المسألة الثانية: في أنّ من بلغ مرتبة الاجتهاد، هل يجوز له حينئذ التقليد، أم لا؟
و ليعلم أوّلا: أنّه لو اجتهد في بعض المسائل و صار متجزّيا فيه بالفعل، لا يجوز له فيه- مع ذلك- التقليد، لظهور الإجماع على ذلك، و للإجماعات المنقولة المتظافرة، بل ليس فيه خلاف يعرف، إنّما الخلاف فيمن حصل له ملكة الاجتهاد و لم يستنبط حكما بعد؛ و هو أيضا إن كان متمكّنا من الاحتياط، و بنى عليه في الأحكام المستقلّة، كما في شرب التتن، و في الأحكام المرتبطة، كوجوب السورة مثلا و استحبابها، على فرض الاجتهاد، و في مسألة عدم لزوم تعيين الوجه، فلا خلاف حينئذ أيضا، في عدم وجوب الاجتهاد و لا التقليد.
و أمّا إن لم يكن متمكّنا منه، كما [في] دوران الأمر بين المحذورين مثلا، أو كان الاحتياط مستلزم للعسر و الحرج، أو لم يكن ذا و لا ذاك، بل ليس بنائه على الاحتياط أصلا.
فاختلفوا فيه في جواز التقليد على أقوال:
منها: عدم جوازه مطلقا.
و منها: جوازه كذلك.
و منها: جواز تقليد الأعلم، و إلّا يجب عليه الاجتهاد.
و منها: جواز تقليد الصحابي، دون غيره.
و منها: جواز التقليد لنفسه، لا للافتاء للغير.
و منها: جواز التقليد في ضيق الوقت، دون غيره.
و الظاهر: أنّ مرادهم بضيق الوقت، هو حالة عدم التمكّن من الاجتهاد، سواء كان ناشيا من ضيق الوقت، أو من عدم تهيّأ الأسباب؛ و المختار هو القول الأخير.
و الدليل على عدم جواز التقليد، بل وجوب الاجتهاد عند التمكّن، وجوه خمسة:
الأوّل: العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم، خرج منها صورتان بالدليل، إحداهما عمل المجتهد بظنّه، و الآخر عمل العامي لقول المجتهد، و بقي الباقي، و هو تقليد المجتهد المفروض للمجتهد الآخر تحتها، و لا مخرج له، فليكن الاجتهاد عليه واجبا عينيّا.
الثاني: استصحاب الأمر بالصلاة، فإنّه بعد ما صلّى بتقليد الغير، و شكّ في ارتفاع الأمر، فالأصل بقائه.
الثالث: قاعدة الاشتغال بالصلاة، بالتقرير المذكور.
الرابع: أيضا قاعدة الاشتغال، بتقرير آخر و هو: أنّ أمر هذا المجتهد دائر بين المتباينين، و هما التقليد و الاجتهاد، و لا قائل بوجوب التقليد عليه عينا، بل هو إمّا أحد أفراد الواجب التخييري، و إمّا غير جائز، و لكن الاجتهاد إمّا واجب عيني، و إمّا أحد أفراد الواجب التخييري؛ و قد تقرّر في محلّه أنّ أمر الواجب إذا دار بين العيني و التخييري، فمقتضى قاعدة الاشتغال كونه واجبا عينيّا، كما أنّه لو دار أمره بين كونه عينيّا أو كفائيّا، فمقتضى القاعدة كونه عينيّا.
و بعبارة أخرى: محصّل الدليل الثالث إجراء القاعدة في المسألة الفرعيّة، و محصّل الرابع إجرائها في المسألة الأصوليّة.
الخامس: البرهان القطعي و هو: أنّ أمر ذلك المجتهد دائر بين أن يكون أحد الأمور الثلاثة عليه واجبا، و هي الاحتياط و التقليد و الاجتهاد، و لا قائل بوجوب الأوّل، فانحصر أمره بين الأخيرين، لكن في التقليد عمل بظنّ الغير من غير بصيرة، و في الاجتهاد عمل الظنّ نفسه عن خبرة و بصيرة، و لا ريب في أنّ القوّة العاقلة حاكمة بترجيح الثاني، و كذا بناء العقلاء عليه؛ و على هذا، إن قلنا أنّه مخيّر بينهما، يلزم التسوية بين الراجح و المرجوح؛ و إن قلنا بتعيين التقليد، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح، و لفسادهما لا بدّ من القول بتعيين الاجتهاد عليه، و هو المطلوب.
