بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 295

الرجوع بالأولويّة القطعيّة.

المقام الثاني: في أنّ التقليد الملزم لعدم جواز الرجوع، المراد به ما ذا؟

و إنّما احتجنا إلى عنوان هذا المقام، لصيرورة بنائنا على عدم الرجوع في المقام الأوّل، و إلّا لم نكن محتاجا إلى تحقيق الكلام في هذا المقام، لأنّ بعد جواز الرجوع من تقليد الأوّل، يجوز الرجوع كائنا المراد بالتقليد ما كان.

فنقول: يحتمل أن يكون المراد بالتقليد الذي لا يجوز الرجوع منه، هو الإلزام الإجمالي؛ كأن يلتزم بتقليد هذا المجتهد، و يبني عليه من دون اطّلاعه على تفصيل فتاويه بعد.

و يحتمل أن يكون المراد به هو الإلزام التفصيلي؛ كأن يطّلع على فتاويه ثمّ يبني على الأخذ بقوله فيها.

و يحتمل أن يكون المراد به هو العمل لفتواه؛ كما لو أفتى بوجوب غسل الجمعة و أتى العامي به في هذا اليوم، ففيما عمل به لا يجوز له الرجوع، بخلاف ما لم يعمل به بعد.

و يحتمل أن يكون المراد به هو حضور وقت العمل؛ كما لو أفتى بوجوب غسل الجمعة و حضر ذلك اليوم، فحينئذ لا يجوز له الرجوع، بخلاف ما لو كان قبل حضور وقت العمل.

و يحتمل أن يكون المراد به هو حضور وقت العمل بعد ضيقه، فيجوز له الرجوع في سعة الوقت، ففي المقام احتمالات خمسة:

و لنتكلّم أوّلا فيما يتحقّق به التقليد من هذه الاحتمالات، ثمّ لنتكلّم في أنّ المراد بالتقليد الملزم ما ذا، فنقول: لا يجوز أن يتحقّق التقليد بالعمل، بمعنى أن لا يتحقّق بالبناء، بل بالعمل، و إلّا يلزم التسلسل، بيانه: أنّ المجتهد مثلا أفتى بوجوب غسل الجمعة، و العامي ما لم يأت به، لا يتحقّق التقليد؛ ففي إتيانه في المرّة الأولى يكون صدور الفعل عنه لا عن تقليد، و لا عن اجتهاد، فيكون باطلا، فلا بدّ في تحقيق التقليد الصحيح من إثباته ثانيا، و قبل الإتيان المفروض عدم تحقّق التقليد، فيكون‌


صفحه 296

الإتيان الثاني أيضا لا عن تقليد، فيكون أيضا باطلا؛ و هكذا هلمّ جرّا؛ فيلزم من فرض تحقّق التقليد بالعمل عدم تحقّقه أبدا.

و كذا يلزم الدور المصرّح، فإن تحقّق العمل الصحيح للمقلّد، يتوقّف على تحقّق التقليد الصحيح، فلو كان تحقّق التقليد الصحيح أيضا موقوفا على تحقّق العمل، يلزم الدور؛ مضافا إلى أنّه لو كان كذلك، لكان اللازم أن لا يعدّ عاصيا بترك الغسل، لأنّه قبل العمل على هذا الفرض، لم يكن الغسل عليه واجبا، و المفروض أنّه لم يأت بالغسل حتّى يصير واجبا، فلا يكون بالترك عاصيا؛ مع أنّه مخالف لإجماع الأصحاب الظاهر منهم، فإنّهم مطبقون على عصيانه بذلك، و لو كان العصيان بمحض ترك التقليد، فلزوم التسلسل على هذا الفرض، و لزوم الدور و ظهور الإجماع حاكمون بأنّ تحقّق التقليد ليس بالعمل.

و كذا لا يتحقّق التقليد بمحض البناء الإجمالي و عقد القلب عليه للاستصحاب؛ فإنّه قبل ذلك البناء لم يكن مقلّدا قطعا، و لم يكن مستلزما لقوله «و لم يكن غسل الجمعة عليه واجبا» و بعد هذا البناء يشكّ في ذلك كلّه، و الأصل بقاء الشي‌ء على ما كان؛ مضافا إلى أنّه لم يمتثل بعد بالإطلاقات الدالّة على لزوم التقليد، من قوله تعالى‌فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِو خذوا معالم دينكم، و نحوهما؛ فكيف يتحقّق التقليد له؟

و أمّا بعد البناء التفصيلي، و حضور وقت العمل، فلا ريب في تحقّق التقليد حينئذ، لتحقّق الامتثال بالأوامر على السؤال و الأخذ، و لم يكن إلّا الأخذ بقول الغير، و المفروض تحقّقه و ارتفاع الاستصحاب بذلك.

