في فرض الصلاة في ظهر الجمعة مثلا، نصّان صحيحان متساويان في جهات الاعتبار، حاكمان أحدهما بوجوب صلاة الجمعة و حرمة صلاة الظهر، و الآخر على خلافه؛ فإنّه حينئذ مخيّر بين العمل بأحدهما على مختار المشهور، لدوران الأمر بين الوجوب و الحرمة بدوا لا استمرارا، للزوم المخالفة القطعيّة إن قلنا بتخييره استمرارا؛ كما لا يخفى.
فإن قلت: كما يلزم من الرجوع المخالفة القطعيّة، كذلك يلزم الموافقة القطعيّة، فإنّه بعد ما عمل برهة من الزمان بقول أحدهما في المسألة، و بقول الآخر في برهة أخرى، يحصل له القطع بامتثاله بالواقع في أحد التقليدين؛ و كما أنّ المخالفة القطعيّة حرام، كذلك الموافقة القطعيّة واجب، فما المرجّح.
قلت: قد قرّر في محلّه أنّ تحصيل القطع بمصادفة الواقع غير واجب، كما أنّ تحصيل القطع بمخالفة الواقع حرام.
الخامس: لزوم الحرج و المرج، فيما لو قلّد مجتهدا يحكم بجواز النكاح بعشر رضعات مثلا، و نكح ثمّ قلّد مجتهدا يرى عدم جوازه و إخراجها من حبالته، ثمّ قلّد من يرى جوازه، و هكذا؛ بأن يلاحظ صلاحه و صرفته في كلّ وقت و أوان، و يجول في ميدان الشرع طليق العنان.
السادس: استصحاب الأحكام الفرعيّة، كما لو قلّد أحدهما في وجوب غسل الجمعة، ثمّ بعد إرادة رجوعه إلى من لا يرى وجوبه، و شكّ في الوجوب، فالأصل بقاء الوجوب.
السابع: استصحاب وجوب التقليد، فإنّه بعد ما اختار تقليد أحدهما، صار تقليده واجبا عينيّا عليه؛ و بعد إرادة الرجوع، و الشكّ في بقاء وجوب تقليد هذا المجتهد، فالأصل بقائه.
فإن قلت: هذا الاستصحاب معارض باستصحاب التخيير الثابت قبل التعيين.
قلت: بعد التعيين ارتفع التخيير قطعا، فلا شكّ حتّى يستصحب؛ و ذلك لا ينافي
ما سبق منّا من جريان استصحاب التخيير، فيما لو رجع المجتهد الأوّل من رأيه الأوّل، لأنّ إلزام المقلّد بتقليده في الرأي الأوّل، كان معلّقا على عدم تجدّد رأيه، و بعد التجدّد يبقى استصحاب التخيير سليما؛ و أمّا فيما نحن فيه، فالمفروض عدم تجدّد رأي المجتهد الأوّل، فلا مجرى لاستصحاب التخيير.
فإن قلت: لعلّ التزام المقلّد فيما نحن فيه، بتقليد من قلّده أوّلا، كان معلّقا على عدم إرادته الرجوع إلى مجتهد آخر، لا تنجيزيّا؛ و بعد الإرادة يرتفع الالتزام، فيجري استصحاب التخيير.
قلت: الأصل فيما شكّ في كونه تعليقيّا أو تنجيزيّا أن يكون تنجيزيّا؛ و مدرك هذا الأصل هو الاستصحاب، فإنّه بعد ما أراد الرجوع، و شكّ في ارتفاع الالتزام، لاحتمال كونه تعليقيّا، و بقائه لاحتمال كونه تنجيزيّا؛ فالأصل بقائه، فيكون تنجيزيّا.
فإن قلت: تجري عند الشكّ استصحاب التخيير، فيكون تعليقيّا.
قلت: استصحاب الالتزام مزيل، لأنّ الشكّ في بقاء التخيير، إنّما نشأ و تسبّب عن الشكّ في بقاء الالتزام؛ سلّمنا، لكن كما لا يكون استصحابنا مزيلا، كذلك لا يكون استصحابك أيضا مزيلا، غاية الأمر تعارضا و تساقطا، و يبقى قاعدة الاشتغال و سائر الأدلّة سليمة عن المعارض.
و أمّا القسم الرابع، و هو ما كانا متساويين في جواز التقليد بدوا لا استمرارا، كما لو كان المجتهدان متساويين بدوا، ثمّ صار الآخر أعلم، مع القول بوجوب تقليد الأعلم؛ فهل يجوز للمقلّد بعد ما قلّد أحدهما ثمّ صار الآخر أعلم، الرجوع إليه أم لا؟ احتمالات ثلاثة: لزوم الرجوع إلى الأعلم، و لزوم البقاء على تقليد الأوّل، و التخيير بين البقاء و الرجوع.