فإن قلت: في بعض الموارد حكم الشارع بتقديم المرجوح في نظرنا، كما في حجّيّة خبر ذي اليد، و حجّيّة شهادة العدلين، مع تمكّن تحصيل العلم، كما في الخبر الصحيح المعارض بالظنّ القياسي، فأيّ عيب في أن يكون ما نحن فيه من هذا القبيل؟
قلت: برهاننا العقلي تعليقيّ، بمعنى أنّ بنائنا على تقديم الراجح في نظرنا ما لم نطّلع على أنّه مرجوح في نظر الشارع؛ و الأمثلة التي مثّلت بها إنّما هي ممّا اطّلعنا فيها على ذلك، فلذا نطرح الراجح في نظرنا فيها و نأخذ بالمرجوح؛ و أمّا فيما نحن فيه، فلم يدلّ على ذلك دليل، فليكن الراجح مقدّما.
فإن قلت: الدليل على أنّ الراجح في نظرنا مرجوح في نظر الشارع ثلاثة استصحابات.
الأوّل: استصحاب جواز التقليد، فإنّه قبل حصول الملكة له كان التقليد له جائزا قطعا، و بعد حصول الملكة و قبل الاجتهاد بالفعل نشكّ في بقاء الجواز، و الأصل بقائه.
الثاني: استصحاب وجوب صلاة الجمعة مثلا.
و الثالث: استصحاب صحّتها بالتقرير المذكور.
و بعد وجدان الدليل الشرعي الذي هو استصحاب، يسقط البرهان العقلي،
لكونه تعليقيّا.
فإن قلت: هذه الاستصحابات معارضة بالعمومات الناهية من العمل بما وراء العلم.
قلت: لا تعارض بينهما، لكون العمل بالاستصحاب عملا بالعلم الشرعي.
فإن قلت: معارضة باستصحاب الأمر.
قلت: استصحابنا مزيل، لأنّ الشكّ في بقاء الأمر مسبّب عن الشكّ في جواز التقليد.
فإن قلت: معارضة بقاعدتي الاشتغال.
قلت: الاستصحاب وارد على القاعدة، فاندفع بهذه الاستصحابات جميع الأدلّة الخمسة، فالحقّ جواز التقليد.
قلت أوّلا: نفرض الكلام في من بلغ رتبة الاجتهاد في أوّل البلوغ، فإنّ الأدلّة الدالّة على وجوب الاجتهاد في حقّه سليمة عن المعارض، لعدم جريان استصحابك فيه؛ و بعد ثبوت المطلوب في هذه الصورة الواحدة، نتعدّى إلى غيرها بالإجماع المركّب.
و لكن هذا الجواب ليس بصواب، لأنّ للخصم أن يقول: نثبت جواز التقليد في غير هذه الصورة بالاستصحاب، و نتعدّى إليها بالإجماع المركّب، و ضميمتنا التي هي الاستصحاب أقوى، لما عرفت.
و ثانيا: إنّ التقليد عليه قبل البلوغ إلى هذه المرتبة كان واجبا عينيّا لا جائزا؛ و بعد البلوغ إليها أيّ شيء تستصحب؟
فإن كان المستصحب هو الوجوب العيني، فقد زال قطعا، لعدم القائل عليه، بل عدم الوجوب على وجه العينيّة حينئذ متّفق عليه بين الخصم و بيننا.
و إن كان المستصحب هو الجواز الذي كان في ضمن الوجوب، فهو قد كان جنسا للوجوب؛ و بعد انتفاء الفصل ينتفي الجنس قطعا.
و إن كان المستصحب هو الجواز لا في ضمن الوجوب، فلم يثبت ذلك من أوّل الأمر حتّى يستصحب.
و لهذا التقرير قطع رأس الاستصحابين الباقيين؛ و بعد عدم جريان هذه الاستصحابات، يبقى أدلّتنا سليمة عن المعارض.
فإن قلت: قبل البلوغ إلى هذه الرتبة كان مأمورا بالامتثال بالتكاليف، و هو قد كان يحصل بأمرين الاحتياط و التقليد، فهذا المجتهد كان من قبل مخيّرا بين التقليد و الاحتياط، و بعد حصول الملكة له نستصحب التخيير الثابت له من قبل، و نتمّ به المطلوب.
