الصور، للأمر الشرعي؛ و أمّا بالنسبة إلى الطهارة و النجاسة، فحكمه كحكم المجتهد.
و إن كان في المعاملات، كما لو أفتى بحلّيّة المرتضعة بعشر رضعات، و بجواز بيع المعاطاة و الصلح بالمجهول مثلا، ثمّ تجدّد رأيه، فمقتضى الأصل و الإجماع الذي نقله العميدي(رحمه اللّه)، و إن كان جواز النقض؛ لكن لزوم الهرج و المرج و العسر و الحرج و هتك الحرمة الشريعة حاكمة بعدم جواز النقض.
و يمكن التفصيل بين ما كان ظانّا بالفساد، فلا ينقض، أو قاطعا به؛ كما لو أفتى بجواز الجمع بين الأختين أوّلا؛ أو أخطأ في الموضوع، أو سهمى في الحكم، فينقض؛ لأنّ أمثال هذه نادرة الوقوع، فلا يلزم من نقضه المفاسد المزبورة.
الصورة الثانية: ما إذا كان المجتهدان متخالفي الرأي، فهل يجوز لأحدهما و مقلّده عدم ترتّب الآثار على أعمال الآخر و مقلّده في العبادات و المعاملات، أم لا؟
الحقّ: جواز النقض في النجاسة و الطهارة و الحلّ و الحرمة، كما لو كان بناء أحدهما على نجاسة القليل بالملاقات و بناء الآخر على خلافه، و يرى أحدهما حلّيّة المذبوح بغير الحديد- مع وجوده- و الآخر حرمته؛ فيجب على القائل بالنجاسة الاحتراز إن استعمله القائل بالطهارة؛ و أمّا في الاقتداء و نحوه، فقد مرّ أنّه لا بدّ من النظر إلى الدليل الدالّ عليه.
و الحقّ: عدم شموله جواز اقتداء من يرى بطلان الصلاة على زعمه بمن يرى صحّتها.
و أمّا في المعاملات، فلا يجوز لأحدهما تولّي طرف العقد أو الإيقاع و الوكالة و نحوها للآخر، كما لو كان أحد المتعاقدين معتقدا بعدم جواز بيع المعاطاة و الآخر بجوازه، أو و كلّ من يرى الجواز من لا يراه في بيع المعاطاة؛ فإنّ ذلك فاسد على زعمه، كما لو وكّل ذمّي مسلما في بيع الخمر.
و أمّا إذا لم يكن كذلك، فلا يجوز نقضه، كما لو صار من يرى حرمة النكاح في عشر رضعات و عدم جواز بيع المعاطاة وصيّا لمن يرى جوازهما، فإنّه يلزم عليه
أن يترتّب آثار الزوجيّة من إلحاق الولد و إعطاء الثمن للزوجة و إعطاء الميراث للأولاد، و آثار الملكيّة.
و الدليل على عدم جواز النقض هو سيرة المسلمين، و لزوم العسر و الحرج، على فرض جواز النقض في المعاملات؛ فإنّه قلّما يوافق المجتهدان في باب من أبواب المعاملات، فضلا عن جميعها؛ فيرتّب من يرى فساد المعاملة آثارها على معاملة من يرى صحّتها، كأنها ما كان من الإيقاعات و العقود، فيزوّج من يرى عدم صحّة الطلاقات الثلاثة في مجلس واحد مطلّقة من يرى صحّتها.
و لا يخفى أنّ جميع ما ذكر في صورة العلم، و أمّا في صورة الجهل، فلا إشكال في جميع ذلك من باب حمل فعل المسلم على الصحّة.
الصورة الثالثة: فيما لو تخالفا المجتهدان أو المقلّدان لمجتهدين متخالفين، أو مجتهد و مقلّد يكون بناء مجتهده على خلافه، كما في الباكرة و الولي، لو فرضنا أنّ الباكرة يرى جواز التزويج من دون إذن الولي، و الولي لا يجوّز ذلك؛ فتزوّجت نفسها لزيد و زوّجها الولي لعمرو، و تنازعا و ارتفع أمرهما إلى الحاكم؛ فهل الحاكم ينقض فتوى هذه أو ذلك، أو ينقض كلا الفتويين؟ احتمالات:
أحدها أن يلزم كلّا على بنائه؛ و ذلك غير جائز، لعدم ارتفاع النزاع بذلك.