و إنّما قدّمنا الكلام في هذا القسم على القسمين الآخرين، لأنّه بعد اثبات عدم جواز الرجوع في هذا القسم، مع وجود التخيير بدوا لا استمرارا، فثبوت عدم الجواز في القسمين الباقيين، لعدم وجود التخيير في أحدهما لا بدوا و لا استمرارا، و
عدم وجوده في الآخر بدوا، بطريق أولى.
فنقول: الأقرب في هذا القسم أيضا عدم الجواز؛ و لا يخفى أنّ أدلّتنا في القسم السابق لا يتمشّى أكثرها هنا.
أمّا الإجماع، فلعدم وجوده هنا على عدم الجواز، بل وجوب تقليد الأعلم إجماعيّ.
و أمّا العمومات، فلتخصيصها بالأدلّة الدالّة على وجوب تقليد الأعلم.
و أمّا قاعدة الاشتغال، فهو هنا يقتضي الرجوع إلى تقليد الأعلم، فإنّ الظنّ في جانبه، و الظنّ الحاصل من قوله، أقرب إلى الواقع.
و أمّا لزوم الهرج و المرج، فلندرة هذا الفرض.
فبقي لنا على مختارنا في هذا القسم لزوم المخالفة القطعيّة و الاستصحابين المذكورين؛ و للخصم على وجوب الرجوع إلى الأعلم، دليلان: الإجماع و قاعدة الاشتغال.
لكن نقول: القدر المتيقّن من المجمع عليه، هو لزوم تقليد الأعلم بدوا، فيما لو كان في البين مجتهدان، أحدهما أعلم من الآخر، و كان العامي لم يقلّد أحدا بعد، و أمّا دلالة الإجماع على لزوم تقليد الأعلم، حتّى فيما لو كان في البين مجتهدان متساويان، و قلّد العامي أحدهما ثمّ صار الآخر أعلم، أوّل الكلام.
فآل الأمر في هذا القسم إلى تعارض قاعدة الاشتغال و الاستصحاب، فإنّ الأوّل حاكم بلزوم الرجوع؛ و استصحاب الحكم الفرعي الثابت بتقليد الأوّل، و استصحاب وجوب تقليده، حاكمان بلزوم البقاء و حرمة الرجوع؛ و من البيّن أنّ قاعدة الاشتغال على فرض تسليم جريانها، لا يقاوم الاستصحاب، خصوصا إذا كان معاضدا بلزوم المخالفة القطعيّة، مضافا إلى أنّا قرّرنا في المسألة السابقة أنّ التقليد من باب السببيّة المطلقة، لا من باب الوصف؛ فتدبّر.
و إذا عرفت الحق في هذا القسم، فألحق القسمين الباقيين به في عدم جواز
الرجوع بالأولويّة القطعيّة.
المقام الثاني: في أنّ التقليد الملزم لعدم جواز الرجوع، المراد به ما ذا؟
و إنّما احتجنا إلى عنوان هذا المقام، لصيرورة بنائنا على عدم الرجوع في المقام الأوّل، و إلّا لم نكن محتاجا إلى تحقيق الكلام في هذا المقام، لأنّ بعد جواز الرجوع من تقليد الأوّل، يجوز الرجوع كائنا المراد بالتقليد ما كان.
فنقول: يحتمل أن يكون المراد بالتقليد الذي لا يجوز الرجوع منه، هو الإلزام الإجمالي؛ كأن يلتزم بتقليد هذا المجتهد، و يبني عليه من دون اطّلاعه على تفصيل فتاويه بعد.
و يحتمل أن يكون المراد به هو الإلزام التفصيلي؛ كأن يطّلع على فتاويه ثمّ يبني على الأخذ بقوله فيها.
و يحتمل أن يكون المراد به هو العمل لفتواه؛ كما لو أفتى بوجوب غسل الجمعة و أتى العامي به في هذا اليوم، ففيما عمل به لا يجوز له الرجوع، بخلاف ما لم يعمل به بعد.
و يحتمل أن يكون المراد به هو حضور وقت العمل؛ كما لو أفتى بوجوب غسل الجمعة و حضر ذلك اليوم، فحينئذ لا يجوز له الرجوع، بخلاف ما لو كان قبل حضور وقت العمل.
