بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 241

الحرج لو لا ذلك، فإنّه ربما استشير فتواه الأولى في البلاد النائية، فالتكليف بلزوم الإعلام مستلزم للعسر، و لذا تراهم لا يمحون الفتوى الأولى المثبتة في كتاب بعد تجدّد الرأي، بل يثبتون ما أدّى إليه اجتهادهم ثانيا في الكتاب الآخر؛ و ذلك غير عزيز في كتب القوم، سيّما في العلّامة(رحمه اللّه)، بل في كتاب واحد ترى ذلك منهم.

فإن قلت: يجب عليه الإعلام من باب الأمر بالمعروف.

قلت: لزوم هذا الأمر بالمعروف ممنوع، و إلّا لكان اللازم على من اطّلع أنّ أحدا يصلّي في الثوب النجس إعلامه؛ و لكان على المجتهد لازما أن يعلم مقلّدي مجتهد آخر مخالف له في الأحكام: إنّ هذا الحكم ليس حكم اللّه، لفساده على معتقده؛ و لم يقل بهما أحد؛ فتأمّل.

ثمّ إنّ المقلّد هل يجب عليه الفحص عن تجدّد رأي مجتهده، أم لا؟

الحقّ: لا، لأصل البراءة عن الوجوب، و للإجماع، و للزوم العسر و الحرج، و لسيرة المسلمين قديما و حديثا، و لأنّ المقلّد مستصحب لبقاء رأي مجتهده، و بقاء الرأي من الموضوعات الخارجيّة؛ و قد قرّر في محلّه أنّ حجّيّة الاستصحاب في الموضوعات غير مشروطة بالفحص، كما أنّه لو شكّ في موت مجتهده، يستصحب بقائه و حياته، و لا يجب عليه الفحص عن ذلك.

ثمّ إنّ المقلّد لو اطّلع على تجدّد رأي مجتهده بعد مدّة، و كان عاملا برأيه الأوّل في ذلك الزمان، فبعد اطّلاعه لا يجوز له العمل بالأوّل؛ و أمّا الأعمال الصادرة منه قبل الاطّلاع و بعد تجدّد الرأي، فالحقّ صحّتها، لكونه مستصحبا و الأمر الشرعي المستفاد من الاستصحاب يقتضي للإجزاء؛ و قد تقدّم هذه المسألة في المسألة السابقة، فإن هذا إلّا تطويل بلا طائل.

ثمّ إنّ المقلّد بعد اطّلاعه على الرأي الثاني، هل يجب عليه عينا تقليده في الرأي الثاني، أم هو مخيّر حينئذ بين تقليده و تقليد الآخر في هذه الواقعة؟

مقتضى الأصل لزوم تقليده للمجتهد الأوّل في الرأي الثاني، لأنّ المقلّد في تقليد


صفحه 242

المجتهد الأوّل دائر بين الوجوب العيني و التخييري؛ و قد تقدّم في مسألة أصل البراءة أنّ بنائنا في ما دار الأمر بين الوجوب العيني و التخييري- بمقتضى قاعدة الاشتغال- كونه واجبا عينيّا، لأنّه القدر المتيقّن.

لكن الحقّ: أنّه مخيّر بين تقليدهما، لاستصحاب التخيير الوارد على قاعدة الاشتغال، فإنّ ذلك الشخص قبل بنائه على تقليد ذلك المجتهد كان مخيّرا في تقليد من يريد، و بعد تقليده المجتهد في حكم مع تجدّد رأيه و الشكّ في بقاء التخيير، فالأصل البقاء.

فإن قلت: كان التخيير ثابتا له قبل البناء، و بعد البناء على تقليد مجتهد مخصوص ارتفع التخيير، فصار تقليده عينيّا، فلا يجري الاستصحاب.

قلت: ارتفع التخيير بالنسبة إلى حكم قلّده فيه، و أمّا بالنسبة إلى الحكم الذي أفتى به بعد تجدّد رأيه، فالتخيير باق، لعدم بنائه على تقليده في هذا الحكم.

فإن قلت: هذا الاستصحاب معارض باستصحاب حرمة تقليد الغير الناشئة من الأمر بتقليده، فإنّ ذلك المقلّد بعد ما بنى على تقليد المجتهد في الرأي الأوّل، صار مأمورا بذلك؛ و الأمر به يقتضي النهي عن ضدّه، فهو منهيّ حينئذ عن العمل بقول الآخر، فالرجوع عن التقليد و تقليد الغير صار حراما بالعرض؛ و بعد ما شككنا- بعد تجدّد رأيه- في جواز تقليد الآخر و حرمته، فمقتضى استصحاب الحرمة العرضيّة عدم جواز تقليد الآخر؛ و بعد ما تعارض الاستصحابان و تساقطا، نرجع إلى الأصل و هو وجوب تقليد المجتهد الأوّل في الرأي الثاني عينا.

