الباب[1]الثاني: في التقليد
و لمّا كان للتقليد محمولات تحمل عليه، من جواز التقليد في الأصول، و عدم جواز التقليد الميّت، و نظائرهما؛ فلا بدّ في تحقيق الكلام في المسائل التي هي المحمولات من تشخيص الموضوع و بيان ماهيّته؛ فنقول: تنقيح الكلام في هذا المقصد يتوقّف على رسم مقدّمة و مسائل.
أمّا المقدّمة: ففي تعريف التقليد.
قال صاحب المعالم، تبعا لغيره من العضدي و نحوه: إنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة، كأخذ العامي و المجتهد بقول مثله؛ و على هذا، فالرجوع إلى الرسول مثلا، ليس تقليدا له، و كذا رجوع العامي إلى المفتي، لقيام الحجّة في الأوّل
[1]- في الأصل: المقصد.
بالمعجزة، و في الثاني بما سنذكره.
و الحاصل: إنّ للأخذ بقول الغير صور خمسة:
الأولى: أخذ العامي من مثله.
الثانية: أخذ المجتهد من مثله.
الثالثة: أخذ المجتهد من العامي.
الرابعة: أخذ العامي من المجتهد.
الخامسة: الأخذ من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)و الأئمّة، سواء كان الآخذ مجتهدا أو عاميّا.
و الظاهر من قوله(رحمه اللّه)«فالرجوع إلى الرسول» الخ، أنّ المراد بالحجّة هو الحجّة على الأخذ لا على القول، بمعنى أنّ التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة للآخذ على الأخذ، و ذلك لأنّ في رجوع العامي إلى المفتي ليس له دليل على قول المفتي من الوجوب و سائر الأحكام، بل له دليل على الأخذ، و هو القضيّة التي يرتّبها، و لذا استند خروجه من التعريف بقوله «من غير حجّة».
و لو كان مراده من الحجّة الحجّة على القول، يدخل هذه الصورة أيضا في التعريف، فلا يبقى لتعريفه معنى؛ و بناء على هذا، يدخل في التعريف الصور الثلاثة الأولى.
و إن أهمل(رحمه اللّه)شمول التعريف للصورة الثالثة، و نخرج منه الصورتين الأخيرتين، فيكون التعريف تعريفا للتقليد الفاسد فقط.
لكن الحقّ: أنّ التقليد في الاصطلاح هو الأخذ بقول الغير من غير دليل للآخذ على ذلك القول، سواء كان له دليل على الأخذ، كأخذ العامي من المجتهد أم لا، كما في الصور الثلاث الأولى، فيدخل في التعريف حينئذ جميع الصور إلّا الصورة الأخيرة.
أمّا الدخول فواضح؛ و أمّا الخروج، فلأنّ في الأخذ من المعصوم الدليل على القول موجود، و هو عصمته التي بواسطتها هو(عليه السلام)محترز من الكذب، بل الدليل هو
نفس القول؛ كما لا يخفى.
فالتقليد على تعريفنا موضوع للقدر المشترك بين الصحيح و الفاسد، و على ما ذكره(رحمه اللّه)موضوع للفرد المخصوص الذي هو الفاسد.
فإن كان مراده من هذا التعريف اختراع اصطلاح جديد، فلا مشاحة فيه.
و إن كان مراده أنّه كان موضوعا للقدر المشترك ثمّ نقل في العرف إلى هذا الفرد الخاصّ، فينفيه أصالة عدم النقل؛ و إن كان مراده أنّه في العرف موضوع لهذا الفرد، فهو غير صحيح.
أمّا أوّلا: فلأنّ المعنى الذي يستعمل التقليد فيه في قولنا «يجوز التقليد في الفروع» و «لا يجوز التقليد في الأصول» و «لا يجوز تقليد الميّت» و «يجوز تقليد الأعلم» و نحوها من سائر الاستعمالات، هو القدر المشترك، و الخصوصيّة مستفادة من الخارج، و إطلاقه على الخصوصيّات من باب إطلاق الكلّي على الفرد، و احتمال استعماله في الخصوصيّة مدفوع بالأصل؛ فبعد ما كان المستعمل فيه معنى واحدا، فالأصل في الاستعمال الحقيقة.
