام في الوجوب الكفائي، نعم قد يصير الواجب الكفائي للعوارض واجبا عينيّا، كما في من يقدر على تجهيز الميّت دون غيره، فإنّه مع كون التجهيز واجبا كفائيّا على القادر واجبا عينيّا؛ فلو فرضنا خلوّ الدهر من المجتهد، و كان في البين عصبة مستعدّون، يلزم عليهم الاجتهاد عينا، لاختلال النظم لو قلنا بتساويهم مع غيرهم.
و لا يخفى أنّ الوجوب يسقط من الباقين، على فرض وجود المجتهد على قدر يقوم به الكفاية، فلو كان مجتهد واحد و لا يسدّ الاحتياج به، لا يسقط الوجوب الكفائي عن الآخرين، بل الكلّ آثمون على الترك، كما أنّه في الجهاد لو قام الكفاية لعشرة آلاف مثلا، و تصدّى للجهاد ألف، لا يسقط الوجوب عن الباقين حتّى يتصدّى له
تسعة آلاف آخر.
و أمّا تفصيل الكلام في أمر الاجتهاد، فهو أنّ المجتهد للاحتياج به مراتب، فإنّه قد يكون محتاجا للفتوى في أمور العبادات و المعاملات، و يحصل الكفاية لهذا الأمر بوجود مجتهد أو مجتهدين في جميع العالم، بإرسال الرسائل إلى الأقطار.
و قد يكون محتاجا إليه للتصرّف في أموال اليتامى و المال المجهول المالك و مال الإمام، و يسدّ الاحتياج فيه أيضا بمجتهد واحد، بنصب الوكلاء على الأمصار.
و قد يكون محتاجا إليه لرفع الخصومات و المرافعات و إجراء الحدود، و لا يحصل الكفاية لهذا إلّا بوجود مجتهدين كثيرين، بل لا يحصل إلّا بوجود المجتهد في كلّ مصر، بل في الأمصار العظيمة لا بدّ من أكثر من الواحد، كما لا يخفى.
فعلى هذا، لو فرضنا مجتهدين لا يقوم بهم الكفاية لهذا الأمر، يجب الاجتهاد على المستعدّين عينا و على السائرين كفاية؛ أمّا المستعدّون، فإن كانوا متمكّنين من تهيّؤ الأسباب ممّا يحتاجون إليه في الاجتهاد، فوجوب الاجتهاد عليهم واضح، و إن لم يكونوا متمكّنين، كأكثر طلّاب زماننا، فيسقط وجوب الاجتهاد عنهم بمحض الاشتغال بالتحصيل على حسب مكنتهم، لأنّا إن قلنا بوجوب أزيد من ذلك عليهم، يلزم التكليف بما لا يطاق؛ لكن يجب على أرباب الثروة إعانتهم بإعطاء المعونة و الكتب، حتّى يجتهد المستعدّين على قدر الكفاية؛ و أمّا السائرون أيضا، فلا يسقط الوجوب الكفائي المتعلّق بهم، لعدم سدّ الاحتياج إلى المجتهد بمجتهد لا يقدر على فصل جميع الخصومات، و على فرض إخلال جميع الناس بذلك، يكون الكلّ آثمين فاسقين، لإخلالهم بالواجب.
فإن قلت: يمكن رفع الاحتياج إلى المجتهدين بمجتهد واحد، بتجويز المراجعة و رفع الخصومة للمقلّد.
قلت: المجتهدون الماهرون ربما يعجزون عن تمييز المدّعي عن المنكر، و عن تمييز النزاع، فضلا عن المقلّد، مضافا إلى أنّ كتب القوم مشحونة باشتراط الاجتهاد في
القضاء، حتّى في قاضي التحكيم؛ و قد تحقّق إجماعهم على ذلك، و الخلاف منسوب إلى الفاضل الأردبيلي؛ و خلافه لا يعبأ به في مقابل جلّ الأصحاب، مضافا إلى أنّ المجوّز للمقلّد رفع الخصومات مطالب بالدليل، لأنّ الأصل عدم جواز رفع الخصومات له.