إنّما الكلام في تحقّق التقليد بعد البناء التفصيلي و قبل حضور وقت العمل.

و الحقّ: تحقّق التقليد بذلك أيضا، لأنّه قبل حضور وقت العمل كان مأمورا بالأمر الندبي بأخذ المسائل و تعلّمها، و المفروض أنّه امتثل بذلك؛ و بعد حضور الوقت و التزام الأخذ عليه، فيكون الأخذ السابق نفلا مسقطا للفرض، كما لو دخل‌


صفحه 297

في وقت الصلاة متطهّرا، فإنّه لا يجب عليه الطهارة مرّة ثانيا، و كذا في كلّ من كان واجدا للمقدّمات قبل حضور وقت ذي المقدّمة.

و التقليد أيضا وجوبه من باب المقدّمة، لمعرفة المسائل، فنقول في هذه الصورة و في الصورة السابقة: إنّه بعد حضور وقت العمل عالم بالمسائل، و العلم لا يخلو إمّا يكون من باب الاجتهاد أو من باب التقليد؛ و المفروض أنّ ذلك العامي العارف ليس مجتهدا، فليكن مقلّدا، و هو المطلوب.

و لقد تحقّق التقليد بمحض البناء التفصيلي، فذلك أعمّ من أن يكون قبل ضيق الوقت أو بعده؛ و كذا أعمّ أن يكون قبل العمل أو بعده.

و أمّا التقليد الملزم الذي لا يجوز بعده الرجوع، فالقدر المتيقّن منه هو بعد العمل، و ما في حكمه؛ و المراد بما في حكمه هو البناء التفصيلي، مع ترك العمل عصيانا، فإنّ إذعانه بالعصيان في حكم العمل؛ فتأمّل.

و أمّا كون هذا القسم هو القدر المتيقّن، لأنّ أكثر الوجوه السبعة الدالّة على عدم جواز الرجوع، إنّما يجري بعد العمل؛ كالإجماع و العمومات الناهية، و المخالفة القطعيّة و الهرج و المرج، و نحوها.

و هل يكون البناء التفصيلي بعد حضور وقت العلم، مطلقا من التقليد الملزم أم لا؟

الحقّ: الأوّل، لاستصحاب لزوم التقليد إن قلنا بجريانه، و لاستصحاب الحكم الفرعي؛ فإنّه بعد تقليده في وجوب صلاة الجمعة مثلا، و حضور وقتها، صارت عليه واجبا عينيّا؛ فعند إرادة الرجوع و الشكّ في بقاء الوجوب، فالأصل البقاء؛ و لقاعدة الاشتغال؛ و لا معارض لأصولنا إلّا استصحاب التخيير؛ و قد عرفت كونه مزالا؛ و على فرض عدمه، غاية الأمر التعارض و التساقط، و يبقى قاعدة الاشتغال سليمة.

أقول: سلامتها إنّما هي إذا كان في البين قدر متيقّن، كما في القسم الأوّل من‌


صفحه 298

الأقسام الأربعة الماضية؛ و أمّا في سائرها فليس في البين قدر متيقّن؛ فإن سلّمنا فيها التعارض و التساقط، فلا قاعدة نرجع إليها.

و أمّا البقاء التفصيلي قبل حضور الوقت؛ فهل هو من التقليد الملزم أم لا؟

الحقّ: أنّه إن كان في البين إجماع مركّب، فيثبت كون القسم السابق من التقليد الملزم بالأدلّة المذكورة، و نتعدّى إلى هذا القسم بالإجماع غاية، إلّا أن تقلب الإجماع بإثبات عدم كون هذا القسم الملزم باستصحاب التخيير، فإنّه ليس له معارض في هذا القسم، لأنّ جريان استصحاب الحكم الفرعي متفرّع على لزومه.

و من البيّن أنّ قبل حضور وقت العمل ليس صلاة الجمعة- مثلا- واجبا، و بعد ما كان استصحاب التخيير سليما عن المعارض في هذا القسم، نثبت أنّ هذا التقليد ليس بملزم، و نتعدّى إلى القسم السابق بالإجماع المركّب، فيحصل التعارض بين الإجماعين، و ضميمة إجماعنا- و هو استصحاب الحكم الفرعي، لكونه مزيلا- مقدّم.

