المسألة الثالثة: في أنّه هل يجب على المقلّد تعيين المجتهد الذي يريد أن يقلّده، فيما لو فرضنا وجود مجتهدين متساويين في جواز تقليد الغير لهما؟
سواء كان المفروض تساويهما في الأعلميّة، أو كانا مختلفين فيها، و قلنا بجواز تقليد غير الأعلم مع وجود الأعلم، و كان هذان المجتهدان متّفقين في الفتوى في الواقعة الخاصّة، كحرمة الزبيب المطبوخ في المرق مثلا، أو انفعال الماء القليل بالملاقات مثلا، بأن يقول: أقلّد هذا المجتهد المخصوص في هذا الحكم أم لا؛ بأن يبني على حرمة الزبيب المفروض من دون تعيين مجتهد مخصوص.
و بعبارة أخرى: هل فتوى المجتهدين لهذا المقلّد بمنزلة الأمارتين الشرعيّتين المتوافقتين للمجتهد، فيما لو فرضنا تعدّد الأدلّة على الحكم له، كما لو كان في واقعة الكتاب و السنّة و الإجماع مثلا متوافقة، أو كان في هذه الواقعة أخبار صحاح متّفقة المدلول مثلا، حتّى لا يكون التعيين عليه لازما، كما لا يلزم التعيين على هذا المجتهد، بأن يقول: أحكم بهذا الحكم لهذا الدليل المخصوص، أم لا حتّى يكون التعيين لازما.
و يظهر ثمرة التعيين فيما لو مات أحد المجتهدين، و لم يجوّز تقليد الميّت، أو تجدّد
رأي أحدهما، فإنّه إن عيّن مجتهدا و مات مثلا، فلا بدّ على هذا الفرض الرجوع إلى تقليد الحيّ.
فنقول: لا ريب و لا شكّ أنّ التعيين أحوط، بملاحظة احتمال الموت و تجدّد الرأي؛ إنّما الإشكال في أنّ الاحتياط في المقام لازم أم لا؟ يمكن أن يقال بلزومه لوجوه ثلاثة:
الأوّل: قاعدة الاشتغال، بيانها: أنّه لا ريب في وجوب التقليد، و لا ريب في أنّ له فردين؛ أحدهما التقليد مع تعيين المقلّد بالفتح؛ و الثاني التقليد لا مع التعيين؛ و لا ريب في كفاية الفرد الأوّل، إنّما الكلام في كفاية الفرد الثاني؛ فأمر التقليد على نحو الفرد الأوّل دائر بين أن يكون عينيّا أو تخييريّا.
و قد عرفت أنّ بنائنا فيما دار الأمرين بين المتباينين، الذين هما على النحو المفروض، كما لو علم وجوب صلاة دار أمرها بين الظهر و الجمعة، مع القطع بتحقيق الامتثال بإتيان الظهر مثلا، على قاعدة الاشتغال؛ و هي حاكمة بكون الواجب المردّد بين العينيّة و التخييريّة واجبا عينيّا؛ و أصل العدم غير جار، لأنّ الشكّ في المكلّف به لا في التكليف.
أقول: كون الشكّ فيما نحن التكليف أقرب، لأنّه لا ريب في وجوب التقليد، و هو يتحقّق في ضمن كلّ واحد من الفردين؛ إنّما الكلام في أنّ تعيين المجتهد واجب آخر و شرط في صحّة التقليد أم لا؟
و بعبارة أخرى: الأمر دائر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي لا بين المتباينين؛ و قد عرفت أنّ بنائنا فيه على أصل البراءة، و على جريان أصالة عدم الشرطيّة فإنّ الشكّ في التكليف.
و قياس ما نحن فيه بالصلاة الدائرة أمرها بين الظهر و الجمعة قياس مع الفارق، لتباين الظهر و الجمعة، بخلاف التقليد بدون التعيين و التقليد معه؛ فإنّ الثاني غير مباين للأوّل، كما هو واضح، بل هو هو مع الزيادة، و هو التعيين.
و الثابت من الدليل هو وجوب التقليد في الجملة، و إثبات اشتراطه بالتعيين موقوف على الدليل، و إذ ليس فليس، بل الدليل على العدم، و هو الأصول المتحدّدة موجود في المقام، و مجرّد التغيير عمّا نحن فيه بالمتباينين غير كاف، و إلّا فلنا أن نقول فيما لو شككنا في جزئيّة السورة للصلاة: إنّ للصلاة الثابت وجوبها فردين، أحدهما الصلاة مع السورة و الآخر الصلاة بدونها، و أمر الصلاة معها دائر بين أن يكون عينيّا و تخييريّا، فيجري قاعدة الاشتغال، و نحكم بلزوم الإتيان بالصلاة الواجدة للسورة.
