بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 312

يوم مثلا؛ و الآخر ليس قدرته على الاستنباط بهذه المثابة، فعلى هذا الاحتمال، يكون الأوّل أعلم من الثاني.

و يمكن أن يكون المراد به من كان أكثر استنباطا من الآخر، كأن كان أحدهما مستنبطا لجميع أبواب الفقه مثلا، و الآخر لم يستنبط بعد إلّا بعض الأبواب؛ فالأوّل على هذا التقدير أعلم من الثاني.

و يمكن أن يكون المراد منه من كان أكثر ضبطا من الآخر، و أشدّ حفظا منه، كأن كان أحد المجتهدين، مع فرض تساويهما في القوّة و في الاستنباط، حافظا لاستنباطاته و متذكّرا لها لكثرة ضبطه، و الآخر لم يكن كذلك، بل كان في كلّ مسألة يسأل منه محتاجا إلى المراجعة إلى كتابه مثلا.

و لا ريب في أنّ القدر المتيقّن ممّن يصدق عليه الأعلم، من كان أشدّ قوّة و أكثر استنباطا و أكثر ضبطا؛ و أمّا في صورة الافتراق، كما لو كان أحدهما أشدّ قوّة و الآخر أكثر استنباطا، و هكذا؛ فهل المعيار في صدق الأعلم شدّة القوّة، أو غيرها؟

الحقّ: أنّ هذا اللفظ لمّا لم يثبت للشارع اصطلاح خاصّ فيه، فلا بدّ في فهم معناه من الرجوع إلى العرف؛ و نحن بعد ما راجعنا إليهم، وجدناهم يجعلون المناط في الأعلميّة شدّة القوّة، فلو كان في البين رجلان من أهل صنعة، و كانا متساويين في القوّة على هذه الصنعة، مع تصدّي أحدهما لفعليّة الصنعة مرارا دون الآخر، نجدهم أنّهم لا يقولون: إنّ هذا المتصدّي أعلم من الآخر الغير التصدّي؛ بخلاف ما لو كان أحدهما أشدّ قوّة و أحسن في هذه الصنعة مع عدم التصدّي، و كان الآخر أضعف قوّة و أخس صنعة مع التصدّي؛ فإنّهم يقولون: إنّ الأوّل أعلم من الثاني؛ و ذلك بيّن لمن راجع إلى العرف.

لا يقال: إنّ العالم حقيقة في العالم بالفعل، لتبادره منه؛ فليكن المراد بالأعلم من كان أكثر استنباطا، لأنّ أفعل التفضيل يدلّ على ثبوت الوصف المستفاد من اسم الفاعل مع زيادة.


صفحه 313

لأنّا نقول: العالم و نحوه، و إن كان حقيقة فيمن تلبّس بالمبدإ، و مجازا في ذي الملكة، لكن المراد في قولنا «فلان عالم النحو» أو «عالم الفقه» مثلا، هو العالم هو ذو الملكة، بمعنى أنّه صار اصطلاحا جديدا فيه، فإنّهم يقولون: فلان يعلم النحو، مع أنّ جميع المسائل ليست حاضرة عنده، بل يطلقون عليه هذا الاسم، مع كونه في حالة النوم و الإغماء، مع أنّه ليس له حينئذ إلّا الملكة.

ثمّ لا تستبعد أن يقال لأحد المجتهدين مع تساويهما في القوّة، و كونه أكثر استنباطا من الآخر، بمعنى أنّ الآخر لم يستنبط مسألة بعد أنّه أعلم؛ بملاحظة تبادر الفعليّة من الأعلم، لكنّه بعيد عن إطلاقات العرف، فإنّهم يقولون حينئذ إنّهما متساويان في العلم، إلّا أنّ أحدهما تصدّى للفعليّة دون الآخر.

