بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 301

الشريف(رحمه اللّه)على أصل البراءة، كما أنّ الأمر في كلّ ما دار الأمر فيه بين الأقلّ و الأكثر الارتباطي كذلك؛ فتبصّر.

و ربما يتمسّك على الجواز باستصحاب التخيير، فإنّه قبل الأخذ من أحد كان مخيّرا، و بعد الأخذ في بعض نشكّ في زوال التخيير فيما لو نأخذ؛ و الأصل بقائه فيه؛ و لكن هذا الاستصحاب ليس جاريا، لأنّ المستصحب إن كان هو التخيير في أخذ الكلّ من الكلّ، أي بوصف الكلّيّة، فهو مسلّم، لكنّه زال بأخذ بعض المسائل من بعض؛ و إن كان المستصحب هو التخيير في أخذ كلّ مسألة من كلّ، فهذا التخيير مشكوك من أوّل الأمر.

أقول: يمكن أن يقال: إنّ المستصحب هو الثاني، و ثبوته يقينيّ، لأنّه كان مأمورا بالتقليد في كلّ مسألة مسألة لا بوصف الاجتماع، و إلّا لكان تقليده في البعض مع ترك التقليد في البعض فاسدا؛ و لم يقل به أحد، و التخيير إنّما نشأ من قبل الوجوب و تعدّد من يجوز الاستفتاء منه؛ و بعد ما كان متعلّق الوجوب كلّ مسألة، فمتعلّق التخيير أيضا هو أفراد المسائل لا بوصف الاجتماع، أو نقول: ثبت التخيير المجمل المردّد بين الفردين، و لا قدر متيقّن في البين؛ فبعد التقليد في بعض لبعض، نشكّ في زوال ذلك المجمل، و الأصل بقائه؛ كما يجرى استصحاب الأمر المجمل، إذا لم يكن الاستصحاب عرضيّا.

فإن قلت: بعد ما جاز التبعيض للمقلّد في التقليد، فيلزم الخروج من الدين، فإنّه حينئذ يختار في كلّ مسألة اختلفوا فيها بالوجوب و غيره غير الوجوب؛ و فيما اختلفوا فيه بالحرمة و غيرها غير المحرّمة؛ خصوصا إن جوّزنا تقليد الميّت، فإنّه ما من مسألة إلّا و قد وقع الخلاف فيها، فيحصل له لجواز التبعيض و اختيار الأسهل على هذا الوجه، القطع بمخالفة بعضها للواقع، و هو حرام؛ و هذا الخروج من الدين إنّما نشأ من تجويز التبعيض؛ و ما يستلزم الحرام فهو حرام.

قلت أوّلا: فما تقول في مجتهد أدّى ظنّه، في جميع ما دار الأمر فيه بين الواجب و


صفحه 302

غير الحرام، إلى غير الوجوب؛ و في جميع ما دار أمره بين الحرام و غير الواجب إلى غير الحرمة، فإنّه حينئذ يلزم عليه أيضا المخالفة القطعيّة؛ فعلى ما قلت، لا بدّ من الحكم بحرمة الاجتهاد أيضا.

و ثانيا: بأنّا نجوّز التبعيض ما لم ينجر إلى القطع بالمخالفة كما نجوّز الاجتهاد للمجتهد المفروض ما لم يحصل ذلك؛ و بعد التجويز إلى ذلك الحدّ، لا يلزم محذور كما لا يخفى؛ مضافا إلى أنّا إن لم نجوّز التبعيض، يلزم العسر و الحرج في بعض الصور، كما لو بنى على تقليد مجتهد غير حاضر عنده في المسائل الحاضرة عنده من فتاويه، فإنّه لو ألزمناه بتقليد ذلك المجتهد في المسائل التي لم يحضره، يلزم العسر و الحرج؛ و ذلك بيّن.

فروع:

الأوّل: لو علم أنّه قلّد المجتهد المخصوص في نبذ معلوم من المسائل، و شكّ في تقليده له في مسألة قبل الإتيان بها، كما لو شكّ في أنّه قلّد هذا المجتهد في وجوب صلاة الجمعة مثلا، مع قوله بوجوبها قبل الإتيان بها؛ فهل يجوز الرجوع فيها إلى غيره أم لا؟

الحقّ: جوازه فيها، لاستصحاب عدم التقليد فيها؛ و أمّا لو شكّ بعد الإتيان فلا يجوز، لأنّ الاستصحاب معارض حينئذ بأصالة حمل فعل المسلم، أي صلاته على الصحّة، أي على صدوره على وجه التقليد، و الاستصحاب لا يقاومها.