مع أنّ بناء الأستاد- سلّمه اللّه تعالى- على أصل البراءة فيه، لكون الأمر فيه دائرا بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي؛ و كون ما نحن فيه نظير هذا المثال المفروض أقرب من كونه نظيرا للظهر و الجمعة على التقرير المزبور، كما هو بيّن لمن ألقى السمع.
و كيف ما كان، جريان قاعدة الاشتغال فيما نحن فيه، مع القول بأصل البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطي، محلّ تأمّل.
الثاني: سيرة المقلّدين، فإنّ سيرتهم مستمرّة في تعيين مجتهدهم، مع توافق المجتهدين.
أقول أوّلا: استقرار سيرتهم على ذلك ممنوع، بل بناء العقلاء و طريقة أهل العقول فيما لو علموا بكفاية الأخذ من كلّ واحد منهما، مع العلم بموافقتها على الأخذ بالقول، مع طرح التعيين؛ قائلين بأنّ المطلوب الاحتراز من الماء القليل الملاقي، و نحن نحرز منه من دون حاجة إلى تعيين القائل.
أ ما ترى فيما لو أمر المولى عبيده بتكاليف و خيّرهم بين أن يأخذوها من زيد أو من عمرو مثلا، أنّ بناء العبيد مع علمهم بتوافق زيد و عمرو في بيان التكاليف، على الامتثال بالتكليف إذا سمعوه من المخبرين، مع قطع النظر عن أنّا نعمل بهذه التكاليف من حيث أنّ زيدا بخصوصه مخبر بها، و مع الامتثال بها، لو عاقبهم المولى على ترك التعيين، لذمّه العقلاء، و ذلك بيّن.
و ثانيا: سلّمنا ذلك، لكن أيّ أمر يتمشّى من سيرة المقلّدين، لأنّ حجّيّة السيرة إنّما هي من باب الكشف القطعي عن رضاء الرئيس، على القول بحجّيّة الظنّ الخاصّ؛ و من باب الكشف الأعمّ من القطعي و الظنّي، على القول بالظنّ المطلق؛ و من البيّن أنّ هذه السيرة لا يكشف عن رضاء الرئيس و لا عن تقريره، لا قطعيّا و لا ظنّيّا، للقطع بأنّ التقليد على هذا النحو لم يكن متعارفا في زمن الأئمّة(عليهم السلام)حتّى يكون عدم نهيهم(عليهم السلام)عن التعيين، مع اطّلاعهم(عليهم السلام)به كاشفا عن رضائهم به.
سلّمنا كونه متعارفا، لكن عدم نهيهم عن التعيين أعمّ من كون التعيين لازما على وجه الوجوب العيني، أو على وجه التخييري، فإنّه أيّ عيب في كون وجوب التعيين تخييريّا و عدم النهي من التعيين، مع استقرار السيرة على التعيين، لعلّه كان من أجل أنّ التعيين أحد فردي الواجب المخيّر، و العام لا دلالة له على الخاصّ؛ فتأمّل جدّا.
ثالث: البرهان القطعي على وجه الترديد و الدوران، بيانه: أنّ هذا العامي الآخذ بالحكم من دون التعيين، إمّا يصدق عليه وصف التقليد أم لا؛ و على الثاني إمّا هو مقلّد لكلّ واحد من المجتهدين المتّفقين، فيكون في البين تقليدات عديدة بعدد المجتهدين؛ و إمّا مقلّد للمجموع من حيث المجموع، بأن لا يكون قول كلّ مجتهد بانفراده دليلا على المقلّد، بل الدليل هو قول كلّهم بوصف الانضمام، كما في حجّيّة قول الشاهدين؛ و إمّا مقلّد للواحد المعيّن؛ و إمّا مقلّد للواحد المبهم، بمعنى أنّ المقلّد بالفتح، هو أحدهم الكلّي.
و كلّ الاحتمالات فاسدة.
أمّا الأوّل، فأوّلا: لصدق التقليد عليه، لأنّ التقليد على ما قرّر آنفا، هو العمل بقول الغير من غير دليل عليه، و ذلك مطلق بالنسبة إلى صورة التعيين و عدمه.