و كذا هذا الاستصحاب معارض باستصحاب فساد العمل، فإنّه لو عمل بعد التقليد على قول المجتهد الآخر، لكان عمله فاسدا باعتبار النهي العرضي، فبعد الشكّ في فساد العمل بعد تجدّد الرأي و العمل بقول الآخر، فالأصل الفساد للاستصحاب.

قلت أوّلا: إنّ الاستصحابين الذين عارضت بهما استصحاب التخيير غير


صفحه 243

جاريان، لانتفاء الموضوع، فإنّ الموضوع الذي كان يحرم عليه تقليد الآخر و يفسد عمله به، هو المقلّد الذي هو الذات مع الوصف العنواني؛ و بعد رجوع المجتهد عن الرأي الأوّل، ليس هذا الشخص مقلّدا، لانتفاء الوصف العنواني؛ و بعد انتفاء الموضوع و عدم جريان الاستصحاب، يبقى استصحاب التخيير سليما عن المعارض.

و ثانيا: سلّمنا جريانهما، لكنّهما متعارضان بالمثل، فإنّ المقلّد عند تقليده للرأي الأوّل و عدم تجدّد رأي المجتهد، كما كان يحرم عليه تقليد الآخر و يفسد عمله به، كذلك كان يحرم عليه تقليد المجتهد في الرأي الثاني، و كان يفسد عمله به؛ فبعد الشكّ نستصحب حرمة تقليده في الرأي الثاني، و كذا نستصحب فساد عمله به؛ و بعد التعارض و التساقط، يبقى استصحاب التخيير سليما؛ فتأمّل.

و ثالثا: سلّمنا عدم التساقط، بل قلنا بتعارضهما لاستصحابنا، لكن استصحابنا مقدّم، لكونه مزيلا؛ فإنّ الشك في حرمة تقليد الآخر، و كذا في فساده، مسبّب عن الشكّ في التخيير؛ فتأمّل.

و بعد جريان الاستصحاب عند الشكّ في السبب، يرتفع الشكّ المسبّب عنه، فليس تقليد الآخر حراما؛ و ذلك ما أردنا.

ثمّ إنّ المقلّد لو علم إجمالا أنّ رأي مجتهده تجدّد في جملة من المسائل، فهل يجب عليه الفحص عنها حتّى يحترز عنها أم لا؟

الحقّ: أنّ الشبهة لو كانت محصورة، كما لو علم إجمالا أنّ هذين المسألتين- أو أكثر- قد تجدّد رأيه في واحدة منها، يجب عليه الفحص، لقاعدة لزوم الاحتراز عن الشبهة المحصورة؛ و إن كانت غير محصورة، كما لو علم بتجدّد رأيه في مسألة واحدة في جميع أبواب الفقه مثلا، لا يجب عليه، للزوم العسر و الحرج.

نعم، لو كان المجتهد حاضرا عنده و أمكنه أن يسأله عمّا تجدّد رأيه فيه، يجب عليه، لانتفاء العسر، و اعتبار العلم الإجمالي؛ و الحكم بعدم اعتباره في الشبهة الغير المحصورة، إنّما كان لاستلزامه الحرج المنفي في الشرع.


صفحه 244

المسألة الثامنة: في أنّه يجوز خلوّ العصر من المجتهد، أم لا؟

و الظاهر أنّ مرادهم بالجواز في العنوان، هو الإمكان لا الحكم التكليفي، و إلّا لكان في المسألة الخامسة غناء عنها، فعنوان هذه المسألة أنّه يمكن خلوّ العصر منه أم لا؟

و هذا المسألة و إن لم يكن لها ثمرة في الفروع، لكن نتعرّض لها إجمالا، اقتفاء بشعارهم و اقتداء بمنارهم؛ فنقول: اختلفوا فيه على قولين، قول بالإمكان و هو المختار، و قول بالامتناع.

و لنا على مختارنا أمران:

الأوّل: الأصل الذي قرّرناه مرارا، من أنّ كلّ شي‌ء شكّ في إمكانه و امتناعه فالأصل فيه الإمكان، و مدرك ذلك الأصل بناء العقلاء و الاستقراء.

