المسألة السادسة: في أنّه هل يجب على المجتهد تجديد النظر فيما اجتهد سابقا، أم لا؟
و اختلفوا فيه على أقوال، ثالثها لزوم التجديد إن مضى من الاجتهاد الأوّل زمان ازداد فيه قوّته، و إلّا فلا؛ و رابعها لزوم التجديد إن لم يكن أدلّة المسألة حاضرة عنده عند الافتاء و الاحتياج، و إلّا فلا.
و المختار عدم لزوم تجديد النظر مطلقا، لأنّه لا أقلّ من لزوم العسر و الحرج إن قلنا باللزوم، فإنّ في زماننا قد تكثّرت الفروع و زادت الأفكار، و العمر ربما لا يفي بالاجتهاد في جميع أبواب الفقه مرّة واحدة، فضلا عن تجديد النظر.
لا يقال: يجتهد أوّلا في المسائل الضروريّة من العبادات و نحوها، و يجدّد النظر فيها.
لأنّا نقول: هذا الشخص لكونه مجتهدا، يكون معرفة جميع أبواب الفقه محتاجا إليه للافتاء و رفع المنازعات المشتبهة الواقعة بين الناس، بل ربما لا يصل يده إلى الاجتهاد في المسائل المحتاجة في يوم واحد، فضلا عن اجتهاده و تجديد النظر.
ثمّ لا يخفى أنّ الأصل في المسألة إن كنّا أصلا اشتغاليّا مع القول بلزوم التجديد
مطلقا، لكن لمّا كان الشكّ في التكليف بوجوب تجديد النظر، و كان مختارنا أصالة البراءة، فنقول: إنّ لنا على مختارنا في هذه المسألة وجوه عديدة:
منها: أصالة البراءة.
و منها: الاستصحابات الثلاثة؛ أحدها استصحاب جواز البناء على الاجتهاد السابق، فإنّه عند الاجتهاد السابق كان جواز البناء عليه يقينيّا، و عند الشكّ بعد مضيّ زمان الأصل بقائه.
و الثاني: استصحاب صحّة البناء عليه؛ و الفرق بين الاستصحابين أنّ الأوّل في الحكم التكليفي و الثاني في الحكم الوضعي، و كلا الاستصحابين استصحاب في المسألة الأصوليّة.
و الثالث: استصحاب الحكم الفرعي، فإنّا بعد ما اجتهدنا و استنبطنا وجوب السورة في الصلاة مثلا، ثمّ حصل لنا الشكّ في وجوبها لا من باب التوقّف في أدلّته، بل بمحض احتمال أنّ السورة ليست واجبة، فالأصل بقائه.
و منها: لزوم العسر و الحرج على المجتهد لو لا ذلك، على التقرير الذي مرّ قبل هذا.
و منها: لزوم اللغويّة إن قلنا بلزوم تجديد النظر في الأحكام الارتباطيّة، كما لو فرضنا أنّه اجتهد في باب الطهارة و الصلاة، و فرضنا أنّ فيهما ألف مسألة؛ فإن قلنا بلزوم تجديد النظر في البابين، فالتجديد في الكلّ يستدعي زمانا طويلا لا بدّ له فيه في كلّ يوم من الإتيان بالأعمال مرارا؛ و التجديد في البعض لا يفيد، لكون الأحكام ارتباطيّة.
نعم، يتصوّر هذا في الأحكام المستقلّة، كشرب التتن و نحوه، لكن لا يتمّ به القاعدة، لعدم الدليل على الوجوب فيها أيضا، بل الدليل موجود على عدم الوجوب.
و منها: أنّ أمر المجتهد في باب الطهارة مثلا، دائر بين أن يجدّد النظر فيه و يقلّد في
مسائل الصلاة مثلا، و أن يترك التجديد و يشتغل في زمان يريد أن يصرفه فيه بالاجتهاد في الصلاة، و لا ريب أنّ الأمر إذا دار بين الاجتهاد و التقليد، فالاجتهاد مقدّم بل التقليد حينئذ حرام عليه، كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه.