و حاصل هذا الوجه: أنّ أصل استعماله في الفور ممنوع، فضلا عن احتمال كون استعماله فيه من باب الحقيقة أو المجاز؛ و بعد ما كان المستعمل فيه واحدا، فنقول: إمّا اللفظ موضوع للقدر المشترك فقط، أو للفرد، أو كليهما، أو ليس موضوعا لشيء منهما.
و على الأوّل يثبت المطلوب، و على الثاني يلزم من استعمال اللفظ في القدر المشترك المجاز بلا حقيقة، و على الثالث يلزم تعدّد الوضع و الأصل عدمه، و على الرابع أيضا يلزم من الاستعمال فيه المجاز بلا حقيقة، و لبطلان احتمال تعدّد الوضع، لمخالفته للأصل، و لبطلان المجاز بلا حقيقة، لكون الأقوال فيه ثلاثة، و بطلانه على كلّ واحد من الأقوال، يتعيّن كونه حقيقة خاصّة في القدر المشترك، و أنّ إطلاقه على الخصوصيّات من باب إطلاق اللفظ الموضوع الكلّي على الأفراد.
و أمّا ثانيا: فبأنّه على فرض تسليم تعدّد الاستعمال نقول: إنّ القاعدة الكلّيّة في معرفة اللفظ المستعمل في معنيين حقيقة في أيّهما، أنّ غلبة الاستعمال في أحد المعنيين إمّا موجودة في البين أم لا، و على الأوّل إمّا الغالب معلوم أم لا، و على الأوّل إمّا الغالب هذا المعنى أو ذاك، و على الثاني إمّا عدد الاستعمال في أحد المعنيين معلوم أنّه مائة مثلا، و عدد الاستعمال في المعنى الآخر أيضا معلوم أنّه مائة، و إنّما الشكّ في أزيد منه أم لا، و كذا في العكس، و إمّا عدد الاستعمال في أحدهما مائة فقط و في الآخر خمسون و إنّا الشكّ في أزيد من خمسين، حتّى يكون مساويا للاستعمال في المعنى الأوّل أم لا، و إمّا عدد الاستعمال مشكوك؛ و صار الشكّ في هذه الأقسام الأخيرة سببا للشكّ في الغالب؛ فهذه سبعة أقسام:
الأوّل: ما لم يكن في البين غلبة أصلا، كما لو علمنا أنّه لم يستعمل في هذا إلّا مائة مثلا، و كذا ذاك؛ و فيه: لا بدّ من الرجوع إلى العلائم من التبادر و صحّة السلب.
الثاني و الثالث: ما كان الغلبة معلومة و كذا الغالب، كما لو علمنا أنّ استعماله في هذا المعنى منحصر في مائة و في ذاك في خمسين، أو بالعكس؛ و فيه: اللفظ حقيقة في الغالب و مجاز في الآخر.
و الرابع و الخامس: ما كان عدد كلا الاستعمالين معلوما، و كان الشكّ في زيادة أحدهما على الآخر، كما لو علمنا أنّه استعمل في هذا المعنى مائة استعمال لا غير، و في ذاك مائة، و لكن لا نعلم الانحصار فيها أو بالعكس؛ و فيه: يدفع الزيادة بالأصل، فيؤول هذا القسم بإعمال الأصل إلى ما كانت الغلبة بيّنة العدم، فنرجع إلى العلائم.
السادس: كان عدد الاستعمال في أحدهما ناقصا من الآخر مع احتمال تساويه له؛ و فيه ندفع احتمال الزيادة على القدر المعلوم من الناقص بالأصل، و نحكم بكون اللفظ حقيقة فيما كان استعماله فيه أكثر.
السابع: ما كان عدد الاستعمال مشكوكا مع العلم بالغلبة؛ و فيه لا يجري الأصل، لكون الشكّ في الحادث، فنرجع فيه أيضا إلى العلائم.