و الثاني: وجوده، فإنّ المراد بخلوّ العصر منه خلوّه عمّن يقوم له الكفاية، و قد نشاهد أنّ أكثر الأزمان خالية عمّن يقوم به الكفاية.

و للخصم أيضا أمران:


صفحه 245

الأوّل قاعدة اللطف، فإنّ المجتهد لطف، و كلّ لطف واجب على اللّه، و كلّ ما يجب على اللّه، يستحيل عدم إمكانه.

الثاني: بعض الأخبار الدالّة على أنّه لا يخلو الدهر أبدا من طائفة باقية على الحقّ، و على فرض الخلوّ عن المجتهد في زمان، يلزم الكذب في الأخبار.

و الجواب عن الأوّل، أوّلا: بالنقض بما نشاهده من الخلوّ، فذلك كاشف عن أنّه ليس بلطف.

و ثانيا: بأنّ اللطف على قسمين، واجب و مندوب؛ و اللطف الواجب هو وجود من يبيّن الأحكام التي لا يستقلّ بها العقل، و المندوب بيان الأحكام التي يستقلّ به العقل الذي هو الرسول الباطني؛ و اللطف الواجب أيضا على قسمين، لأنّه إمّا تنجيزي و هو الذي لا بدّ من وجوده، سواء ترتّب عليه جميع الآثار الخارجيّة لفقدان المانع، أم لا، كإرسال الرسل و عدم خلوّ العصر من وجود معصوم على ما نطقت له الأخبار، فإنّ نفس وجود المعصوم لطف، سواء تمكّن من التصرّف أم لا.

و إمّا تعليقي، و هو الذي وجوده لطف عند فقدان المانع، كتصرّف المعصوم، فإنّه لطف ما لم يمنع منه مانع.

فنقول أوّلا: إنّ وجود المجتهد من أفراد اللطف المندوب، فلا استحالة في عدمه.

و ثانيا: سلّمنا أنّه من اللطف الواجب، لكنّه يجوز أن يكون من اللطف الواجب التعليقي، فإنّه لا استحالة في كون كلّ الناس- عدا المعصوم- مقصّرين في الاجتهاد، بمعنى أنّ الاجتهاد كان واجبا عليهم فقصّروا فيه، فصار التقصير مانعا من وجود المجتهد؛ و لم يقم دليل على أنّه من اللطف الواجب التنجيزي، على أنّه قلنا بأنّ اللطف التنجيزي إنّما هو في التكوينيّات التي ليست على قدرتنا- كوجود المعصوم- لا في التكليفيّات، فعدم الاستحالة أظهر.

فإن قلت: قد تقدّم منك أنّ الاجتهاد واجب على جميع الأمّة و منهم المعصوم، فلا بدّ من أن يربّي مجتهدا حتّى لا يستلزم عصيانه المخالف بعصمته.


صفحه 246

قلت: لزوم التربية إنّما هو على فرض الإمكان و عدم وجود المانع، و على فرض عدمه لتقصير الناس و منعهم عن إنفاذ حكمه، فيحصل له الامتثال بالاجتهاد الواجب بمجرّد أمره(عليه السلام)الناس بالاجتهاد، و لا يستلزم عليه(عليه السلام)عصيان تعالى عن ذلك.

و كيف ما كان، لا يكون وجود المجتهد في كونه لطفا أولى من تصرّف المعصوم، و بعد عدم استحالة منع المعصوم من التصرّف، كيف يجوز القول باستحالة خلوّ الدهر من المجتهد؟

و الجواب عن الثاني: بأنّ الروايات غير دالّة على لزوم وجود المجتهد.

أمّا أوّلا: فلأنّ المتبادر من قوله(عليه السلام)على الحقّ أنّه لا بدّ في كلّ زمان من طائفة يكون أصول عقائدهم صحيحة، و هذه الطائفة كما يمكن أن يكونوا مجتهدين، كذلك يمكن أن يكون غيرهم.

و أمّا ثانيا: فسلّمنا أنّ الحقّ أعمّ من الأصول و الفروع، لكن نقول: يكفي في عدم لزوم الكذب في الأخبار وجود طائفة يكون أصول عقائدهم و أعمالهم مطابقة للواقع، و الطائفة يطلق على واحد و أكثر منه، كما قالوه في تفسير قوله تعالى‌فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌفيكفي في صدق الأخبار عدم خلوّ الدهر أبدا من معصوم و متابعيه، كما أنّ الأمر كذلك فلا دلالة في الأخبار على لابدّيّة وجود المجتهد.