و منها: لزوم العسر و الحرج على المقلّدين، فإنّه إن قلنا بلزوم التجديد على المجتهد، فالمقلّد حينئذ مكلّف بأن يسأل كلّ يوم من المجتهد عن أنّه: هل تجدّد رأيك في هذه المسألة أم لا؟ و لزوم العسر- على هذا التقدير- على الحاضرين عند المجتهد غير خفيّ، فضلا عن الغائبين عن حضرته.
و كيف ما كان، دعوى لزوم التجديد على المجتهد الذي لم يجتهد في جميع الأبواب، كلام خال عن البرهان، بل غير معقول لا مساق له، للزوم العسر الشديد؛ نعم لو تفضّل اللّه تعالى على أحد و فرغ من الاجتهاد في جميع الأبواب، يمكن القول في حقّه بلزوم التجديد، لعدم لزوم العسر حينئذ، لكن اللزوم حينئذ أيضا مدفوع بسائر الأدلّة من الاستصحاب و غيره.
ثمّ لا يخفى أنّه على القول بلزوم التجديد على ما يقوله الخصم، و بجوازه على مختارنا، فالاتّفاق و الإجماع قائم على أنّه في زمان النظر و المهلة يعمل على اجتهاده السابق، و لا يجوز له التقليد.
ثمّ إن تجدّد النظر، فالصور أربعة؛ لأنّ رأيه اللاحق إمّا موافق للسابق أو مخالف له، و إمّا متردّد في المسألة باعتبار ظهور فساد الدليل على الحكم الأوّل، و إمّا متوقّف لتعارض دليله على الحكم السابق في نظره مع دليل آخر، و لم يرجّح بعد.
و الأمر في الصورتين الأوّليين بيّن، لبنائه على ما اجتهد في الأوّل، و لزوم الرجوع إلى الاجتهاد الثاني- بالإجماع- في الثاني.
و أمّا المقلّد، فإن اطّلع على تجديد الرأي، لا يجوز له العمل بالرأي الأوّل، لخلوّ الحكم الأوّل حينئذ من الدليل بالنسبة إليه، على أنّ الحكم الثاني بعد ما لم يكن حجّة على المجتهد نفسه، فكيف يكون حجّة على غيره؛ و إن اطّلع على أنّ بعضا من أعماله
صدرت منه بعد التجديد و قبل الاطّلاع عليه، فهل يلزم عليه الإعادة بعد التقليد ثانيا أم لا؟
مستند من يقول باللزوم إن عمله في هذه المدّة كان خاليا من الدليل؛ فالحقّ عدم اللزوم، لأنّ الدليل على عمله كان هو الاستصحاب، و الأمر الشرعي يقتضي الإجزاء.
و إن لم يطّلع، فالأعمال الصادرة منه على طبق الرأي الأوّل صحيحة، للاستصحاب أيضا.
و أمّا في الصورتين الأخيرتين، فالاحتمالات المصوّرة ثلاثة؛ العمل بالاحتياط، و العمل على مقتضى اجتهاده الأوّل، و التقليد.
لكن الحقّ: أنّه إن كان الاحتياط ممكنا، كما في سعة الوقت، فهو المتعيّن؛ و إلّا- كما في ضيق الوقت- فالمتعيّن في حقّه التقليد لا البناء على الاجتهاد الأوّل، لبناء العقلاء على التقليد عند التردّد في الحكم الأوّل، كما في طبيب صار مريضا، فإنّ بنائه حينئذ على الرجوع إلى الغير من سائر الأطبّاء، لا العمل على معالجة هو متردّد فيها.
فإن قلت: يبني على الاجتهاد الأوّل للاستصحاب، فإنّ الحكم الأوّل كان متيقّنا في حقّه عند الاجتهاد الأوّل، فالأصل بقائه.