فإن قلت: الدليل العسر و الحرج.
قلت: هذا العسر ناش بسوء اختيارهم، فإنّهم لم لا يجتهدون و لا يبذلون المعونة بالمستعدّين حتّى لا يلزم عليهم العسر؟ و العسر بالاختيار لا ينافي الاختيار، كما أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافيه.
و العجب ممّن يقول بذلك، و مع ذلك يجوّز المرافعة للمقلّد.
فإن قلت: الدليل رواية «من عرف شيئا من أحكامنا» فإنّها بإطلاقها شامل للمقلّد أيضا.
قلت: انصراف العارف إلى المقلّد أوّل الكلام، سلّمنا، لكن قد يحتاج إلى فروع لم يستنبطها مجتهده، ففي الرجوع في هذه الفروع إلى المجتهد عسر عظيم، كما لا يخفى؛ فتأمّل.
هذا، و لكن يشكل الأمر علينا عند الحكم بوجوب الاجتهاد لرفع الخصومات، و عدم جوازه للمقلّد، فإنّ هذا الحكم مستلزم للحكم بفسق جلّ الناس حيث لا يجتهدون و لا يعينون المستعدّين من الطلّاب، و بذلك يختلّ الأمر في الشهادة؛ لكن المناص عنه بأن نقول: إنّهم غير ملتفتين إلى وجوب الاجتهاد، أو ملتفتون إلى ذلك و لكن قد لا يلتفتون إلى عدم قيام الكفاية بالمجتهدين الموجودين.
و بعبارة أخرى: هم قاصرون في ذلك، فلا إثم عليهم للقصور، نعم مع الالتفات لا ضير في الحكم بالفسق بعد مساعدة الدليل.
ربّ وفّقنا للامتثال بالتكليف المتوجّه إلينا من التحصيل.
المسألة السادسة: في أنّه هل يجب على المجتهد تجديد النظر فيما اجتهد سابقا، أم لا؟
و اختلفوا فيه على أقوال، ثالثها لزوم التجديد إن مضى من الاجتهاد الأوّل زمان ازداد فيه قوّته، و إلّا فلا؛ و رابعها لزوم التجديد إن لم يكن أدلّة المسألة حاضرة عنده عند الافتاء و الاحتياج، و إلّا فلا.
و المختار عدم لزوم تجديد النظر مطلقا، لأنّه لا أقلّ من لزوم العسر و الحرج إن قلنا باللزوم، فإنّ في زماننا قد تكثّرت الفروع و زادت الأفكار، و العمر ربما لا يفي بالاجتهاد في جميع أبواب الفقه مرّة واحدة، فضلا عن تجديد النظر.
لا يقال: يجتهد أوّلا في المسائل الضروريّة من العبادات و نحوها، و يجدّد النظر فيها.
لأنّا نقول: هذا الشخص لكونه مجتهدا، يكون معرفة جميع أبواب الفقه محتاجا إليه للافتاء و رفع المنازعات المشتبهة الواقعة بين الناس، بل ربما لا يصل يده إلى الاجتهاد في المسائل المحتاجة في يوم واحد، فضلا عن اجتهاده و تجديد النظر.
ثمّ لا يخفى أنّ الأصل في المسألة إن كنّا أصلا اشتغاليّا مع القول بلزوم التجديد
مطلقا، لكن لمّا كان الشكّ في التكليف بوجوب تجديد النظر، و كان مختارنا أصالة البراءة، فنقول: إنّ لنا على مختارنا في هذه المسألة وجوه عديدة:
منها: أصالة البراءة.
و منها: الاستصحابات الثلاثة؛ أحدها استصحاب جواز البناء على الاجتهاد السابق، فإنّه عند الاجتهاد السابق كان جواز البناء عليه يقينيّا، و عند الشكّ بعد مضيّ زمان الأصل بقائه.
و الثاني: استصحاب صحّة البناء عليه؛ و الفرق بين الاستصحابين أنّ الأوّل في الحكم التكليفي و الثاني في الحكم الوضعي، و كلا الاستصحابين استصحاب في المسألة الأصوليّة.