و ثانيا: بعد ما لم يصدق عليه التقليد و ليس مجتهدا أيضا، فأعماله الصادرة على هذا النحو من التقليد باطلة، لكونها لا عن اجتهاد و لا عن تقليد، فيلزم عليه التقليد على نحو يصدق عليه الاسم، و هو التقليد مع التعيين.
و أمّا الثاني: فلأنّ مقتضى العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم و عن التقليد، حرمة التقليد رأسا؛ خرج منه التقليد الواحد و بقي سائر التقليدات مندرجا تحتها، و لا مخرج لها نظير ذلك، كما فيمن وقع في مخمصة، و أحضر رجلان- مثلا- كلّ واحد ميتة، فمع سدّ الرمق بميتة واحدة، لا يجوز التعرّض للأخرى.
فإن قلت: الكلّ متوافقون في الحكم، فما نحن فيه من قبيل ما لو أحضرا ميتة واحدة.
قلت: لو كان التوافق مجوّزا لتقليد الكلّ، لكان ذلك الحكم ثابتا فيما لو توافق رأي مجتهد حيّ مع مجتهد ميّت، مع القول بعدم جواز تقليد الميّت؛ أو توافق رأي أعلم و غيره، مع القول بوجوب تقليد الأعلم؛ أو كان على المسألة نصّ صحيح و قياس، مع أنّه لا يجوز بالاتّفاق على هذا الفرض إلّا تقليد الحيّ و الأعلم و الأخذ بالمسألة من حيث أنّ دليله النصّ، على أنّهم لا يجوّزون الرجوع من تقليد مجتهد إلى مجتهد آخر موافق له.
مضافا إلى أنّه يمكن أن يقال: إنّ ذلك المقلّد بعد ما قلّد مجتهدا في مسألة، يكون تقليده لمجتهد آخر موافق له فيها، تحصيلا للحاصل؛ لكن هذا الوجه مردود، لإمكان فرض صورة لا يلزم ذلك، كما لو اطّلع على فتاويهم قبل البلوغ، و بعد البلوغ يريد أن يقلّد الكلّ مرّة واحدة.
و أمّا الثالث: فلاتّفاق على كون قول كلّ مجتهد دليلا على الانفراد، و بأنّه ليس من قبيل قول الشاهدين.
و بعبارة أخرى: لم يقم دليل على اعتبار قيد الانضمام في الحجّيّة فيما نحن فيه، بل قام الدليل على خلافه.
و أمّا الرابع: فلكونه خلاف المفروض، على أنّا إن سلّمنا ذلك نقول: إنّ الواحد المعيّن إن كان ذا دون ذلك و بالعكس، يلزم الترجيح بلا مرجّح، فإنّ كلّ واحد منهما في عدم التعيين مساو للآخر، فكيف صار الواحد المعيّن هذا دون ذلك؟
و أمّا الخامس: فلأنّ الواحد المبهم أمر كلّي منتزع من الأفراد، و هو ليس عين هذا المجتهد الآخر، بل أمر ما ورائهما، فنقول: إمّا المراد بالواحد المبهم هو الطبيعة السارية في الأفراد، أو الطبيعة السارية في هذا الفرد دون الفرد الآخر، أو بالعكس.
لا جائز أن يكون للأوّل، لرجوعه إلى القسم الثاني، و قد عرفت فساده؛ و لا يجوز أن يكون واحدا من الآخرين، للزوم الترجيح من غير مرجّح في كون الواحد المبهم هذا الفرد دون الآخر.
و إمّا المراد هو الطبيعة من حيث هي غير موجودة، فضلا عن كون تقليده واجبا.
و بعبارة أخرى: إمّا المراد الطبيعة اللابشرط أو الطبيعة بشرط الجزئيّة أو الطبيعة بشرط الكلّيّة.
و قد عرفت مفاسد كلّ الاحتمالات، و بعد ما كان احتمالات عدم التعيين منحصرا في الخمسة؛ و قد عرفت فساد الكلّ، فلا بدّ من القول بلزوم التعيين، و هو المطلوب.
فإن قلت: من أدلّة التقليد قوله تعالىفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَو هو مطلق بالنسبة إلى تقليد الواحد و الأكثر.
و الحاصل: أنّا نختار من الاحتمالات الخمسة الاحتمال الثاني قولك بقي سائر التقليدات مندرجة تحت العموم و لا مخرج لها فاسد لوجود المخرج و هو الإطلاق.