قلت: على فرض تسليم وجوب الاحتياط، الواجب عليه من قبل أحد الأمرين، و بعد البلوغ إليها صار الواجب عليه أحد الأمور: الاحتياط و الاجتهاد و التقليد، فارتفع المستصحب قطعا، لأنّه كان وجوب أحد الأمرين و هو منتف قطعا، لثبوت وجوب أحد الأمور الثلاثة عليه حينئذ، فلا يجري هذا الاستصحاب أيضا.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب أيضا غير مرضى، لأنّ هذا الجواب إنّما يتمشّى على مختار الأشاعرة في الوجوب التخييري، فإنّهم يقولون: إنّ الواجب فيه هو أحد الأمرين، أو أحد الأمور؛ بمعنى أنّ متعلّق الوجوب هو الواحد لا بعينه، و بالإتيان بواحد من الأفراد يسقط الوجوب؛ فعلى هذا، بعد ما صار الواجب أحد الأمور، ارتفع وجوب أحد الأمرين قطعا، فلا معنى لاستصحابه.
و لكن لمّا كان مختارنا في الواجب التخييري ما ذهب إليه المعتزلة فيه، من أنّ كلّ واحد من الأفراد واجب على سبيل الاستقلال، غاية الأمر أنّه بعد الإتيان بواجب واحد يسقط عنه الباقي؛ لا يمكننا هذا الجواب، لأنّ للخصم أن يقول: إنّ الواجب عليه قبل الاجتهاد كان أمرين، لكن لا على وجه العينيّة، بل على وجه التخيير؛ و بعد الاجتهاد زاد بواسطة اقتضاء الدليل على هذين الواجبين واجب آخر،
فالمستصحب هو الجواز الحاصل من التخيير بين الواجبين قبل الاجتهاد، فبعد الاجتهاد و زيادة واجب آخر، هو مخيّر بين الواجبات الثلاثة، و به يتمّ المطلوب من عدم وجوب الاجتهاد عليه عينا.
و ثالثا: إنّ استصحاب جواز التقليد معارض باستصحاب وجوب الاجتهاد، فيما لو فرضنا أنّ مجتهدا اختار الاجتهاد و استنبط الأحكام، فإنّه حينئذ لتعيين الاجتهاد على نفسه يصير الاجتهاد واجبا عينيّا عليه، و يحرم عليه التقليد، ثمّ نسي الأحكام طرّا و ذهل عنها؛ فنشكّ في أنّه هل يجب عليه الاجتهاد ثانيا أم لا؟ فالاستصحاب حاكم بوجوبه عينا عليه.
فبعد ما ثبت وجوب الاجتهاد عينا في صورة، نتعدّى إلى غيرها بالإجماع المركّب؛ غاية الأمر أنّك تثبت جواز التقليد في سائر الصور بالاستصحاب، و تتعدّى إليها بالإجماع المركّب؛ فنقول: تعارض الإجماعان و تساقطا، لتساوي ضميمتهما، فيبقى الأدلّة الخمسة الدالّة على وجوب الاجتهاد عينا، سليمة من المعارض.
و لا يخفى أنّ الفرض لا يكون منحصرا فيما ذكر، بل يمكن فرض صورتان أخريان، إحداهما ما لو اجتهد مرّة و قلنا بوجوب تجديد النظر؛ و الثانية ما لو اجتهد أوّلا، ثمّ توقّف فيه لتجديد النظر في الأدلّة مثلا.
فإن قلت: إنّ ضميمتنا أقوى، لكونها استصحابات عديدة، و ضميمتك إمّا استصحاب أو استصحابان؛ و الاستصحابات العديدة، لكونها كالنصوص العديدة، واردة على استصحاب واحد؛ مضافا إلى أنّ في العمل باستصحاب جواز التقليد، يلزم العمل بأكثر مدلولات الدليل، و لا يشذّ منه إلّا فرد أو فردان؛ و من العمل باستصحاب الاجتهاد لندرة مورده، يلزم عدم العمل بالدليل في أكثر أفراده، و بعبارة يلزم على الأوّل تخصيص واحد أو تخصيصين، و على الثاني تخصيصات عديدة، و لا ريب في أنّ الأمر إذا دار بين قلّة التخصيص و كثرته، فالأوّل أولى.
قلت: بعد ما ثبت أنّ حجّيّة الاستصحاب إنّما هي للأخبار لا لحصول الوصف، فلو كان في طرف مائة استصحاب و طرف آخر استصحاب واحد، لكان المآل إلى تعارض أخبار الدالّة على الاستصحاب مع نفسها.
