إذا تمهّد هذا، فنقول: إنّ ما نحن فيه من قبيل ما كان الغلبة و الغالب فيه معلومين، فإنّ استعمال التقليد في القدر المشترك أغلب، فلا بدّ من كونه حقيقة، فيه لأنّ الغالب فيما كان له معنيان و كان استعماله في أحدهما أغلب، كونه حقيقة فيه؛ و الظنّ يلحق المشكوك بالغالب.
و أمّا ثالثا: فلتبادر القدر المشترك منه، فلو كان مع ذلك حقيقة في الفرد الفاسد أيضا، يلزم الاشتراك المخالف للأصل.
و أمّا رابعا: فلعدم صحّة سلب التقليد عن مطلق الأخذ بقول الغير من غير دليل عليه، فلا يصحّ سلب التقليد عن أخذ العامي بقول المفتي من غير دليل، و كذا لا يصحّ سلبه عن الصورة الثلاثة الأولى؛ فبضميمة أصالة عدم الاشتراك نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك.
و إنّما احتجنا بهذه الضميمة في هذا الحكم، لأنّ عدم صحة السلب ممّا لا يثبت له أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه حقيقة خاصّة فيه، لأنّه قد يكون مثبتا أنّ ما لا يصحّ سلبه عنه فرد منه، كما في «زيد» و «إنسان» و قد يكون مثبتا للحقيقة الخاصّة، كما في «الإنسان» و «الحيوان الناطق»، فبمجرّد عدم صحّة السلب عن ذلك الفرد، لا يمكننا الحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، لاحتمال أن يكون حقيقة خاصّة فيه، فلذلك جعلنا أصالة عدم الاشتراك ضميمة بهذه الأمارة في هذا الحكم.
و أمّا خامسا: فلصحّة تقسيم التقليد إلى الأقسام الأربعة، و الغالب فيما يصحّ تقسيمه إلى الأقسام كونه حقيقة في المقسم.
فبتلك الوجوه الخمسة نحكم بكونه حقيقة في القدر المشترك، و يسقط به ما زعمه صاحب المعالم و نظائره.
[أما المسائل]
المسألة الأولى: في أنّه هل يجوز التقليد في أصول الدين، أم لا؟
و على الثاني، فهل يكفي الاجتهاد الذي يحصل منه الظنّ، أم لا بدّ من القطع؛ و على الثاني، فهل يكفي القطع الإجمالي، أم لا بدّ من القطع الحاصل من الأدلّة التفصيليّة؟
فهذه صور أربعة.
و ليعلم أوّلا: أنّ جواز التقليد في الفروع قد مرّت الإشارة إليه، فإنّ الاجتهاد في الفروع، بعد مما ثبت أنّ وجوبه كفائي، فلازمه جواز تقليد غير المجتهد له، لأنّ غير المجتهد على هذا الفرض، إمّا مكلّف أم لا، و الثاني باطل بالضرورة فتعيّن الأوّل؛ و عليه فيلزم عليه من باب المقدّمة الإتيان بالمكلّف به.
ثمّ ليعلم: أنّ مرادنا بأصول الدين في محلّ النزاع هو الأصول الخمسة من التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة و المعاد، و أمّا تفاصيلها كمعرفة أنّ الميزان مثلا أيّ شيء أو الصراط أيّ شيء؟ و هكذا؛ و كذا معرفة تفاصيل سائر الأصول، فخارجة عن محلّ النزاع، فإنّه لم يقل أحد بوجوب التفاصيل التي هي من هذا القبيل.
ثمّ لا يخفى أنّ وجوب معرفة هذه الأصول بالبراهين المتقنة، و الاقتدار على دفع الشبهة، سواء كان المشكّك من أهل الدين أو من خلاف أهل الدين، على وجه الكفاية، ممّا لا كلام فيه، كما أنّ وجوب الاجتهاد في الفروع على هذا الوجه، ممّا لا نزاع فيه.
ثمّ لا يخفى أنّ كفاية معرفة أصول الدين على الصورة الرابعة، و هي كون قطعه الحاصل من الاجتهاد من الأدلّة التفصيليّة، ممّا لا خلاف فيه أيضا؛ إنّما الكلام في كفاية المعرفة على وجه التقليد و الظنّ و القطع، لا من الأدلّة التفصيليّة، بمعنى أنّ المعرفة على نحو الصورة الرابعة واجب عينيّ على كلّ أحد، أم يكفي المعرفة على نحو صورة من الصور الثلاثة الباقية.
ففي هذه المسألة مقامات ثلاثة
، ثمّ لا يخفى أنّ الأصل في المسألة مع القائلين بعدم الكفاية.
أمّا عدم كفاية التقليد، فمدرك الأصل فيه أمور أربعة:
الأوّل: الاستصحاب، بيانه: أنّه علمنا إجمالا بكوننا مأمورين بالمعرفة و بعد المعرفة على وجه التقليد و شكّنا في ارتفاع الأمر، فالأصل بقائه.
الثاني: قاعدة الاشتغال، و بيانه بعد بيان الاستصحاب واضح.