و الثالث: استصحاب الحكم الفرعي، فإنّا بعد ما اجتهدنا و استنبطنا وجوب السورة في الصلاة مثلا، ثمّ حصل لنا الشكّ في وجوبها لا من باب التوقّف في أدلّته، بل بمحض احتمال أنّ السورة ليست واجبة، فالأصل بقائه.
و منها: لزوم العسر و الحرج على المجتهد لو لا ذلك، على التقرير الذي مرّ قبل هذا.
و منها: لزوم اللغويّة إن قلنا بلزوم تجديد النظر في الأحكام الارتباطيّة، كما لو فرضنا أنّه اجتهد في باب الطهارة و الصلاة، و فرضنا أنّ فيهما ألف مسألة؛ فإن قلنا بلزوم تجديد النظر في البابين، فالتجديد في الكلّ يستدعي زمانا طويلا لا بدّ له فيه في كلّ يوم من الإتيان بالأعمال مرارا؛ و التجديد في البعض لا يفيد، لكون الأحكام ارتباطيّة.
نعم، يتصوّر هذا في الأحكام المستقلّة، كشرب التتن و نحوه، لكن لا يتمّ به القاعدة، لعدم الدليل على الوجوب فيها أيضا، بل الدليل موجود على عدم الوجوب.
و منها: أنّ أمر المجتهد في باب الطهارة مثلا، دائر بين أن يجدّد النظر فيه و يقلّد في
مسائل الصلاة مثلا، و أن يترك التجديد و يشتغل في زمان يريد أن يصرفه فيه بالاجتهاد في الصلاة، و لا ريب أنّ الأمر إذا دار بين الاجتهاد و التقليد، فالاجتهاد مقدّم بل التقليد حينئذ حرام عليه، كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه.
و منها: لزوم العسر و الحرج على المقلّدين، فإنّه إن قلنا بلزوم التجديد على المجتهد، فالمقلّد حينئذ مكلّف بأن يسأل كلّ يوم من المجتهد عن أنّه: هل تجدّد رأيك في هذه المسألة أم لا؟ و لزوم العسر- على هذا التقدير- على الحاضرين عند المجتهد غير خفيّ، فضلا عن الغائبين عن حضرته.
و كيف ما كان، دعوى لزوم التجديد على المجتهد الذي لم يجتهد في جميع الأبواب، كلام خال عن البرهان، بل غير معقول لا مساق له، للزوم العسر الشديد؛ نعم لو تفضّل اللّه تعالى على أحد و فرغ من الاجتهاد في جميع الأبواب، يمكن القول في حقّه بلزوم التجديد، لعدم لزوم العسر حينئذ، لكن اللزوم حينئذ أيضا مدفوع بسائر الأدلّة من الاستصحاب و غيره.
ثمّ لا يخفى أنّه على القول بلزوم التجديد على ما يقوله الخصم، و بجوازه على مختارنا، فالاتّفاق و الإجماع قائم على أنّه في زمان النظر و المهلة يعمل على اجتهاده السابق، و لا يجوز له التقليد.
ثمّ إن تجدّد النظر، فالصور أربعة؛ لأنّ رأيه اللاحق إمّا موافق للسابق أو مخالف له، و إمّا متردّد في المسألة باعتبار ظهور فساد الدليل على الحكم الأوّل، و إمّا متوقّف لتعارض دليله على الحكم السابق في نظره مع دليل آخر، و لم يرجّح بعد.
و الأمر في الصورتين الأوّليين بيّن، لبنائه على ما اجتهد في الأوّل، و لزوم الرجوع إلى الاجتهاد الثاني- بالإجماع- في الثاني.
و أمّا المقلّد، فإن اطّلع على تجديد الرأي، لا يجوز له العمل بالرأي الأوّل، لخلوّ الحكم الأوّل حينئذ من الدليل بالنسبة إليه، على أنّ الحكم الثاني بعد ما لم يكن حجّة على المجتهد نفسه، فكيف يكون حجّة على غيره؛ و إن اطّلع على أنّ بعضا من أعماله