و كيف ما كان، لا ريب في أنّ المناط في الأعلميّة هو شدّة القوّة فحسب، لكن يمكن أن يقال بعد ما كان المناط على هذا، فعنوان مسألة وجوب تقليد الأعلم و الاختلاف فيه غير مثمر، لأنّه لا يوجد في العالم من كان أشدّ قوّة في الفقه، و في جميع مقدّماته من النحو و الصرف و الأصول و الرجال و هكذا؛ بل يمكن دعوى القطع بأنّ مثل هذا الشخص لم يوجد من الغيبة الصغرى إلى زماننا هذا.

و الحاصل: أنّ الأعلميّة في الفقه، هي أن يكون الشخص أشدّ قوّة في جميع المقدّمات، لأنّ الفقه ليس أمرا خارجا من جميع المقدّمات، فإنّ بعض مسائله ممّا لا يتمّ إلّا بالقواعد الأصوليّة، و بعضها ممّا لا يتمّ إلّا بالقواعد الفقهيّة، و كذا لا يتمّ بعضها إلّا بالقواعد النحويّة، كما في متن الكتاب و السنّة مثلا، و بعضها ممّا لا يتمّ إلّا بعلم الرجال، كما فيما لو كان إتمام المسألة موقوفا على معرفة السند و تصحيحه، و هكذا.

و بعد ما كان الأعلميّة في الفقه متوقّفا على شدّة القوّة في المقدّمات، و لم يتحقّق شخص يكون كذلك، فأيّ ثمرة يترتّب على عنوان هذه المسألة إلّا على محض الفرض و التقدير؟ و يظهر ممّا ذكرنا أنّ القول بوجود الأعلم في الأموات أيضا، لا


صفحه 314

مساق له.

اللهمّ إلّا أن: يقال إنّ الذي يحتاج إليه المقلّد هو كلّ مسألة مسألة، و فرض كون أحد المجتهدين أعلم من الآخر فيها متحقّق؛ كأن يكون هذا المسألة متوقّفة على القواعد الأصوليّة، و يكون أحد المجتهدين أشدّ قوّة فيها من الآخر؛ أو تكون متوقّفة على القواعد الفقهيّة، و يكون أحدهما فيها أعلم من الآخر؛ فتظهر الثمرة بأنّا إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم، يجب على المقلّد تحرى الأعلم في المسائل الأصوليّة، في المسائل التي يتوقّف على القواعد الأصوليّة؛ و تحرى الأعلم في القواعد الفقهيّة، في المسائل التي يتوقّف عليها، و هكذا؛ و إلّا فلا.

و لا يخفى إن احتياجنا إلى هذا التطويل، إنّما هو إذا كان مختارنا في المسألة وجوب تقليد الأعلم، و إلّا فلا احتياج لنا إليه؛ كما لا يخفى.

ثمّ لا يخفى أنّ هذه المسألة، أي مسألة وجوب تقليد الأعلم و عدمه، إن حصل للمقلّد الاجتهاد فيها، فاختار الوجوب أو عدمها فيها؛ و إلّا فإذا بنى على التقليد فيها، فلا بدّ له من تقليد الأعلم فيها؛ لأنّا إن جوّزنا تقليد غير الأعلم فيها، يلزم الدور، لأنّ حجّيّة قول غير الأعلم له متوقّفة على جواز الرجوع إليه، و جواز الرجوع إليه متوقّف على حجّيّة قوله؛ و إن هذا إلّا دور بيّن، و لا يلزم ذلك إن قلّد الأعلم، لأنّ حجّيّة قوله محلّ الوفاق؛ فتأمّل جدّا، لأنّ جواز الرجوع إلى غير الأعلم في المسائل الفرعيّة، متوقّف على جواز الرجوع إليه في هذه المسألة الأصوليّة، لكن توقّف جواز الرجوع إليه في هذه المسألة، على جواز الرجوع إليه في المسائل الفرعيّة، محل تأمّل أيضا.