قلت: إن كان يستصحب الحكم الأوّل باعتبار الظنّ بأنّه حكم اللّه الواقعي، فالموضوع الذي هو الظنّ منتف عند التردّد و التوقّف؛ و إن كان يستصحب نفس الحكم الظاهري الذي استنبطه أوّلا، حصل له الشكّ فيه عند التردّد، فالشكّ سار، لأنّ الشكّ الحاصل عند التوقّف يسري في أنّ الحكم في حقّه هل كان ذلك أوّلا أم لا؟ كما لو تيقّن أنّ الشيء الفلاني على ثوبه دم، فإنّه يتوجّه عليه حينئذ الحكم الظاهري و هو وجوب الغسل للصلاة، ثمّ بعد ما شكّ في وجوب الغسل بسبب الشكّ في أنّه دم، يسري الشكّ في أنّه عند التيقّن بأنّه دم هل كان مأمورا بالغسل أم لا؟ و قد قرّر في محلّه أنّ موضوع الاستصحاب إن كان منتفيا أو كان الشكّ ساريا،
فالاستصحاب ليس بحجّة.
و لي في عدم حجّيّة هذا الاستصحاب لكون الشكّ ساريا تأمّل، لأنّ الشكّ في الآن و اليقين السابق يجتمعان في آن واحد؛ فتأمّل جدّا.
المسألة السابعة: في أنّه بعد ما جدّد المجتهد نظره في الفتوى، و تجدّد رأيه، فلا ريب في وجوب عمله بمقتضى رأيه الثاني
و عدم جواز عمله على الرأي الأوّل؛ و كذا لا يجوز على مقلّديه العمل به على فرض الاطّلاع.
و الدليل على هذا؛ أمّا للمجتهد، فللإجماع و لارتفاع الظنّ عن الحكم الأوّل؛ و أمّا للمقلّد، فلأنّ الحكم إذا لم يكن حجّة للمجتهد، فعدم حجّيّته على مقلّديه بطريق أولى، فإنّ الحجّيّة له تابعة للحجّيّة على المجتهد.
فإن قلت: عدم الحجّيّة للمجتهد إنّما هي لارتفاع الاعتقاد، و أمّا للمقلّد فما الدليل عليه؟
قلت: على فرض كون التقليد من باب الظنّ أيضا، بعد ارتفاع اعتقاد المجتهد يرتفع اعتقاد المقلّد أيضا قطعا.
ثمّ أنّه على فرض رجوعه و عدم اطّلاع مقلّديه عليه، هل يجب على المجتهد الإعلام بأنّي رجعت عن الرأي الأوّل أم لا؟
الحقّ: عدم الوجوب لأصل البراءة، فإن الشكّ في التكليف؛ و للزوم العسر و
الحرج لو لا ذلك، فإنّه ربما استشير فتواه الأولى في البلاد النائية، فالتكليف بلزوم الإعلام مستلزم للعسر، و لذا تراهم لا يمحون الفتوى الأولى المثبتة في كتاب بعد تجدّد الرأي، بل يثبتون ما أدّى إليه اجتهادهم ثانيا في الكتاب الآخر؛ و ذلك غير عزيز في كتب القوم، سيّما في العلّامة(رحمه اللّه)، بل في كتاب واحد ترى ذلك منهم.
فإن قلت: يجب عليه الإعلام من باب الأمر بالمعروف.
قلت: لزوم هذا الأمر بالمعروف ممنوع، و إلّا لكان اللازم على من اطّلع أنّ أحدا يصلّي في الثوب النجس إعلامه؛ و لكان على المجتهد لازما أن يعلم مقلّدي مجتهد آخر مخالف له في الأحكام: إنّ هذا الحكم ليس حكم اللّه، لفساده على معتقده؛ و لم يقل بهما أحد؛ فتأمّل.