قلت أوّلا: المراد بأهل الذكر الأئمّة(عليهم السلام)، كما يظهر من التفاسير و الأخبار الواردة في أنّ المراد بأهل الذكر نحن.
و ثانيا: سلّمنا أنّ المراد بهم العلماء، لكن المتبادر من سياق الآية أنّ السؤال في حالة عدم العلم واجب لتحصيل العلم، و التقليد لا يحصل منه العلم، فالإطلاق وارد مورد حكم آخر.
اللهمّ أن يقال: يحصل من التقليد العلم الظاهري، فإنّ العامي بعد ما قلّد المجتهد في انفعال الماء القليل بالملاقات، يعلم أنّه يجب عليه الاحتراز منه، و إن لم يحصل له
العلم بنجاسته في الواقع؛ لكنّه مدفوع بأنّ المتبادر من العلم الواقعي.
أقول؛ بل العلم مطلق بالنسبة إلى كلا القسمين؛ بل الغالب في إطلاقات العلم في كلام اللّه تعالى و كلام أمنائه(عليهم السلام)إطلاقه على العلم الشرعي، كما أنّ الأستاد أيضا قرّر ذلك في مبحث أصل البراءة و الاستصحاب.
و ثالثا: سلّمنا ذلك، لكنّه معارض بالآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم؛ و النسبة بينهما العموم من وجه، لأنّ الآية حاكمة بجواز العمل بقول أهل الذكر بعد السؤال، سواء حصل العلم أم لا؛ و العمومات حاكمة بحرمة العمل بالظنّ، سواء حصل قبل السؤال أو بعده؛ و بعد التعارض و التساقط لعدم المرجّح في مادّة الاجتماع، يبقى قاعدة الاشتغال التي أسّسناها سليمة عن المعارض.
قال الأستاد: بعد تسليم شمول إطلاق الآية لما نحن فيه، لا مساق للجواب الثالث، لأنّ مآل تعارض هذين العامّين من وجه، لقلّة أفراد الآية إلى تعارض العام و الخاصّ، و الخاصّ حاكم على العام.
فبعد بطلان الدليل الثالث على لزوم التعيين بتسليم الإطلاق؛ و بطلان الدليل الثاني، لكون بناء العقلاء على خلافه في الرجوع إلى أهل الخبرة، فإنّهم لا يلتفتون إلى خصوص أفرادهم، بل يأخذون بالقول فقط من دون تعيين القائل؛ يؤول الكلام إلى تعارض قاعدة الاشتغال و إطلاق الآية؛ و من البيّن أنّ الإطلاق حاكم، فالحقّ لزوم التعيين.
أقول: بعد ما أحطّت خبرا بما تلونا عليك من الأساطير، فالحقّ عدم لزوم التعيين، لأصل البراءة و لبناء العقلاء و إطلاق الآية على فرض تسليمه؛ و بكلّ واحد من هذه الوجوه الثلاثة، يندفع الدليل الثالث باختيار الاحتمال الثاني و بأنّ الدليل المخرج هو واحد من هذه الوجوه.
المسألة الرابعة: في أنّ التقليد من باب الوصف، أو من باب السببيّة المطلقة، أو من باب السببيّة المقيّدة.
و قد بيّنّا معاني تلك الألفاظ في ما تقدّم، فلا نعيد.
فنقول: إنّ الصور ثلاثة:
إحداها: ما لو كان المقلّد مسبوقا بالتقليد، بمعنى إن قلّد مجتهدا في حكم في حالة الظنّ، بأنّ ما أفتى به هو حكم اللّه؛ فإنّ التقليد في هذه الحالة ممّا لا خلاف في جوازه، ثمّ حصل له الشكّ المتساوي الطرفين، أو ظنّ بالخلاف، و حينئذ الاستصحاب حاكم بجواز التقليد من باب التعبّد.
الثانية: ما لو لم يكن مسبوقا بالتقليد، و لكن كان في البين- مثلا- مجتهدان أحدهما أعلم؛ و مع ذلك كان في البين إجماع على لزوم تقليد الأعلم، و لو مع حصول الظنّ على خلاف ما يفتي الأعلم به؛ و حينئذ قاعدة الاشتغال حاكمة بلزوم تقليد الأعلم، مع عدم حصول الوصف أيضا.
الثالثة: ما لو لم يكن مسبوقا بالتقليد، و كان المجتهدان متساويان في الأعلميّة و