و لكن الحقّ: أنّ لا إجماع مركّب في البين، فلا بدّ من العمل بكلّ من الاستصحابين في مورده، بأن نحكم بعدم جواز الرجوع في القسم السابق باستصحاب الحكم الفرعي، و نحكم بجواز الرجوع في هذا القسم باستصحاب التخيير.

لكن يمكن أن يقال: كما أنّ قبل حضور وقت العمل ليس الحكم الفرعي واجبا، كذلك ليس التخيير أيضا واجبا؛ غاية الأمر ثبوت التخيير الندبي، بمعنى أنّ معرفة المسائل قبل حضور الوقت مستحبّ؛ و ذلك العامي حينئذ مخيّر- بالتخيير الندبي- بين أخذه من هذا المجتهد أو من ذاك، و بعد أخذه قبل لزوم الأخذ، فقاعدة الإجزاء يرتفع بها التخيير، فإنّه كما أنّ الامتثال بالأمر الوجوبي يقتضي الإجزاء، كذلك الامتثال بالأمر الندبي أيضا، فلا يبقى تخيير يستصحب، لا ندبا و لا وجوبا؛ فتأمّل جدّا.

أقول: غاية ما يستفاد من هذا الاعتراض، أنّ الحكم بجواز الرجوع في هذا


صفحه 299

القسم باستصحاب التخيير ليس في محلّه؛ لكن لنا أن نتمسّك في جواز الرجوع فيه، باستصحاب جواز الأخذ من غير هذا المجتهد، بمعنى أنّ قبل البناء التفصيلي كان جائزا للعامي أن يأخذ من المجتهد الآخر، و بعد البناء و حصول الشكّ في جواز الأخذ من الغير يستصحب الجواز؛ أو نقول عند هذا البناء يشكّ في وجوب الإلزام بقوله، و حرمة الرجوع إلى غيره، و الأصل البراءة.

و الحاصل: أنّ مقتضي الدليل في هذا القسم جواز الرجوع، بخلاف الأقسام الآخر؛ فتأمّل في المقام جدّا، فإنّه جدير بذلك.


صفحه 300

المسألة السادسة: في أنّه يجوز التبعيض في التقليد، أم لا؟

و التفصيل: أنّ المجتهد لو كان منحصرا في فرد، لا يتصوّر تبعّض التقليد؛ و كذا لو كان متعدّدا، و كان الأعلم منحصرا في فرد، على القول بلزوم تقليده؛ و أمّا إن كان متعدّدا متساوين، أو لم نقل بلزوم تقليد الأعلم؛ فلو قلّد أحدهم في بعض المسائل، فهل يجوز له تقليد الآخر أم لا؟

الحقّ: الجواز، لظهور الإجماع، و لإطلاق الأخبار و الآيات الدالّة على التقليد، فإنّها مطلق بالنسبة إلى أخذ المسائل جميعا من واحد أو من أكثر، و لأصل البراءة، فإنّا نشكّ في أنّ الأخذ من الواحد واجب أم لا؟ و الأصل البراءة؛ بمعنى أنّ الشكّ في أنّ أخذ الجميع من الواحد شرط في صحّة التقليد أم لا؛ و الأصل عدم الشرطيّة، فإنّ الأمر دائر بين الكلّي و الفرد؛ بمعنى أنّا عالم بوجوب التقليد في الجملة في جميع المسائل، لكن لا ندري أنّ الواجب هو الأخذ من فرد واحد أو من كلّي المجتهد، سواء كان هذا أو ذاك.

و قد عرفت أنّ بنائنا في هذا القسم موافقا للفاضل القمي(رحمه اللّه)، و مخالفا للفاضل‌


صفحه 301

الشريف(رحمه اللّه)على أصل البراءة، كما أنّ الأمر في كلّ ما دار الأمر فيه بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي كذلك؛ فتبصّر.

و ربما يتمسّك على الجواز باستصحاب التخيير، فإنّه قبل الأخذ من أحد كان مخيّرا، و بعد الأخذ في بعض نشكّ في زوال التخيير فيما لو نأخذ؛ و الأصل بقائه فيه؛ و لكن هذا الاستصحاب ليس جاريا، لأنّ المستصحب إن كان هو التخيير في أخذ الكلّ من الكلّ، أي بوصف الكلّيّة، فهو مسلّم، لكنّه زال بأخذ بعض المسائل من بعض؛ و إن كان المستصحب هو التخيير في أخذ كلّ مسألة من كلّ، فهذا التخيير مشكوك من أوّل الأمر.

أقول: يمكن أن يقال: إنّ المستصحب هو الثاني، و ثبوته يقينيّ، لأنّه كان مأمورا بالتقليد في كلّ مسألة مسألة لا بوصف الاجتماع، و إلّا لكان تقليده في البعض مع ترك التقليد في البعض فاسدا؛ و لم يقل به أحد، و التخيير إنّما نشأ من قبل الوجوب و تعدّد من يجوز الاستفتاء منه؛ و بعد ما كان متعلّق الوجوب كلّ مسألة، فمتعلّق التخيير أيضا هو أفراد المسائل لا بوصف الاجتماع، أو نقول: ثبت التخيير المجمل المردّد بين الفردين، و لا قدر متيقّن في البين؛ فبعد التقليد في بعض لبعض، نشكّ في زوال ذلك المجمل، و الأصل بقائه؛ كما يجرى استصحاب الأمر المجمل، إذا لم يكن الاستصحاب عرضيّا.

فإن قلت: بعد ما جاز التبعيض للمقلّد في التقليد، فيلزم الخروج من الدين، فإنّه حينئذ يختار في كلّ مسألة اختلفوا فيها بالوجوب و غيره غير الوجوب؛ و فيما اختلفوا فيه بالحرمة و غيرها غير المحرّمة؛ خصوصا إن جوّزنا تقليد الميّت، فإنّه ما من مسألة إلّا و قد وقع الخلاف فيها، فيحصل له لجواز التبعيض و اختيار الأسهل على هذا الوجه، القطع بمخالفة بعضها للواقع، و هو حرام؛ و هذا الخروج من الدين إنّما نشأ من تجويز التبعيض؛ و ما يستلزم الحرام فهو حرام.

قلت أوّلا: فما تقول في مجتهد أدّى ظنّه، في جميع ما دار الأمر فيه بين الواجب و


صفحه 302

غير الحرام، إلى غير الوجوب؛ و في جميع ما دار أمره بين الحرام و غير الواجب إلى غير الحرمة، فإنّه حينئذ يلزم عليه أيضا المخالفة القطعيّة؛ فعلى ما قلت، لا بدّ من الحكم بحرمة الاجتهاد أيضا.

و ثانيا: بأنّا نجوّز التبعيض ما لم ينجر إلى القطع بالمخالفة كما نجوّز الاجتهاد للمجتهد المفروض ما لم يحصل ذلك؛ و بعد التجويز إلى ذلك الحدّ، لا يلزم محذور كما لا يخفى؛ مضافا إلى أنّا إن لم نجوّز التبعيض، يلزم العسر و الحرج في بعض الصور، كما لو بنى على تقليد مجتهد غير حاضر عنده في المسائل الحاضرة عنده من فتاويه، فإنّه لو ألزمناه بتقليد ذلك المجتهد في المسائل التي لم يحضره، يلزم العسر و الحرج؛ و ذلك بيّن.

فروع:

الأوّل: لو علم أنّه قلّد المجتهد المخصوص في نبذ معلوم من المسائل، و شكّ في تقليده له في مسألة قبل الإتيان بها، كما لو شكّ في أنّه قلّد هذا المجتهد في وجوب صلاة الجمعة مثلا، مع قوله بوجوبها قبل الإتيان بها؛ فهل يجوز الرجوع فيها إلى غيره أم لا؟

الحقّ: جوازه فيها، لاستصحاب عدم التقليد فيها؛ و أمّا لو شكّ بعد الإتيان فلا يجوز، لأنّ الاستصحاب معارض حينئذ بأصالة حمل فعل المسلم، أي صلاته على الصحّة، أي على صدوره على وجه التقليد، و الاستصحاب لا يقاومها.

الثاني: لو كان عشرة مسائل مثلا و علم بأنّه قلّد هذا المجتهد في خمسة منها، و لم يقلّد أحدا في خمسة أخرى؛ ثمّ اشتبه عليه المسائل المقلّدة فيها مع غيرها؛ فهل يجوز له تقليد الآخر في خمسة منها مثلا أم لا؟

الحقّ: عدم جواز تقليد الآخر، لكون الشبهة محصورة، فإنّ الأمر في كلّ واحد من المسائل في تقليده فيه للآخر دائر بين الحرام، لاحتمال كونه ممّا قلّد فيها، فلا يجوز له الرجوع؛ و المباح، لاحتمال كونه ممّا لم يقلّد فيه، فيجوز له الرجوع؛ و قد عرفت أنّ‌