الثاني: لو كان عشرة مسائل مثلا و علم بأنّه قلّد هذا المجتهد في خمسة منها، و لم يقلّد أحدا في خمسة أخرى؛ ثمّ اشتبه عليه المسائل المقلّدة فيها مع غيرها؛ فهل يجوز له تقليد الآخر في خمسة منها مثلا أم لا؟

الحقّ: عدم جواز تقليد الآخر، لكون الشبهة محصورة، فإنّ الأمر في كلّ واحد من المسائل في تقليده فيه للآخر دائر بين الحرام، لاحتمال كونه ممّا قلّد فيها، فلا يجوز له الرجوع؛ و المباح، لاحتمال كونه ممّا لم يقلّد فيه، فيجوز له الرجوع؛ و قد عرفت أنّ‌


صفحه 303

بناءنا على لزوم الاحتراز من الشبهة المحصورة، فليقلّد في كلّ واحد من المسائل العشرة لهذا المجتهد.

الثالث: لو قلّد مجتهدا في جواز تقليد الميّت مثلا، و كان في البين مجتهدون متعدّدون، ثمّ مات أحدهم‌[1]، و حصل للمقلّد الاشتباه في أنّ المجتهد الذي قلّده هل هو الذي مات، أو أحد الباقين فما ذا يصنع؟

الحقّ: أنّه يجري استصحاب حياة مجتهده، و يبني على تقليده السابق.

فإن قلت: الشكّ في الحادث، فلا يجري الاستصحاب، للعلم بموت أحدهم.

قلت: مخالفة هذا العلم لا ضير فيه، لأنّه ليس بالنسبة إلى شخص واحد؛ نظير ما تقدّم منّا في واجدي المعنى في الثوب المشترك، و كذا فيمن حصل له القطع باصابة البول، إمّا بلباسه أو بالأرض؛ فإنّه يستصحب طهارة الثوب، مع أنّ الشكّ في الحادث؛ و كذا نستصحب حياة أصدقائنا الموجودين في البلاد البعيدة، مع القطع بموت جمع كثير في ذلك البلد، بل في كلّ يوم؛ و لا فرق في جريان هذا الاستصحاب، بين كون الشبهة محصورة أو غير محصورة.

أمّا الثاني، فكاستصحاب حياة الأصدقاء؛ و أمّا المحصورة، فشرط جريان الاستصحاب فيها كونها غير متعلّقة بشخص واحد، كما لو كان له أثواب متعدّدة، مع حصول القطع بطريان النجاسة على أحدها، فإنّه لا يجري فيه الاستصحاب.

و المورد الذي يكون الشكّ في الحادث مانعا من جريان الاستصحاب، هو المورد الذي يكون من هذا القبيل؛ و أمّا فيما لم يكن المحصورة متعلّقة لشخص واحد، كما لو حصل له القطع إمّا بنجاسة ثوبه أو ثوب أخيه، أو كان ابنه مسافرا في السفينة مثلا، و كان معه خمسة رجال، و حصل القطع بموت أحدهم؛ و كما في الثوب المشترك و نظائرها، فليس الشكّ في الحادث مانعا عن جريان الاستصحاب.

[1]- في الأصل: أحدهما.


صفحه 304

و المعيار فيه أنّ المخالفة القطعيّة إن كانت حاصلة بالنسبة إلى الشخص الواحد، لاستصحاب جميع الأفراد التي وقعت فيه الشبهة، فالشكّ في الحادث مانع، و إلّا فلا؛ و قد قدّمنا الكلام فيه في مسألة أصل البراءة، و كذا في مسألة الاستصحاب؛ فتذكّر، و ما نحن فيه من قبيل ما ليس الشكّ في الحادث مانعا من جريان الاستصحاب فيه، كما لا يخفى.

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرنا ليس منحصرا بفرض موت أحد المجتهدين، بل يجري الكلام طابق النعل بالنعل، فيما لو حصل العلم بفسق أحدهم، أو بتجديد رأيه، و أمثال ذلك، ممّا لا يجوز البقاء على التقليد معه.

الرابع: لو كان في البين مجتهدا مثلا، و حكم أحدهم بحلّيّة الزبيب مثلا و الآخر بحرمته؛ و حصل القطع للمقلّد بتقليد أحدهما، لكن لا يدري أنّه قلّد من يقول بالحلّيّة أو قلّد من يقول بالحرمة؟ فنقول: يحتمل أن يقال بالأخذ بالاحتياط، كأن يترك أكل الزبيب مثلا؛ و يمكن القول بالقرعة برجوع إلى تخيير البدوي؛ لكن لعدم لزوم الاحتياط، و بضعف العمومات الدالّة على القرعة، و عدم انجبارها فيما نحن فيه بعمل الأصحاب؛ يتعيّن القول بالتخيير، فيقلّد من يريد.