و يحتمل أن يكون المراد به هو حضور وقت العمل بعد ضيقه، فيجوز له الرجوع في سعة الوقت، ففي المقام احتمالات خمسة:
و لنتكلّم أوّلا فيما يتحقّق به التقليد من هذه الاحتمالات، ثمّ لنتكلّم في أنّ المراد بالتقليد الملزم ما ذا، فنقول: لا يجوز أن يتحقّق التقليد بالعمل، بمعنى أن لا يتحقّق بالبناء، بل بالعمل، و إلّا يلزم التسلسل، بيانه: أنّ المجتهد مثلا أفتى بوجوب غسل الجمعة، و العامي ما لم يأت به، لا يتحقّق التقليد؛ ففي إتيانه في المرّة الأولى يكون صدور الفعل عنه لا عن تقليد، و لا عن اجتهاد، فيكون باطلا، فلا بدّ في تحقيق التقليد الصحيح من إثباته ثانيا، و قبل الإتيان المفروض عدم تحقّق التقليد، فيكون
الإتيان الثاني أيضا لا عن تقليد، فيكون أيضا باطلا؛ و هكذا هلمّ جرّا؛ فيلزم من فرض تحقّق التقليد بالعمل عدم تحقّقه أبدا.
و كذا يلزم الدور المصرّح، فإن تحقّق العمل الصحيح للمقلّد، يتوقّف على تحقّق التقليد الصحيح، فلو كان تحقّق التقليد الصحيح أيضا موقوفا على تحقّق العمل، يلزم الدور؛ مضافا إلى أنّه لو كان كذلك، لكان اللازم أن لا يعدّ عاصيا بترك الغسل، لأنّه قبل العمل على هذا الفرض، لم يكن الغسل عليه واجبا، و المفروض أنّه لم يأت بالغسل حتّى يصير واجبا، فلا يكون بالترك عاصيا؛ مع أنّه مخالف لإجماع الأصحاب الظاهر منهم، فإنّهم مطبقون على عصيانه بذلك، و لو كان العصيان بمحض ترك التقليد، فلزوم التسلسل على هذا الفرض، و لزوم الدور و ظهور الإجماع حاكمون بأنّ تحقّق التقليد ليس بالعمل.
و كذا لا يتحقّق التقليد بمحض البناء الإجمالي و عقد القلب عليه للاستصحاب؛ فإنّه قبل ذلك البناء لم يكن مقلّدا قطعا، و لم يكن مستلزما لقوله «و لم يكن غسل الجمعة عليه واجبا» و بعد هذا البناء يشكّ في ذلك كلّه، و الأصل بقاء الشيء على ما كان؛ مضافا إلى أنّه لم يمتثل بعد بالإطلاقات الدالّة على لزوم التقليد، من قوله تعالىفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِو خذوا معالم دينكم، و نحوهما؛ فكيف يتحقّق التقليد له؟
و أمّا بعد البناء التفصيلي، و حضور وقت العمل، فلا ريب في تحقّق التقليد حينئذ، لتحقّق الامتثال بالأوامر على السؤال و الأخذ، و لم يكن إلّا الأخذ بقول الغير، و المفروض تحقّقه و ارتفاع الاستصحاب بذلك.
إنّما الكلام في تحقّق التقليد بعد البناء التفصيلي و قبل حضور وقت العمل.
و الحقّ: تحقّق التقليد بذلك أيضا، لأنّه قبل حضور وقت العمل كان مأمورا بالأمر الندبي بأخذ المسائل و تعلّمها، و المفروض أنّه امتثل بذلك؛ و بعد حضور الوقت و التزام الأخذ عليه، فيكون الأخذ السابق نفلا مسقطا للفرض، كما لو دخل
في وقت الصلاة متطهّرا، فإنّه لا يجب عليه الطهارة مرّة ثانيا، و كذا في كلّ من كان واجدا للمقدّمات قبل حضور وقت ذي المقدّمة.
و التقليد أيضا وجوبه من باب المقدّمة، لمعرفة المسائل، فنقول في هذه الصورة و في الصورة السابقة: إنّه بعد حضور وقت العمل عالم بالمسائل، و العلم لا يخلو إمّا يكون من باب الاجتهاد أو من باب التقليد؛ و المفروض أنّ ذلك العامي العارف ليس مجتهدا، فليكن مقلّدا، و هو المطلوب.
و لقد تحقّق التقليد بمحض البناء التفصيلي، فذلك أعمّ من أن يكون قبل ضيق الوقت أو بعده؛ و كذا أعمّ أن يكون قبل العمل أو بعده.
و أمّا التقليد الملزم الذي لا يجوز بعده الرجوع، فالقدر المتيقّن منه هو بعد العمل، و ما في حكمه؛ و المراد بما في حكمه هو البناء التفصيلي، مع ترك العمل عصيانا، فإنّ إذعانه بالعصيان في حكم العمل؛ فتأمّل.