ثمّ إنّ المقلّد هل يجب عليه الفحص عن تجدّد رأي مجتهده، أم لا؟
الحقّ: لا، لأصل البراءة عن الوجوب، و للإجماع، و للزوم العسر و الحرج، و لسيرة المسلمين قديما و حديثا، و لأنّ المقلّد مستصحب لبقاء رأي مجتهده، و بقاء الرأي من الموضوعات الخارجيّة؛ و قد قرّر في محلّه أنّ حجّيّة الاستصحاب في الموضوعات غير مشروطة بالفحص، كما أنّه لو شكّ في موت مجتهده، يستصحب بقائه و حياته، و لا يجب عليه الفحص عن ذلك.
ثمّ إنّ المقلّد لو اطّلع على تجدّد رأي مجتهده بعد مدّة، و كان عاملا برأيه الأوّل في ذلك الزمان، فبعد اطّلاعه لا يجوز له العمل بالأوّل؛ و أمّا الأعمال الصادرة منه قبل الاطّلاع و بعد تجدّد الرأي، فالحقّ صحّتها، لكونه مستصحبا و الأمر الشرعي المستفاد من الاستصحاب يقتضي للإجزاء؛ و قد تقدّم هذه المسألة في المسألة السابقة، فإن هذا إلّا تطويل بلا طائل.
ثمّ إنّ المقلّد بعد اطّلاعه على الرأي الثاني، هل يجب عليه عينا تقليده في الرأي الثاني، أم هو مخيّر حينئذ بين تقليده و تقليد الآخر في هذه الواقعة؟
مقتضى الأصل لزوم تقليده للمجتهد الأوّل في الرأي الثاني، لأنّ المقلّد في تقليد
المجتهد الأوّل دائر بين الوجوب العيني و التخييري؛ و قد تقدّم في مسألة أصل البراءة أنّ بنائنا في ما دار الأمر بين الوجوب العيني و التخييري- بمقتضى قاعدة الاشتغال- كونه واجبا عينيّا، لأنّه القدر المتيقّن.
لكن الحقّ: أنّه مخيّر بين تقليدهما، لاستصحاب التخيير الوارد على قاعدة الاشتغال، فإنّ ذلك الشخص قبل بنائه على تقليد ذلك المجتهد كان مخيّرا في تقليد من يريد، و بعد تقليده المجتهد في حكم مع تجدّد رأيه و الشكّ في بقاء التخيير، فالأصل البقاء.
فإن قلت: كان التخيير ثابتا له قبل البناء، و بعد البناء على تقليد مجتهد مخصوص ارتفع التخيير، فصار تقليده عينيّا، فلا يجري الاستصحاب.
قلت: ارتفع التخيير بالنسبة إلى حكم قلّده فيه، و أمّا بالنسبة إلى الحكم الذي أفتى به بعد تجدّد رأيه، فالتخيير باق، لعدم بنائه على تقليده في هذا الحكم.
فإن قلت: هذا الاستصحاب معارض باستصحاب حرمة تقليد الغير الناشئة من الأمر بتقليده، فإنّ ذلك المقلّد بعد ما بنى على تقليد المجتهد في الرأي الأوّل، صار مأمورا بذلك؛ و الأمر به يقتضي النهي عن ضدّه، فهو منهيّ حينئذ عن العمل بقول الآخر، فالرجوع عن التقليد و تقليد الغير صار حراما بالعرض؛ و بعد ما شككنا- بعد تجدّد رأيه- في جواز تقليد الآخر و حرمته، فمقتضى استصحاب الحرمة العرضيّة عدم جواز تقليد الآخر؛ و بعد ما تعارض الاستصحابان و تساقطا، نرجع إلى الأصل و هو وجوب تقليد المجتهد الأوّل في الرأي الثاني عينا.
و كذا هذا الاستصحاب معارض باستصحاب فساد العمل، فإنّه لو عمل بعد التقليد على قول المجتهد الآخر، لكان عمله فاسدا باعتبار النهي العرضي، فبعد الشكّ في فساد العمل بعد تجدّد الرأي و العمل بقول الآخر، فالأصل الفساد للاستصحاب.
قلت أوّلا: إنّ الاستصحابين الذين عارضت بهما استصحاب التخيير غير