و لا فرق بين أن يكون المشتبه فيه مسألة واحدة، كما فيما ذكر؛ أو متعدّدة كما لو قلّد مجتهدا في خمسة مسائل مثلا، و قلّد الآخر في خمس أخرى؛ فاشتبه عليه، فإنّه حينئذ لا يدري في كلّ مسألة من المسائل العشرة، أنّه قلّد هذا أو ذاك.

الخامس: لو قلّد مجتهدا في مسائل كثيرة، ثمّ احتاج في واقعة إلى مسألة، فيشكّ في أنّه قلّده أيضا في تلك أم لا.

و الفرق بين هذا القسم و القسم الأوّل، أنّ في القسم الأوّل المسائل التي قلّد فيها معلومة و المشكوك فيه مشكوك بالشكّ القطعي، و المعلوم معلوم بالعلم التفصيلي؛ و في هذا القسم، المعلوم معلوم بالعلم الإجمالي؛ فهل يجوز له الرجوع فيها إلى غيره أم لا؟


صفحه 305

الحقّ: أنّ الشبهة إن كانت محصورة، كما لو كان المشكوك فيه في غيره معلومة بالعلم الإجمالي، فبقاعدة لزوم الاحتراز عن الشبهة المحصورة، لا يجوز له تقليده فيها لغيره، بل يقلّده؛ و هذه المسألة هي عين المسألة الثانية.

و إن كانت غير محصورة، فمقتضى القاعدة، و إن كانت عدم لزوم الاحتراز و جواز الرجوع، لكن نقول هنا: إنّ تقليد المجتهد الأوّل في المشكوك فيه، إن كان مؤدّيا إلى الحرج، كما لو كان المشكوك فيه مسائل كثيرة، فيجوز له تقليد الغير فيها؛ و إلّا كما لو كان مسألة أو مسألتين، فمقتضى قاعدة الاحتياط أن يقلّد المجتهد الأوّل.

و إنّما تخلّفنا عن مقتضى قاعدة الشبهة الغير المحصورة من عدم لزوم الاحتراز، لأنّ الدليل عليه إنّما هو لزوم العسر و الحرج، و لا ريب في أنّ تقليد المجتهد الأوّل في مسألة، مع إمكان وصول يده إليه، غير مستلزم العسر؛ فعدم لزوم الاحتراز عن الشبهة الغير المحصورة، دائر مدار لزوم العسر و عدمه، بمعنى أنّ الدليل الدالّ على لزوم الاحتراز، إنّما دلّ عليه مطلقا، سواء كان محصورة أو غير محصورة، لكن لزوم العسر و الحرج أخرج الغير المحصورة عن هذا الحكم، فالمدار عليه.


صفحه 306

المسألة السابعة: في أنّه هل يشترط في صحّة التقليد أخذ المسائل من المجتهد مشافهة، أم لا؟

مقتضى قاعدة الاشتغال فيما أمكن من المشافهة ذلك، و هو أوفق للاحتياط، لكنّه ليس بواجب، لوجوه تسعة:

الأوّل: أصل البراءة، لأنّ الشكّ في الشرطيّة.

الثاني: منطوق قوله تعالى‌فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِفإنّ المتبادر من السؤال عن أهل الذكر مشافهة، لكن فهم العرف في أمثال هذه الخطابات قاض بأنّ المطلوب هو تحصيل العلم، سواء حصل من السماع مشافهة، أو حصل من طريق آخر.

الثالث: مفهوم الآية الشريفة، فإنّ مفهومها أنّه لا يجب عليكم السؤال إن كنتم عالمين؛ فبعد حصول العلم من أيّ وجه كان، لا يجب عليهم السؤال، فهو المطلوب.

الرابع: إطلاق الأخبار الدالّة على لزوم تحصيل العلم، كقولهم(عليهم السلام)«تفقّهوا في الدين» و «طلب العلم فريضة» و أمثالها، ممّا لا يعدّ و لا يحصى.

الخامس: الإجماع المحقّق، بل لا خلاف يعرف.

السادس: الإجماعات المنقولة عن الذكرى، و غيرها.


صفحه 307

السابع: حكم القوّة العاقلة، بأنّه بعد ما حصل العلم بفتوى المجتهد، فالسؤال عنه مشافهة مستلزم للغويّة.

الثامن: بناء العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة، فإنّهم بعد ما حصل لهم العلم بقول أهل الخبرة، ليس بنائهم على السؤال منهم مشافهة.