و أمّا كون هذا القسم هو القدر المتيقّن، لأنّ أكثر الوجوه السبعة الدالّة على عدم جواز الرجوع، إنّما يجري بعد العمل؛ كالإجماع و العمومات الناهية، و المخالفة القطعيّة و الهرج و المرج، و نحوها.
و هل يكون البناء التفصيلي بعد حضور وقت العلم، مطلقا من التقليد الملزم أم لا؟
الحقّ: الأوّل، لاستصحاب لزوم التقليد إن قلنا بجريانه، و لاستصحاب الحكم الفرعي؛ فإنّه بعد تقليده في وجوب صلاة الجمعة مثلا، و حضور وقتها، صارت عليه واجبا عينيّا؛ فعند إرادة الرجوع و الشكّ في بقاء الوجوب، فالأصل البقاء؛ و لقاعدة الاشتغال؛ و لا معارض لأصولنا إلّا استصحاب التخيير؛ و قد عرفت كونه مزالا؛ و على فرض عدمه، غاية الأمر التعارض و التساقط، و يبقى قاعدة الاشتغال سليمة.
أقول: سلامتها إنّما هي إذا كان في البين قدر متيقّن، كما في القسم الأوّل من
الأقسام الأربعة الماضية؛ و أمّا في سائرها فليس في البين قدر متيقّن؛ فإن سلّمنا فيها التعارض و التساقط، فلا قاعدة نرجع إليها.
و أمّا البقاء التفصيلي قبل حضور الوقت؛ فهل هو من التقليد الملزم أم لا؟
الحقّ: أنّه إن كان في البين إجماع مركّب، فيثبت كون القسم السابق من التقليد الملزم بالأدلّة المذكورة، و نتعدّى إلى هذا القسم بالإجماع غاية، إلّا أن تقلب الإجماع بإثبات عدم كون هذا القسم الملزم باستصحاب التخيير، فإنّه ليس له معارض في هذا القسم، لأنّ جريان استصحاب الحكم الفرعي متفرّع على لزومه.
و من البيّن أنّ قبل حضور وقت العمل ليس صلاة الجمعة- مثلا- واجبا، و بعد ما كان استصحاب التخيير سليما عن المعارض في هذا القسم، نثبت أنّ هذا التقليد ليس بملزم، و نتعدّى إلى القسم السابق بالإجماع المركّب، فيحصل التعارض بين الإجماعين، و ضميمة إجماعنا- و هو استصحاب الحكم الفرعي، لكونه مزيلا- مقدّم.
و لكن الحقّ: أنّ لا إجماع مركّب في البين، فلا بدّ من العمل بكلّ من الاستصحابين في مورده، بأن نحكم بعدم جواز الرجوع في القسم السابق باستصحاب الحكم الفرعي، و نحكم بجواز الرجوع في هذا القسم باستصحاب التخيير.
لكن يمكن أن يقال: كما أنّ قبل حضور وقت العمل ليس الحكم الفرعي واجبا، كذلك ليس التخيير أيضا واجبا؛ غاية الأمر ثبوت التخيير الندبي، بمعنى أنّ معرفة المسائل قبل حضور الوقت مستحبّ؛ و ذلك العامي حينئذ مخيّر- بالتخيير الندبي- بين أخذه من هذا المجتهد أو من ذاك، و بعد أخذه قبل لزوم الأخذ، فقاعدة الإجزاء يرتفع بها التخيير، فإنّه كما أنّ الامتثال بالأمر الوجوبي يقتضي الإجزاء، كذلك الامتثال بالأمر الندبي أيضا، فلا يبقى تخيير يستصحب، لا ندبا و لا وجوبا؛ فتأمّل جدّا.
أقول: غاية ما يستفاد من هذا الاعتراض، أنّ الحكم بجواز الرجوع في هذا
القسم باستصحاب التخيير ليس في محلّه؛ لكن لنا أن نتمسّك في جواز الرجوع فيه، باستصحاب جواز الأخذ من غير هذا المجتهد، بمعنى أنّ قبل البناء التفصيلي كان جائزا للعامي أن يأخذ من المجتهد الآخر، و بعد البناء و حصول الشكّ في جواز الأخذ من الغير يستصحب الجواز؛ أو نقول عند هذا البناء يشكّ في وجوب الإلزام بقوله، و حرمة الرجوع إلى غيره، و الأصل البراءة.
و الحاصل: أنّ مقتضي الدليل في هذا القسم جواز الرجوع، بخلاف الأقسام الآخر؛ فتأمّل في المقام جدّا، فإنّه جدير بذلك.