الثالث: الآيات الناهية عن التقليد، فإنها إن لم يكن ظاهرة في التقليد في أصول الدين، فلا أقل من شمول إطلاقها له.
الرابع: الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم، و التقليد عمل بما وراء العلم، و كلّ عمل كذلك ينهى عنه الآيات.
و أمّا عدم كفاية الظنّ، فمدرك الأصل فيه الأمور الأربعة إلّا الثالثة.
و أمّا عدم كفاية القطع على النحو المذكور، فمدركه فيه الأمران الأوّلان، فإنّ ارتفاع الأمر و حصول البراءة اليقينيّة بتحصيل القطع من الأدلّة التفصيليّة يقينيّ و بما عداه مشكوك.
و بعد ما عرفت محلّ النزاع و الأصل في المسألة، فنقول:
المقام الأوّل: في أنّه هل يكفي القطع بالأصول لا عن الأدلّة التفصيليّة
في ترتّب أحكام المسلم على ذلك القاطع على هذا النحو، من الطهارة و حليّة الذبيحة و حقن الأموال و الدماء و نحوها، كما لو حصل القطع بالتسامع و التظافر، كما أنّه بعد ما فتح عينه رأى أنّ كلّ الناس يقولون بربّ و نبيّ و وصي و معاد، و حصل له القطع بذلك، لكنّه إن سئل منه ما الدليل على ذلك، كان عاجزا عن إقامة البرهان؛ أم لا.
الحقّ: الكفاية، لوجهين:
الأوّل: السيرة، فإنّ سيرة النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)و الأئمّة(عليهم السلام)مع الرعيّة، و كذا سيرة المجتهدين من الغيبة الكبرى إلى زماننا هذا، كانت على ترتّب أحكام الإسلام على من كان مظهرا للشهادتين، فضلا عن القاطع بأصول العقائد، فإنّهم(عليهم السلام)كانوا يعاشرون مع الأعراب و أهل البوادي و القرى، و يأكلون ذبائحهم، و يسقطون عنهم الجزية بمحض إظهار الشهادتين، و لا يحرزون عنهم، و لم يكونوا يسألون عنهم هل حصل لكم القطع بهذه المعارف من الأدلّة التفصيليّة، أم اعتقدتم من دون دليل؟
فإنّ كنتم من القسم الثاني فاحترزوا عنّا، و هكذا؛ و قد حصل بأنّ هذه السيرة كانت سيرتهم(عليهم السلام)، و السيرة القطعيّة حجّة من دون خلاف.
الثاني: لزوم العسر و الحرج، لو لا الكفاية بذلك في ذلك، و هو بيّن؛ إنّما الكلام في أنّ المعرفة بالدليل التفصيلي واجبة للمتمكّن منها على هذا الوجه، حتّى يكون غير العارف على هذا الوجه مع التمكّن فاسقا أم لا؟ و على فرض الوجوب، هل الإخلال به موجب للكفر و الخلود في النار، أم لا يضرّ بالإسلام؟
و بعبارة أخرى: على فرض الوجوب، فهل هو- أي القطع- بالدليل التفصيلي، واجب نفسي حتّى يترتّب الإثم فقط عند الإخلال به، أم واجب غيري، حتّى يرتّب على الإخلال الخلود في النار؟
فهنا مرحلتان الأولى:
في أنّه على هذا الوجه واجب، أم لا.
المرحلة الثانية: في أنّه على فرض الوجوب، هل وجوبه نفسي أو غيري؟
و لمّا كان الكلام في المرحلة الثانية منوطا على إثبات أصل الوجوب، و كان مختارنا عدم الوجوب، و عند إثبات المختار كان يسقط الكلام في المرحلة الثانية، فلذا نكتفي من الكلام في المرحلتين بالكلام في المرحلة الأولى، فنقول:
الحقّ: عدم الوجوب، لوجوه عديدة:
الأوّل: إطلاق الآيات كقوله تعالىالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَويُؤْتُونَ الزَّكاةَوأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَو قوله تعالىفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُو نحوهما من سائر الآيات، فإنّها بإطلاقها حاكمة بأنّ المعتقد بالأصول، و لو من غير دليل، من أهل الفلاح؛ فإنّ الإيمان بمعنى الاعتقاد، و كذا العلم، و هو مطلق بالنسبة إلى الاعتقاد الحاصل من الدليل أو الحاصل من دونه؛ و بعد ما كان مطلق المعتقد من أهل الفلاح و ممتثلا بالأمر بالعلم و بالإيقان، فلا دليل على فسقه بالإخلال، و الشكّ في وجوب الاستدلال على الاعتقاد شكّ في التكليف، فالأصل عدمه.
الثاني: مفهوم قولهفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَفإنّ ذلك المعتقد من أهل العلم، فلا يجب عليه السؤال و الاستدلال؛ فتأمّل.