التاسع: لزوم العسر و الحرج على المقلّدين، إن أوجبنا عليهم الأخذ من المجتهد مشافهة؛ مضافا إلى لزوم العسر و الحرج على المجتهد في بيان كلّ المسائل، لكلّ المقلّدين على هذا النحو.

فائدة: العسر و الحرج قد يلزم في النوع، فيرتفع به الحكم المستلزم لهما عنه، سواء حصل ذلك العسر لكلّ واحد من الاشخاص أم لا؛ مثلا كان في الحكم بلزوم الإتمام على المسافر مستلزما للحرج على النوع، فلذلك ارتفع الحكم عن النوع، و إن لم يكن في الإتمام حرجا على البعض؛ و قد يلزم في الشخص، و به يرتفع الحكم عنه؛ كما في التوضّي في الهواء البارد بالماء البارد، لمن يخاف الشين من استعمال الماء؛ فإنّه مسقط للزوم الوضوء عليه، و يقلب الحكم بالنسبة إليه بالتيمّم.

و تحقيق ارتفاع الحكم بالعسر و الحرج موقوف على بسط كامل، و ليس المحلّ محلّه، فلنعد إلى ما كنّا فيه، فنقول:

الضابط: أنّه إن حصل العلم للمقلّد بفتوى مجتهده، كما لو حصل بأخبار جماعة، أو من كتابه المعلوم أنّه من خطّه مثلا؛ بل لو حصل له العلم من الاسباب الغير المعتبرة، كالرمل و الجفر مثلا، فهو حجّة عليه، و يجوز له العمل به؛ لما تقرّر في مسألة التجزّي، من الأدلّة على حجّيّة العلم.

و إن حصّل الكتاب المنتسب إلى المجتهد، فلا يخلو إمّا يحصل العلم بأنّ اللفظ من المجتهد مع العلم بالمراد؛ و إمّا اللفظ ظنّي و لكن المراد قطعيّ، بمعنى أنّه يحصل له القطع، بأنّ مدلول هذا اللفظ الظنّي فتوى مجتهده؛ و إمّا المراد ظنّي و اللفظ قطعي؛ و إمّا كلاهما ظنّيان؛ و على الأوّل و الثاني فلا ريب في الحجّيّة، لما دلّ على حجّيّة العلم؛


صفحه 308

و على الثالث، فهل المدلول الظنّي المستفاد من اللفظ حجّة أم لا؟

الحقّ: الحجّيّة، للزوم العسر و الحرج لو لاها؛ مضافا إلى أنّ بناء العقلاء على ذلك.

و بعبارة أخرى: على الثالث يكون حكم الكتاب حكم المتواتر اللفظي، كما أنّ حكم الكتاب على الثاني حكم المتواتر المعنوي؛ بل ربما لا يحصل العلم من السماع عن المفتي مشافهة، فضلا عن حصوله عن كتابه؛ فلو كان حينئذ مكلّفا بتحصيل القطع بالمراد، لزم العسر و الحرج، بل التكليف بما لا يطاق؛ كما لا يخفى.

و أمّا على الشقّ الرابع، كما هو الغالب في أكثر الأزمنة، فالأقرب كفايته، أيضا للزوم العسر، إن قلنا باشتراط العلم باللفظ أو المراد أو كليهما.

و الحاصل: أنّ حال كتاب المفتي بالنسبة إلى المقلّد، كحال كتب الأخبار بالنسبة إلى المجتهد، فكما أنّ كتب الأخبار حجّة له، مع كونها ظنّيّة اللفظ، لاحتمال الغلط و السهو و نحوهما، و ظنّيّة المراد؛ كذلك كتاب المجتهد يجوز للمقلّد العمل به، و إن كان ظنّي اللفظ و المراد؛ هذا إذا استفاد الفتوى من الكتاب.

و أمّا إذا استفاد من السماع، كإخبار العدل بفتوى المجتهد، فهل له الكفاية بذلك أم لا؟

الحقّ: الكفاية في الجملة، للزوم العسر و الحرج أيضا، لو لاها.

و هل هو من باب الشهادة، حتّى يحتاج إلى إخبار عدلين، أو من باب الرواية، حتّى يكتفي بإخبار عدل واحد؟

الحقّ: أنّه من باب الرواية، لاستلزام القول بأنّه من باب الشهادة العسر و الحرج؛ فإنّ لزوم العسر على اشتراط إخبار عدلين في كلّ مسألة بيّن، خصوصا لأهل القرى و البوادي، مضافا على أنّا إن قلنا بتماميّة آية النبأ، و غيرها من الآيات الدالّة على حجّيّة خبر الواحد، فكلّها يؤيّد ما ذكرنا من كفاية إخبار العدل الواحد.

و هل يشترط حصول الظنّ بقوله، أم لا؟