و بعبارة أخرى: ضميمة إجماعنا هذه الأخبار، كما أنّ ضميمة إجماعك أيضا هذه الأخبار، و لا رجحان للشيء على نفسها؛ و ما يتخيّل من أنّ الاستصحابات العديدة كالنصوص العديدة، إنّما يتمّ إذا كان حجّيّة الاستصحاب من باب الوصف، أو كان من باب التعبّد، و كان قوله «لا تنقض اليقين» الخ دليلا على حجّيّة الاستصحاب؛ لكن بعد ما قرّرنا في محلّه من أنّ الأخبار أدلّة على نفس حكم الواقعة، لا على حجّيّة الاستصحاب، هو الحكم الذي دلّت عليه الأخبار، و من أنّ حجّيّته ليس من باب الوصف، بل من باب التعبّد على الوجه المزبور، فلا مساق لما قلت.
و ما قلت من «أنّ الأمر إذا دار بين قلّة التخصيص و كثرته فالأوّل أولى» فهو أيضا في المقام مدفوع، لأنّ ما قلت من أولويّة التخصيص إنّما يتمّ في المقام، لو كان في البين لزوم تخصيصات كثيرة في طرف، و لزوم تخصيص واحد مثلا في طرف آخر، كما لو قال المولى: أكرم العلماء إلّا زيدا، و حصل الشكّ في أنّه كما قال «إلّا زيدا» كذلك قال «إلّا عمرا» أم لا؟ و حينئذ، حمل الكلام على نحو يلزم عليه قلّة التخصيص أولى، لبقاء العام على ظهوره في الفرد المشكوك تخصيصه، بخلاف ما لو حملناه على نحو يلزم عليه كثرته.
و أمّا لو حصل العلم بتخصيص واحد، دار أمره بين تخصيص يخرج منه الصنف الذي هو أكثر أفرادا، و بين التخصيص الذي يخرج منه الصنف الذي هو أقلّ أفرادا، كما لو قال: أكرم العلماء، و علمنا بتعقيب تخصيص لذلك العام، و لكن لم ندر أنّه «إلّا الفقهاء» حتّى يخرج منه مائة فرد مثلا، أو أنّه «إلّا النحاة» حتّى يخرج فردان مثلا.
فرجحان الحكم بكونه «إلّا النحاة» لقلّة أفراده ممنوع، لتوقّف العرف في أمثال
هذا المقام؛ و ما نحن من قبيل الثاني، لأنّا استفدنا من الأخبار حجّيّة الاستصحاب، و علمنا أنّه(عليه السلام)استثنى منه صنفا، و لكن لم ندر أنّ الصنف المستثنى هو الصنف الذي أفراده أكثر، اعني المسبوق بالتقليد، أو هو الصنف الذي أفراده أقلّ، أعني المسبوق بالاجتهاد؟ فالقول بتعيين أنّ المستثنى من الحجّيّة هو استصحاب لزوم الاجتهاد للمسبوق به لقلّة أفراده، شطط من الكلام، لتوقّف العرف في ترجيح أحدهما على الآخر.
فبعد تساوي الضميمتين في القوّة و الضعف، لضعف ما تخيّله الخصم مرجّحا لاستصحاب جواز التقليد، و تساقطهما، ثبت كون الاجتهاد على الملكة المفروض واجبا عينيّا.
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الجواب كسابقيه فاسد، لأنّ للخصم أن يقول: إنّ الاستصحاب الذي عارضت به استصحاب جواز التقليد غير جار أصلا، لكون الاستصحاب عرضيّا.
بيانه: أنّ هذا المجتهد الذي اختار الاجتهاد و صار لذلك التقليد عليه حراما، كان مسبوقا بالاجتهاد الملكي، و هو في هذه الحالة كان مخيّرا بين فعليّة الاجتهاد و التقليد، لاستصحاب جواز التقليد الذي كان ثابتا له قبل حصول الملكة، و حينئذ لم يكن لهذا الاستصحاب معارض؛ و بعد ما اختار فعليّة الاجتهاد، صار التقليد عليه حراما بالعرض، و ارتفع عنه التخيير ما دام مجتهدا بالفعل.
ثمّ بعد ما آل أمره بسبب نسيان المستنبطات إلى الحالة الأولى و انتكس على عقبه، فإن كنت تستصحب لزوم الاجتهاد عينا، الذي ثبت على وجه التعليق، أعني على نحو ما دام؛ أو تستصحب حرمة التقليد التي كانت ثابتة له في هذه الحالة، فقد ارتفع قطعا لزوال سببه؛ و إن كان المستصحب هو لزوم الاجتهاد عينا بالذات، فقد كان من أوّل الأمر مشكوكا، فبعد ما ارتفع عينيّة الاجتهاد لزوال الفعليّة، و شككنا في بقاء التخيير الثابت له أوّلا فنستصحبه.