الثالث: تقرير الأئمّة المعصومين(صلوات اللّه عليهم)، فإنّهم كانوا يكتفون بمجرّد الاعتقاد، و لو كان الاستدلال واجبا، لكان اللازم عليهم(رحمه اللّه)نصب المعلّمين لتعليم الأدلّة بالناس 7 و نهيهم عن الاكتفاء بمجرّد الاعتقاد من باب الأمر بالمعروف؛ فبعد ما علمنا أنّهم(رحمه اللّه)كانوا مطّلعين على أنّ جلّ الناس كان اعتقادهم لا عن دليل، مع كونهم(رحمه اللّه)قادرين على الردع، و مع ذلك لم يردعوا، علمنا رضاهم ع بذلك القدر فالتقرير كاشف عن عدم وجوب الاستدلال.
الرابع: إنّ الاستدلال لو كان واجبا، لكان المتمكّنين منه فسّاقا عند الإخلال به، و بذلك يختلّ الأمور في الشهادات و كلّ ما يحتاج إلى العدالة؛ مع أنّ بناء المسلمين
ليس على ذلك، فإنّهم لا يسألون عن الشاهد: هل اعتقادك من الدليل أم لا؟ و ليس بنائهم على ردّ الشهادة إن كان الاعتقاد عن الدليل.
الخامس: إنّه لو كان واجبا، للزم العسر و الحرج الشديد، فإنّهم إن كانوا مكلّفين على المعرفة بالدليل، لكان اللازم عليهم ترك أمور معاشهم و الاشتغال بتحصيل الدليل، و ذلك ممّا لا يحصل إلّا بعد معانات النفس و الاشتغال بالتحصيل سنين كثيرة، حتّى يتيسّر لهم فهم الأدلّة، و بذلك يختلّ النظام.
و كيف و ما كان، فعدم لزوم الاشتغال على العقائد واضح عند من تدبّر في الناس سيّما في عوامهم، و سيّما في النساء و الوالدان في أوّل البلوغ.
و بعد ما ثبت عدم وجوب الاستدلال، فالمعتقدون من دون دليل يترتّب عليهم أحكام المسلمين جميعا، من الطهارة و قبول الشهادة، و كونهم ناجين في دار الآخرة، إلّا أنّ رتبتهم دون من حصل العقائد بالأدلّة.
المقام الثاني: في أنّه هل يكفي الظنّ في أصول العقائد، أم لا؟
في ترتّب أحكام الإسلام.
و الحقّ: أنّ هذا الظانّ إمّا متمكّن من تحصيل العلم أو لا؛ و على الثاني، ليس مكلّفا بتحصيل العلم، حذرا من لزوم التكليف بما لا يطاق، فهو معذور في الآخرة؛ و أمّا ترتّب أحكام المسلمين عليه في الدنيا، ففيه إشكال، لعدم شمول المؤمن إيّاه، ففي المعذوريّة و عدمها هو معذور في الكفاية و عدمها، فالحقّ عدم الكفاية.
و إن كان متمكّنا منه، فهو ليس بمعذور لتقصيره، و ليس هذا القدر كافيا، للأمر بالعلم في الأصول، و للعمومات الدالّة على حرمة العمل بالظنّ الظاهرة، و للعمومات الدالّة على حرمة العمل بما وراء العلم، و الاستصحاب، و قاعدة الاشتغال.
و كيف ما كان، الظانّ في أصول الدين شاكّ، و من يترتّب عليه حكم الإسلام هو المعتقد لا الشاكّ.
المقام الثالث: في عدم كفاية التقليد
، و هو أوضح، و المراد به الأخذ بقول الغير من غير دليل و اعتقاد، و هو أنزل المراتب الخمسة، و بعد عدم كفاية الظنّ الذي هو أقوى، فعدم كفاية التقليد أوضح و اللّه درّ الفاضل القمي(رحمه اللّه)حيث لم يرض بإبقاء هذه المسألة في عهدة الإهمال، ففي تفصيلها الرجوع إلى ما زبره أحسن.
المسألة الثانية: في أنّ من بلغ مرتبة الاجتهاد، هل يجوز له حينئذ التقليد، أم لا؟
و ليعلم أوّلا: أنّه لو اجتهد في بعض المسائل و صار متجزّيا فيه بالفعل، لا يجوز له فيه- مع ذلك- التقليد، لظهور الإجماع على ذلك، و للإجماعات المنقولة المتظافرة، بل ليس فيه خلاف يعرف، إنّما الخلاف فيمن حصل له ملكة الاجتهاد و لم يستنبط حكما بعد؛ و هو أيضا إن كان متمكّنا من الاحتياط، و بنى عليه في الأحكام المستقلّة، كما في شرب التتن، و في الأحكام المرتبطة، كوجوب السورة مثلا و استحبابها، على فرض الاجتهاد، و في مسألة عدم لزوم تعيين الوجه، فلا خلاف حينئذ أيضا، في عدم وجوب الاجتهاد و لا التقليد.
و أمّا إن لم يكن متمكّنا منه، كما [في] دوران الأمر بين المحذورين مثلا، أو كان الاحتياط مستلزم للعسر و الحرج، أو لم يكن ذا و لا ذاك، بل ليس بنائه على الاحتياط أصلا.
فاختلفوا فيه في جواز التقليد على أقوال:
منها: عدم جوازه مطلقا.