إذا تمهّد هذا، فنقول: إنّ ما نحن فيه من قبيل ما كان الغلبة و الغالب فيه معلومين، فإنّ استعمال التقليد في القدر المشترك أغلب، فلا بدّ من كونه حقيقة، فيه لأنّ الغالب فيما كان له معنيان و كان استعماله في أحدهما أغلب، كونه حقيقة فيه؛ و الظنّ يلحق المشكوك بالغالب.
و أمّا ثالثا: فلتبادر القدر المشترك منه، فلو كان مع ذلك حقيقة في الفرد الفاسد أيضا، يلزم الاشتراك المخالف للأصل.
و أمّا رابعا: فلعدم صحّة سلب التقليد عن مطلق الأخذ بقول الغير من غير دليل عليه، فلا يصحّ سلب التقليد عن أخذ العامي بقول المفتي من غير دليل، و كذا لا يصحّ سلبه عن الصورة الثلاثة الأولى؛ فبضميمة أصالة عدم الاشتراك نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك.
و إنّما احتجنا بهذه الضميمة في هذا الحكم، لأنّ عدم صحة السلب ممّا لا يثبت له أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه حقيقة خاصّة فيه، لأنّه قد يكون مثبتا أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه فرد منه، كما في «زيد» و «إنسان» و قد يكون مثبتا للحقيقة الخاصّة، كما في «الإنسان» و «الحيوان الناطق»، فبمجرّد عدم صحّة السلب عن ذلك الفرد، لا يمكننا الحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، لاحتمال أن يكون حقيقة خاصّة فيه، فلذلك جعلنا أصالة عدم الاشتراك ضميمة بهذه الأمارة في هذا الحكم.
و أمّا خامسا: فلصحّة تقسيم التقليد إلى الأقسام الأربعة، و الغالب فيما يصحّ تقسيمه إلى الأقسام كونه حقيقة في المقسم.
فبتلك الوجوه الخمسة نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، و يسقط به ما زعمه صاحب المعالم و نظائره.
[أما المسائل]
المسألة الأولى: في أنّه هل يجوز التقليد في أصول الدين، أم لا؟
و على الثاني، فهل يكفي الاجتهاد الذي يحصل منه الظنّ، أم لا بدّ من القطع؛ و على الثاني، فهل يكفي القطع الإجمالي، أم لا بدّ من القطع الحاصل من الأدلّة التفصيليّة؟
فهذه صور أربعة.
و ليعلم أوّلا: أنّ جواز التقليد في الفروع قد مرّت الإشارة إليه، فإنّ الاجتهاد في الفروع، بعد مما ثبت أنّ وجوبه كفائي، فلازمه جواز تقليد غير المجتهد له، لأنّ غير المجتهد على هذا الفرض، إمّا مكلّف أم لا، و الثاني باطل بالضرورة فتعيّن الأوّل؛ و عليه فيلزم عليه من باب المقدّمة الإتيان بالمكلّف به.
ثمّ ليعلم: أنّ مرادنا بأصول الدين في محلّ النزاع هو الأصول الخمسة من التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و المعاد، و أمّا تفاصيلها كمعرفة أنّ الميزان مثلا أيّ شيء أو الصراط أيّ شيء؟ و هكذا؛ و كذا معرفة تفاصيل سائر الأصول، فخارجة عن محلّ النزاع، فإنّه لم يقل أحد بوجوب التفاصيل التي هي من هذا القبيل.
ثمّ لا يخفى أنّ وجوب معرفة هذه الأصول بالبراهين المتقنة، و الاقتدار على دفع الشبهة، سواء كان المشكّك من أهل الدين أو من خلاف أهل الدين، على وجه الكفاية، ممّا لا كلام فيه، كما أنّ وجوب الاجتهاد في الفروع على هذا الوجه، ممّا لا نزاع فيه.
ثمّ لا يخفى أنّ كفاية معرفة أصول الدين على الصورة الرابعة، و هي كون قطعه الحاصل من الاجتهاد من الأدلّة التفصيليّة، ممّا لا خلاف فيه أيضا؛ إنّما الكلام في كفاية المعرفة على وجه التقليد و الظنّ و القطع، لا من الأدلّة التفصيليّة، بمعنى أنّ المعرفة على نحو الصورة الرابعة واجب عينيّ على كلّ أحد، أم يكفي المعرفة على نحو صورة من الصور الثلاثة الباقية.