الثاني: أن يقدّم قول من يدّعي الصحّة، لأنّ الأصل الثانوي في المعاملات الصحّة.
الثالث: أن يقدّم مدّعي الفساد، لأنّه الأصل الأوّلي.
الرابع: أن يلزم بالاحتياط.
الخامس: أن يلزمهما بالصلح الإجباري، فيما يجوز فيه ذلك، كما في البيوع مثلا.
السادس: أن يحكم بينهما بالقرعة.
السابع: أن يحكم بينهما على طبق اجتهاده.
و كلّ الاحتمالات- إلّا الأخير- لا وجه له، لعدم مساعدة الدليل عليه، فيحكم
بينهما على ما أراه اللّه لسيرة المسلمين على ذلك، حيث يترافعون إلى الحاكم مع مخالفة آرائهما لرأي المجتهد الحاكم، و يرضون بما حكم به؛ و لراويه أبي خديجة، فإنّ المتبادر منها أنّ الحاكم يحكم بين المتخاصمين بما عرف، و لا يجوز الردّ، لأنّ الردّ عليه ردّ على اللّه تعالى.
و لا يخفى أنّ ما ذكر إنّما هو بحسب القاعدة، و لكن المسألة لا يخلو عن الإشكال، فمراعات طريقة الاحتياط أسلم.
أقول: هذا ما زبرته ممّا سمعته إجمالا، و للتحقيق و التفصيل مقام آخر؛ وفّقنا اللّه بالوصول إليه بحرمة أبي عبد اللّه(عليه السلام).
الباب[1]الثاني: في التقليد
و لمّا كان للتقليد محمولات تحمل عليه، من جواز التقليد في الأصول، و عدم جواز التقليد الميّت، و نظائرهما؛ فلا بدّ في تحقيق الكلام في المسائل التي هي المحمولات من تشخيص الموضوع و بيان ماهيّته؛ فنقول: تنقيح الكلام في هذا المقصد يتوقّف على رسم مقدّمة و مسائل.
أمّا المقدّمة: ففي تعريف التقليد.
قال صاحب المعالم، تبعا لغيره من العضدي و نحوه: إنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة، كأخذ العامي و المجتهد بقول مثله؛ و على هذا، فالرجوع إلى الرسول مثلا، ليس تقليدا له، و كذا رجوع العامي إلى المفتي، لقيام الحجّة في الأوّل
[1]- في الأصل: المقصد.
بالمعجزة، و في الثاني بما سنذكره.
و الحاصل: إنّ للأخذ بقول الغير صور خمسة:
الأولى: أخذ العامي من مثله.
الثانية: أخذ المجتهد من مثله.
الثالثة: أخذ المجتهد من العامي.
الرابعة: أخذ العامي من المجتهد.
الخامسة: الأخذ من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)و الأئمّة، سواء كان الآخذ مجتهدا أو عاميّا.
و الظاهر من قوله(رحمه اللّه)«فالرجوع إلى الرسول» الخ، أنّ المراد بالحجّة هو الحجّة على الأخذ لا على القول، بمعنى أنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة للآخذ على الأخذ، و ذلك لأنّ في رجوع العامي إلى المفتي ليس له دليل على قول المفتي من الوجوب و سائر الأحكام، بل له دليل على الأخذ، و هو القضيّة التي يرتّبها، و لذا استند خروجه من التعريف بقوله «من غير حجّة».
و لو كان مراده من الحجّة الحجّة على القول، يدخل هذه الصورة أيضا في التعريف، فلا يبقى لتعريفه معنى؛ و بناء على هذا، يدخل في التعريف الصور الثلاثة الأولى.
و إن أهمل(رحمه اللّه)شمول التعريف للصورة الثالثة، و نخرج منه الصورتين الأخيرتين، فيكون التعريف تعريفا للتقليد الفاسد فقط.
لكن الحقّ: أنّ التقليد في الاصطلاح هو الأخذ بقول الغير من غير دليل للآخذ على ذلك القول، سواء كان له دليل على الأخذ، كأخذ العامي من المجتهد أم لا، كما في الصور الثلاث الأولى، فيدخل في التعريف حينئذ جميع الصور إلّا الصورة الأخيرة.
أمّا الدخول فواضح؛ و أمّا الخروج، فلأنّ في الأخذ من المعصوم الدليل على القول موجود، و هو عصمته التي بواسطتها هو(عليه السلام)محترز من الكذب، بل الدليل هو
نفس القول؛ كما لا يخفى.
فالتقليد على تعريفنا موضوع للقدر المشترك بين الصحيح و الفاسد، و على ما ذكره(رحمه اللّه)موضوع للفرد المخصوص الذي هو الفاسد.
فإن كان مراده من هذا التعريف اختراع اصطلاح جديد، فلا مشاحة فيه.
و إن كان مراده أنّه كان موضوعا للقدر المشترك ثمّ نقل في العرف إلى هذا الفرد الخاصّ، فينفيه أصالة عدم النقل؛ و إن كان مراده أنّه في العرف موضوع لهذا الفرد، فهو غير صحيح.
أمّا أوّلا: فلأنّ المعنى الذي يستعمل التقليد فيه في قولنا «يجوز التقليد في الفروع» و «لا يجوز التقليد في الأصول» و «لا يجوز تقليد الميّت» و «يجوز تقليد الأعلم» و نحوها من سائر الاستعمالات، هو القدر المشترك، و الخصوصيّة مستفادة من الخارج، و إطلاقه على الخصوصيّات من باب إطلاق الكلّي على الفرد، و احتمال استعماله في الخصوصيّة مدفوع بالأصل؛ فبعد ما كان المستعمل فيه معنى واحدا، فالأصل في الاستعمال الحقيقة.
و حاصل هذا الوجه: أنّ أصل استعماله في الفور ممنوع، فضلا عن احتمال كون استعماله فيه من باب الحقيقة أو المجاز؛ و بعد ما كان المستعمل فيه واحدا، فنقول: إمّا اللفظ موضوع للقدر المشترك فقط، أو للفرد، أو كليهما، أو ليس موضوعا لشيء منهما.
و على الأوّل يثبت المطلوب، و على الثاني يلزم من استعمال اللفظ في القدر المشترك المجاز بلا حقيقة، و على الثالث يلزم تعدّد الوضع و الأصل عدمه، و على الرابع أيضا يلزم من الاستعمال فيه المجاز بلا حقيقة، و لبطلان احتمال تعدّد الوضع، لمخالفته للأصل، و لبطلان المجاز بلا حقيقة، لكون الأقوال فيه ثلاثة، و بطلانه على كلّ واحد من الأقوال، يتعيّن كونه حقيقة خاصّة في القدر المشترك، و أنّ إطلاقه على الخصوصيّات من باب إطلاق اللفظ الموضوع الكلّي على الأفراد.
و أمّا ثانيا: فبأنّه على فرض تسليم تعدّد الاستعمال نقول: إنّ القاعدة الكلّيّة في معرفة اللفظ المستعمل في معنيين حقيقة في أيّهما، أنّ غلبة الاستعمال في أحد المعنيين إمّا موجودة في البين أم لا، و على الأوّل إمّا الغالب معلوم أم لا، و على الأوّل إمّا الغالب هذا المعنى أو ذاك، و على الثاني إمّا عدد الاستعمال في أحد المعنيين معلوم أنّه مائة مثلا، و عدد الاستعمال في المعنى الآخر أيضا معلوم أنّه مائة، و إنّما الشكّ في أزيد منه أم لا، و كذا في العكس، و إمّا عدد الاستعمال في أحدهما مائة فقط و في الآخر خمسون و إنّا الشكّ في أزيد من خمسين، حتّى يكون مساويا للاستعمال في المعنى الأوّل أم لا، و إمّا عدد الاستعمال مشكوك؛ و صار الشكّ في هذه الأقسام الأخيرة سببا للشكّ في الغالب؛ فهذه سبعة أقسام:
الأوّل: ما لم يكن في البين غلبة أصلا، كما لو علمنا أنّه لم يستعمل في هذا إلّا مائة مثلا، و كذا ذاك؛ و فيه: لا بدّ من الرجوع إلى العلائم من التبادر و صحّة السلب.
الثاني و الثالث: ما كان الغلبة معلومة و كذا الغالب، كما لو علمنا أنّ استعماله في هذا المعنى منحصر في مائة و في ذاك في خمسين، أو بالعكس؛ و فيه: اللفظ حقيقة في الغالب و مجاز في الآخر.
و الرابع و الخامس: ما كان عدد كلا الاستعمالين معلوما، و كان الشكّ في زيادة أحدهما على الآخر، كما لو علمنا أنّه استعمل في هذا المعنى مائة استعمال لا غير، و في ذاك مائة، و لكن لا نعلم الانحصار فيها أو بالعكس؛ و فيه: يدفع الزيادة بالأصل، فيؤول هذا القسم بإعمال الأصل إلى ما كانت الغلبة بيّنة العدم، فنرجع إلى العلائم.
السادس: كان عدد الاستعمال في أحدهما ناقصا من الآخر مع احتمال تساويه له؛ و فيه ندفع احتمال الزيادة على القدر المعلوم من الناقص بالأصل، و نحكم بكون اللفظ حقيقة فيما كان استعماله فيه أكثر.
السابع: ما كان عدد الاستعمال مشكوكا مع العلم بالغلبة؛ و فيه لا يجري الأصل، لكون الشكّ في الحادث، فنرجع فيه أيضا إلى العلائم.
إذا تمهّد هذا، فنقول: إنّ ما نحن فيه من قبيل ما كان الغلبة و الغالب فيه معلومين، فإنّ استعمال التقليد في القدر المشترك أغلب، فلا بدّ من كونه حقيقة، فيه لأنّ الغالب فيما كان له معنيان و كان استعماله في أحدهما أغلب، كونه حقيقة فيه؛ و الظنّ يلحق المشكوك بالغالب.
و أمّا ثالثا: فلتبادر القدر المشترك منه، فلو كان مع ذلك حقيقة في الفرد الفاسد أيضا، يلزم الاشتراك المخالف للأصل.
و أمّا رابعا: فلعدم صحّة سلب التقليد عن مطلق الأخذ بقول الغير من غير دليل عليه، فلا يصحّ سلب التقليد عن أخذ العامي بقول المفتي من غير دليل، و كذا لا يصحّ سلبه عن الصورة الثلاثة الأولى؛ فبضميمة أصالة عدم الاشتراك نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك.
و إنّما احتجنا بهذه الضميمة في هذا الحكم، لأنّ عدم صحة السلب ممّا لا يثبت له أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه حقيقة خاصّة فيه، لأنّه قد يكون مثبتا أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه فرد منه، كما في «زيد» و «إنسان» و قد يكون مثبتا للحقيقة الخاصّة، كما في «الإنسان» و «الحيوان الناطق»، فبمجرّد عدم صحّة السلب عن ذلك الفرد، لا يمكننا الحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، لاحتمال أن يكون حقيقة خاصّة فيه، فلذلك جعلنا أصالة عدم الاشتراك ضميمة بهذه الأمارة في هذا الحكم.
و أمّا خامسا: فلصحّة تقسيم التقليد إلى الأقسام الأربعة، و الغالب فيما يصحّ تقسيمه إلى الأقسام كونه حقيقة في المقسم.
فبتلك الوجوه الخمسة نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، و يسقط به ما زعمه صاحب المعالم و نظائره.