و الحاصل: أنّ الأصل الذي ادّعيناه سليم عن المعارض، مضافا إلى الوجدان؛ و ما تمسّك به الخصم غير ناهض في هدم الأصل، فدعوى الامتناع إثباتها موقوف على البرهان، و إذ ليس فليس، مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون كلّ الناس على الحقّ بتقليد الميّت؛ فتأمّل.


صفحه 247

المسألة التاسعة: في أنّه لا ريب و لا شكّ في وجوب الاجتهاد، إمّا كفاية على المختار، و إمّا عينا على قول فقهاء حلب و نظائرهم.

و على القول بوجوبه كفاية، لا ريب و لا شكّ في وجوب الإفتاء عليه إذا سأله العامي و كان أعلم من غيره مع قوله بعدم جواز تقليد غير الأعلم، أو كان المجتهد منحصرا فيه؛ بمعنى أنّه يجب عليه الإفتاء في هذين الصورتين عينا، و لا يجوز له ترك الإفتاء حينئذ؛ و أمّا لو كان المجتهد متعدّدا مع أعلميّة بعضهم، و لم يقل بوجوب تقليد الأعلم، أو كان الكلّ متساوين في الرتبة، فإنّه يجب عليه حينئذ الإفتاء كفاية، و يجوز له ترك الإفتاء حينئذ و الحوالة إلى الغير مع إفتاء الغير؛ و إلّا فيكون الكلّ آثمين بتركه جميعا، كما في سائر الواجبات الكفائيّة.

و أمّا الحكم بين الناس و رفع الخصومات الواقعة بينهم، فهو أيضا واجب كفائي لوجوه عديدة:

منها: أنّ الإنسان مدنيّة بالطبع، و لا بدّ في نظام أمر معاشه من التمدّن و المخاصمة و النزاع كالطبيعة الثانية له، لغلبة القوّة الشهويّة، فلا بدّ لبقاء النظم من التحاكم بينهم و


صفحه 248

رفع المخاصمة بينهم.

و منها: أنّ الحكم أمر بالمعروف و نهي عن المنكر، و الكتاب و السنّة مشحونان بوجوبهما، فيجب الحكم من باب الأمر بالمعروف.

و منها: أنّه لو لم يكن الحكم واجبا و لم يتحمّل أحد له، لزم الهرج و المرج و يختلّ النظام؛ و قد علمنا من تتبّع طريقة الشرع أنّ الشارع ليس راضيا من باب المقدّمة؛ و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأوّل غير واضح.

و منها: قوله تعالى في الآيات الثلاث‌وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ‌الخ، إن قلنا بأنّ عدم الحكم أعمّ من الحكم بغير ما أنزل اللّه و من السكوت عنه و عليه، فيجب عليه الحكم لئلّا يدخل في زمرة الكافرين و الظالمين و الغافلين؛ و المتبادر من سياق قوله تعالى‌وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ‌و إن كان هو الفرد الأوّل، لكن صدر الآية و هو قوله تعالى‌وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ‌دالّ على وجوب الحكم، لمكان الأمر به.

و منها: قوله تعالى لداود(عليه السلام)‌يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ‌فإنّه تعالى أمر بالحكم و الأمر للوجوب؛ و القول بأنّ هذا مختصّ بداود و لا دليل على وجوبه في شريعتنا مدفوع، بأنّ ما ثبت للأنبياء(صلوات اللّه عليهم)ثابت لنبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله)ما لم يعلم النسخ، و الثابت له(صلّى اللّه عليه و آله)ثابت للأئمّة(عليهم السلام)ما لم يعلم أنّه من خصائصه(صلّى اللّه عليه و آله)، و ما ثبت للأئمّة(عليهم السلام)فهو ثابت لنوّابهم من المجتهدين.

و لي في الاستدلال بالآيتين على المطلوب تأمّل: فإنّ مدرك التعدّي في الأحكام الثابتة في الشرائع الماضية إلى شريعتنا، إن كان هو أصالة عدم النسخ، فهي غير جارية، لكون الشكّ في الحادث؛ و إن كان غيرها، فعلى المدّعي بإقامة البرهان.

و منها: الآيات الآمرة بالحكم على نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله)، و هي في الكتاب كثيرة، و الثابت له(صلّى اللّه عليه و آله)ثابت للأمة، بدليل الاشتراك إلّا خصائصه.

و منها: ظهور الإجماع- بل الاتّفاق منّا- على وجوب الحكم على المجتهد.

و كيف ما كان، لا ريب في وجوبه كفاية، لكن قد يصير بالأمور العرضيّة واجبا