ففي هذه المسألة مقامات ثلاثة
، ثمّ لا يخفى أنّ الأصل في المسألة مع القائلين بعدم الكفاية.
أمّا عدم كفاية التقليد، فمدرك الأصل فيه أمور أربعة:
الأوّل: الاستصحاب، بيانه: أنّه علمنا إجمالا بكوننا مأمورين بالمعرفة و بعد المعرفة على وجه التقليد و شكّنا في ارتفاع الأمر، فالأصل بقائه.
الثاني: قاعدة الاشتغال، و بيانه بعد بيان الاستصحاب واضح.
الثالث: الآيات الناهية عن التقليد، فإنها إن لم يكن ظاهرة في التقليد في أصول الدين، فلا أقل من شمول إطلاقها له.
الرابع: الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم، و التقليد عمل بما وراء العلم، و كلّ عمل كذلك ينهى عنه الآيات.
و أمّا عدم كفاية الظنّ، فمدرك الأصل فيه الأمور الأربعة إلّا الثالثة.
و أمّا عدم كفاية القطع على النحو المذكور، فمدركه فيه الأمران الأوّلان، فإنّ ارتفاع الأمر و حصول البراءة اليقينيّة بتحصيل القطع من الأدلّة التفصيليّة يقينيّ و بما عداه مشكوك.
و بعد ما عرفت محلّ النزاع و الأصل في المسألة، فنقول:
المقام الأوّل: في أنّه هل يكفي القطع بالأصول لا عن الأدلّة التفصيليّة
في ترتّب أحكام المسلم على ذلك القاطع على هذا النحو، من الطهارة و حليّة الذبيحة و حقن الأموال و الدماء و نحوها، كما لو حصل القطع بالتسامع و التظافر، كما أنّه بعد ما فتح عينه رأى أنّ كلّ الناس يقولون بربّ و نبيّ و وصي و معاد، و حصل له القطع بذلك، لكنّه إن سئل منه ما الدليل على ذلك، كان عاجزا عن إقامة البرهان؛ أم لا.
الحقّ: الكفاية، لوجهين:
الأوّل: السيرة، فإنّ سيرة النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)و الأئمّة(عليهم السلام)مع الرعيّة، و كذا سيرة المجتهدين من الغيبة الكبرى إلى زماننا هذا، كانت على ترتّب أحكام الإسلام على من كان مظهرا للشهادتين، فضلا عن القاطع بأصول العقائد، فإنّهم(عليهم السلام)كانوا يعاشرون مع الأعراب و أهل البوادي و القرى، و يأكلون ذبائحهم، و يسقطون عنهم الجزية بمحض إظهار الشهادتين، و لا يحرزون عنهم، و لم يكونوا يسألون عنهم هل حصل لكم القطع بهذه المعارف من الأدلّة التفصيليّة، أم اعتقدتم من دون دليل؟
فإنّ كنتم من القسم الثاني فاحترزوا عنّا، و هكذا؛ و قد حصل بأنّ هذه السيرة كانت سيرتهم(عليهم السلام)، و السيرة القطعيّة حجّة من دون خلاف.
الثاني: لزوم العسر و الحرج، لو لا الكفاية بذلك في ذلك، و هو بيّن؛ إنّما الكلام في أنّ المعرفة بالدليل التفصيلي واجبة للمتمكّن منها على هذا الوجه، حتّى يكون غير العارف على هذا الوجه مع التمكّن فاسقا أم لا؟ و على فرض الوجوب، هل الإخلال به موجب للكفر و الخلود في النار، أم لا يضرّ بالإسلام؟
و بعبارة أخرى: على فرض الوجوب، فهل هو- أي القطع- بالدليل التفصيلي، واجب نفسي حتّى يترتّب الإثم فقط عند الإخلال به، أم واجب غيري، حتّى يرتّب على الإخلال الخلود في النار؟
فهنا مرحلتان الأولى: