في وقت الصلاة متطهّرا، فإنّه لا يجب عليه الطهارة مرّة ثانيا، و كذا في كلّ من كان واجدا للمقدّمات قبل حضور وقت ذي المقدّمة.
و التقليد أيضا وجوبه من باب المقدّمة، لمعرفة المسائل، فنقول في هذه الصورة و في الصورة السابقة: إنّه بعد حضور وقت العمل عالم بالمسائل، و العلم لا يخلو إمّا يكون من باب الاجتهاد أو من باب التقليد؛ و المفروض أنّ ذلك العامي العارف ليس مجتهدا، فليكن مقلّدا، و هو المطلوب.
و لقد تحقّق التقليد بمحض البناء التفصيلي، فذلك أعمّ من أن يكون قبل ضيق الوقت أو بعده؛ و كذا أعمّ أن يكون قبل العمل أو بعده.
و أمّا التقليد الملزم الذي لا يجوز بعده الرجوع، فالقدر المتيقّن منه هو بعد العمل، و ما في حكمه؛ و المراد بما في حكمه هو البناء التفصيلي، مع ترك العمل عصيانا، فإنّ إذعانه بالعصيان في حكم العمل؛ فتأمّل.
و أمّا كون هذا القسم هو القدر المتيقّن، لأنّ أكثر الوجوه السبعة الدالّة على عدم جواز الرجوع، إنّما يجري بعد العمل؛ كالإجماع و العمومات الناهية، و المخالفة القطعيّة و الهرج و المرج، و نحوها.
و هل يكون البناء التفصيلي بعد حضور وقت العلم، مطلقا من التقليد الملزم أم لا؟
الحقّ: الأوّل، لاستصحاب لزوم التقليد إن قلنا بجريانه، و لاستصحاب الحكم الفرعي؛ فإنّه بعد تقليده في وجوب صلاة الجمعة مثلا، و حضور وقتها، صارت عليه واجبا عينيّا؛ فعند إرادة الرجوع و الشكّ في بقاء الوجوب، فالأصل البقاء؛ و لقاعدة الاشتغال؛ و لا معارض لأصولنا إلّا استصحاب التخيير؛ و قد عرفت كونه مزالا؛ و على فرض عدمه، غاية الأمر التعارض و التساقط، و يبقى قاعدة الاشتغال سليمة.
أقول: سلامتها إنّما هي إذا كان في البين قدر متيقّن، كما في القسم الأوّل من
الأقسام الأربعة الماضية؛ و أمّا في سائرها فليس في البين قدر متيقّن؛ فإن سلّمنا فيها التعارض و التساقط، فلا قاعدة نرجع إليها.
و أمّا البقاء التفصيلي قبل حضور الوقت؛ فهل هو من التقليد الملزم أم لا؟
الحقّ: أنّه إن كان في البين إجماع مركّب، فيثبت كون القسم السابق من التقليد الملزم بالأدلّة المذكورة، و نتعدّى إلى هذا القسم بالإجماع غاية، إلّا أن تقلب الإجماع بإثبات عدم كون هذا القسم الملزم باستصحاب التخيير، فإنّه ليس له معارض في هذا القسم، لأنّ جريان استصحاب الحكم الفرعي متفرّع على لزومه.
و من البيّن أنّ قبل حضور وقت العمل ليس صلاة الجمعة- مثلا- واجبا، و بعد ما كان استصحاب التخيير سليما عن المعارض في هذا القسم، نثبت أنّ هذا التقليد ليس بملزم، و نتعدّى إلى القسم السابق بالإجماع المركّب، فيحصل التعارض بين الإجماعين، و ضميمة إجماعنا- و هو استصحاب الحكم الفرعي، لكونه مزيلا- مقدّم.
و لكن الحقّ: أنّ لا إجماع مركّب في البين، فلا بدّ من العمل بكلّ من الاستصحابين في مورده، بأن نحكم بعدم جواز الرجوع في القسم السابق باستصحاب الحكم الفرعي، و نحكم بجواز الرجوع في هذا القسم باستصحاب التخيير.
لكن يمكن أن يقال: كما أنّ قبل حضور وقت العمل ليس الحكم الفرعي واجبا، كذلك ليس التخيير أيضا واجبا؛ غاية الأمر ثبوت التخيير الندبي، بمعنى أنّ معرفة المسائل قبل حضور الوقت مستحبّ؛ و ذلك العامي حينئذ مخيّر- بالتخيير الندبي- بين أخذه من هذا المجتهد أو من ذاك، و بعد أخذه قبل لزوم الأخذ، فقاعدة الإجزاء يرتفع بها التخيير، فإنّه كما أنّ الامتثال بالأمر الوجوبي يقتضي الإجزاء، كذلك الامتثال بالأمر الندبي أيضا، فلا يبقى تخيير يستصحب، لا ندبا و لا وجوبا؛ فتأمّل جدّا.
أقول: غاية ما يستفاد من هذا الاعتراض، أنّ الحكم بجواز الرجوع في هذا
القسم باستصحاب التخيير ليس في محلّه؛ لكن لنا أن نتمسّك في جواز الرجوع فيه، باستصحاب جواز الأخذ من غير هذا المجتهد، بمعنى أنّ قبل البناء التفصيلي كان جائزا للعامي أن يأخذ من المجتهد الآخر، و بعد البناء و حصول الشكّ في جواز الأخذ من الغير يستصحب الجواز؛ أو نقول عند هذا البناء يشكّ في وجوب الإلزام بقوله، و حرمة الرجوع إلى غيره، و الأصل البراءة.
و الحاصل: أنّ مقتضي الدليل في هذا القسم جواز الرجوع، بخلاف الأقسام الآخر؛ فتأمّل في المقام جدّا، فإنّه جدير بذلك.
المسألة السادسة: في أنّه يجوز التبعيض في التقليد، أم لا؟
و التفصيل: أنّ المجتهد لو كان منحصرا في فرد، لا يتصوّر تبعّض التقليد؛ و كذا لو كان متعدّدا، و كان الأعلم منحصرا في فرد، على القول بلزوم تقليده؛ و أمّا إن كان متعدّدا متساوين، أو لم نقل بلزوم تقليد الأعلم؛ فلو قلّد أحدهم في بعض المسائل، فهل يجوز له تقليد الآخر أم لا؟
الحقّ: الجواز، لظهور الإجماع، و لإطلاق الأخبار و الآيات الدالّة على التقليد، فإنّها مطلق بالنسبة إلى أخذ المسائل جميعا من واحد أو من أكثر، و لأصل البراءة، فإنّا نشكّ في أنّ الأخذ من الواحد واجب أم لا؟ و الأصل البراءة؛ بمعنى أنّ الشكّ في أنّ أخذ الجميع من الواحد شرط في صحّة التقليد أم لا؛ و الأصل عدم الشرطيّة، فإنّ الأمر دائر بين الكلّي و الفرد؛ بمعنى أنّا عالم بوجوب التقليد في الجملة في جميع المسائل، لكن لا ندري أنّ الواجب هو الأخذ من فرد واحد أو من كلّي المجتهد، سواء كان هذا أو ذاك.
و قد عرفت أنّ بنائنا في هذا القسم موافقا للفاضل القمي(رحمه اللّه)، و مخالفا للفاضل
الشريف(رحمه اللّه)على أصل البراءة، كما أنّ الأمر في كلّ ما دار الأمر فيه بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي كذلك؛ فتبصّر.
و ربما يتمسّك على الجواز باستصحاب التخيير، فإنّه قبل الأخذ من أحد كان مخيّرا، و بعد الأخذ في بعض نشكّ في زوال التخيير فيما لو نأخذ؛ و الأصل بقائه فيه؛ و لكن هذا الاستصحاب ليس جاريا، لأنّ المستصحب إن كان هو التخيير في أخذ الكلّ من الكلّ، أي بوصف الكلّيّة، فهو مسلّم، لكنّه زال بأخذ بعض المسائل من بعض؛ و إن كان المستصحب هو التخيير في أخذ كلّ مسألة من كلّ، فهذا التخيير مشكوك من أوّل الأمر.
أقول: يمكن أن يقال: إنّ المستصحب هو الثاني، و ثبوته يقينيّ، لأنّه كان مأمورا بالتقليد في كلّ مسألة مسألة لا بوصف الاجتماع، و إلّا لكان تقليده في البعض مع ترك التقليد في البعض فاسدا؛ و لم يقل به أحد، و التخيير إنّما نشأ من قبل الوجوب و تعدّد من يجوز الاستفتاء منه؛ و بعد ما كان متعلّق الوجوب كلّ مسألة، فمتعلّق التخيير أيضا هو أفراد المسائل لا بوصف الاجتماع، أو نقول: ثبت التخيير المجمل المردّد بين الفردين، و لا قدر متيقّن في البين؛ فبعد التقليد في بعض لبعض، نشكّ في زوال ذلك المجمل، و الأصل بقائه؛ كما يجرى استصحاب الأمر المجمل، إذا لم يكن الاستصحاب عرضيّا.
فإن قلت: بعد ما جاز التبعيض للمقلّد في التقليد، فيلزم الخروج من الدين، فإنّه حينئذ يختار في كلّ مسألة اختلفوا فيها بالوجوب و غيره غير الوجوب؛ و فيما اختلفوا فيه بالحرمة و غيرها غير المحرّمة؛ خصوصا إن جوّزنا تقليد الميّت، فإنّه ما من مسألة إلّا و قد وقع الخلاف فيها، فيحصل له لجواز التبعيض و اختيار الأسهل على هذا الوجه، القطع بمخالفة بعضها للواقع، و هو حرام؛ و هذا الخروج من الدين إنّما نشأ من تجويز التبعيض؛ و ما يستلزم الحرام فهو حرام.
قلت أوّلا: فما تقول في مجتهد أدّى ظنّه، في جميع ما دار الأمر فيه بين الواجب و
غير الحرام، إلى غير الوجوب؛ و في جميع ما دار أمره بين الحرام و غير الواجب إلى غير الحرمة، فإنّه حينئذ يلزم عليه أيضا المخالفة القطعيّة؛ فعلى ما قلت، لا بدّ من الحكم بحرمة الاجتهاد أيضا.
و ثانيا: بأنّا نجوّز التبعيض ما لم ينجر إلى القطع بالمخالفة كما نجوّز الاجتهاد للمجتهد المفروض ما لم يحصل ذلك؛ و بعد التجويز إلى ذلك الحدّ، لا يلزم محذور كما لا يخفى؛ مضافا إلى أنّا إن لم نجوّز التبعيض، يلزم العسر و الحرج في بعض الصور، كما لو بنى على تقليد مجتهد غير حاضر عنده في المسائل الحاضرة عنده من فتاويه، فإنّه لو ألزمناه بتقليد ذلك المجتهد في المسائل التي لم يحضره، يلزم العسر و الحرج؛ و ذلك بيّن.
فروع:
الأوّل: لو علم أنّه قلّد المجتهد المخصوص في نبذ معلوم من المسائل، و شكّ في تقليده له في مسألة قبل الإتيان بها، كما لو شكّ في أنّه قلّد هذا المجتهد في وجوب صلاة الجمعة مثلا، مع قوله بوجوبها قبل الإتيان بها؛ فهل يجوز الرجوع فيها إلى غيره أم لا؟
الحقّ: جوازه فيها، لاستصحاب عدم التقليد فيها؛ و أمّا لو شكّ بعد الإتيان فلا يجوز، لأنّ الاستصحاب معارض حينئذ بأصالة حمل فعل المسلم، أي صلاته على الصحّة، أي على صدوره على وجه التقليد، و الاستصحاب لا يقاومها.
الثاني: لو كان عشرة مسائل مثلا و علم بأنّه قلّد هذا المجتهد في خمسة منها، و لم يقلّد أحدا في خمسة أخرى؛ ثمّ اشتبه عليه المسائل المقلّدة فيها مع غيرها؛ فهل يجوز له تقليد الآخر في خمسة منها مثلا أم لا؟
الحقّ: عدم جواز تقليد الآخر، لكون الشبهة محصورة، فإنّ الأمر في كلّ واحد من المسائل في تقليده فيه للآخر دائر بين الحرام، لاحتمال كونه ممّا قلّد فيها، فلا يجوز له الرجوع؛ و المباح، لاحتمال كونه ممّا لم يقلّد فيه، فيجوز له الرجوع؛ و قد عرفت أنّ
بناءنا على لزوم الاحتراز من الشبهة المحصورة، فليقلّد في كلّ واحد من المسائل العشرة لهذا المجتهد.
الثالث: لو قلّد مجتهدا في جواز تقليد الميّت مثلا، و كان في البين مجتهدون متعدّدون، ثمّ مات أحدهم[1]، و حصل للمقلّد الاشتباه في أنّ المجتهد الذي قلّده هل هو الذي مات، أو أحد الباقين فما ذا يصنع؟
الحقّ: أنّه يجري استصحاب حياة مجتهده، و يبني على تقليده السابق.
فإن قلت: الشكّ في الحادث، فلا يجري الاستصحاب، للعلم بموت أحدهم.
قلت: مخالفة هذا العلم لا ضير فيه، لأنّه ليس بالنسبة إلى شخص واحد؛ نظير ما تقدّم منّا في واجدي المعنى في الثوب المشترك، و كذا فيمن حصل له القطع باصابة البول، إمّا بلباسه أو بالأرض؛ فإنّه يستصحب طهارة الثوب، مع أنّ الشكّ في الحادث؛ و كذا نستصحب حياة أصدقائنا الموجودين في البلاد البعيدة، مع القطع بموت جمع كثير في ذلك البلد، بل في كلّ يوم؛ و لا فرق في جريان هذا الاستصحاب، بين كون الشبهة محصورة أو غير محصورة.
أمّا الثاني، فكاستصحاب حياة الأصدقاء؛ و أمّا المحصورة، فشرط جريان الاستصحاب فيها كونها غير متعلّقة بشخص واحد، كما لو كان له أثواب متعدّدة، مع حصول القطع بطريان النجاسة على أحدها، فإنّه لا يجري فيه الاستصحاب.
و المورد الذي يكون الشكّ في الحادث مانعا من جريان الاستصحاب، هو المورد الذي يكون من هذا القبيل؛ و أمّا فيما لم يكن المحصورة متعلّقة لشخص واحد، كما لو حصل له القطع إمّا بنجاسة ثوبه أو ثوب أخيه، أو كان ابنه مسافرا في السفينة مثلا، و كان معه خمسة رجال، و حصل القطع بموت أحدهم؛ و كما في الثوب المشترك و نظائرها، فليس الشكّ في الحادث مانعا عن جريان الاستصحاب.
[1]- في الأصل: أحدهما.
و المعيار فيه أنّ المخالفة القطعيّة إن كانت حاصلة بالنسبة إلى الشخص الواحد، لاستصحاب جميع الأفراد التي وقعت فيه الشبهة، فالشكّ في الحادث مانع، و إلّا فلا؛ و قد قدّمنا الكلام فيه في مسألة أصل البراءة، و كذا في مسألة الاستصحاب؛ فتذكّر، و ما نحن فيه من قبيل ما ليس الشكّ في الحادث مانعا من جريان الاستصحاب فيه، كما لا يخفى.
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرنا ليس منحصرا بفرض موت أحد المجتهدين، بل يجري الكلام طابق النعل بالنعل، فيما لو حصل العلم بفسق أحدهم، أو بتجديد رأيه، و أمثال ذلك، ممّا لا يجوز البقاء على التقليد معه.
الرابع: لو كان في البين مجتهدا مثلا، و حكم أحدهم بحلّيّة الزبيب مثلا و الآخر بحرمته؛ و حصل القطع للمقلّد بتقليد أحدهما، لكن لا يدري أنّه قلّد من يقول بالحلّيّة أو قلّد من يقول بالحرمة؟ فنقول: يحتمل أن يقال بالأخذ بالاحتياط، كأن يترك أكل الزبيب مثلا؛ و يمكن القول بالقرعة برجوع إلى تخيير البدوي؛ لكن لعدم لزوم الاحتياط، و بضعف العمومات الدالّة على القرعة، و عدم انجبارها فيما نحن فيه بعمل الأصحاب؛ يتعيّن القول بالتخيير، فيقلّد من يريد.
و لا فرق بين أن يكون المشتبه فيه مسألة واحدة، كما فيما ذكر؛ أو متعدّدة كما لو قلّد مجتهدا في خمسة مسائل مثلا، و قلّد الآخر في خمس أخرى؛ فاشتبه عليه، فإنّه حينئذ لا يدري في كلّ مسألة من المسائل العشرة، أنّه قلّد هذا أو ذاك.
الخامس: لو قلّد مجتهدا في مسائل كثيرة، ثمّ احتاج في واقعة إلى مسألة، فيشكّ في أنّه قلّده أيضا في تلك أم لا.
و الفرق بين هذا القسم و القسم الأوّل، أنّ في القسم الأوّل المسائل التي قلّد فيها معلومة و المشكوك فيه مشكوك بالشكّ القطعي، و المعلوم معلوم بالعلم التفصيلي؛ و في هذا القسم، المعلوم معلوم بالعلم الإجمالي؛ فهل يجوز له الرجوع فيها إلى غيره أم لا؟