و بعد تمهيد المقدّمة، فنفرض الكلام في الفرد الأعلى، فإن أثبتنا عدم وجوب تقليد الأعلم فيه، فنلحق الأفراد الأخسّ منه له بالأولويّة القطعيّة، و إلّا فلا بدّ من التكلّم في جميع الأفراد؛ فنقول: لو كان في البين مجتهدان، أحدهما أشدّ قوّة و أكثر استنباطا و أكثر ضبطا، و الآخر لم يكن متّصفا بهذه الصفات، و كان العامي في بدو


صفحه 315

التقليد، فهل هو مخيّر في تقليد أيّهما شاء، أو يلزم عليه عينا أن يقلّد الأعلم؟

يمكن أن يقال: إنّه مخيّر؛ و يشهد عليه أوّلا الأصل، بيانه: أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربعة:

الأولى: أن يكون في البين- بعد صيرورة العامي مكلّفا- مجتهدان متساويان؛ و قبل اختياره تقليد أحدهما صار أحدهما أعلم؛ و في هذه الصورة الاستصحاب حاكم بعدم لزوم تقليد الأعلم عينا، لأنّه قبل صيرورة أحدهما أعلم، كان مخيّرا قطعا، و بعد الصيرورة و الشكّ في انقلاب الواجب التخييري إلى الواجب العيني، فالأصل بقاء التخيير.

الثانية: أن يكون في الصورة المفروضة، أحدهما أعلم من الآخر في بادئ الأمر؛ و في هذه الصورة، إن قلنا بأصالة الاشتغال، لا بدّ له من تقليد الأعلم، لحصول البراءة القطعيّة بتقليده؛ و إن قلنا بأصل البراءة، لكون الشكّ في شرطيّة الأعلميّة في صحّة التقليد.

و بعبارة الأخرى: لكون الأمر دائرا بين الكلّي و الفرد، فهو مخيّر؛ لكن لمّا كان بنائنا على جريان أصالة عدم الشرطيّة، فنحكم بالتخيير في هذه الصورة أيضا.

الثالثة: ما لو كان المجتهد واحدا و لم يقلّده، ثمّ صار الآخر مجتهدا و أعلم من الأوّل، و حينئذ لا يجري استصحاب وجوب تقليد الأوّل، للعلم بأنّ سبب وجوب تقليده عينا إنّما كان وحدته، و بعد حصول التعدّد ارتفع السبب قطعا؛ فلا مستصحب، لأنّ المستصحب إن كان الوجوب العيني، فقد زال بزوال سببه قطعا؛ مضافا إلى أنّ المستصحب إن كان باقيا، يلزم القول بلزوم تقليد غير الأعلم حينئذ عينا، لقضيّة الاستصحاب؛ مع أنّه مخالف للإجماع؛ و إن كان المستصحب هو الجواز الذي كان في ضمن الوجوب، فقد زال بانتفاء فصله؛ و إن كان جوازا غير هذا الجواز، فلم يثبت من أوّل الأمر.

الرابعة: ما لو صار في الصورة المفروضة، الآخر مجتهدا أدون من الأوّل، و فيها


صفحه 316

أيضا لا يجري الاستصحاب، و هو استصحاب وجوب تقليد المجتهد الذي هو أعلم، لأنّ لوجوب تقليده في صورة الانحصار، كانت جهة هي الوحدة؛ و تعيين هذه الجهة وجوب تقليده كان يقينيّا و قد زالت قطعا، و كون الأعلميّة سببا لتعيين تقليده مشكوكة من الأوّل، بل ما لم يتحقّق المجتهد الأدون لم يكن أعلم، لأنّ الأعلميّة من الأمور الإضافيّة، و يتوقّف وجودها على وجود المنتسبين.

نعم، في هاتين الصورتين أيضا، إن قلنا بقاعدة الاشتغال، فهي حاكمة بلزوم تقليد الأعلم فيها؛ لكن قد عرفت أنّ بنائنا في أمثال هذه المقامات، على جريان أصالة البراءة، لأصالة عدم الشرطيّة؛ و إن سلّمنا جريان قاعدة الاشتغال في هذه الصور الثلاث، فغاية الأمر أن نقول: لمّا لم يكن مفصّل بين هذه الصور بلزوم تقليد الأعلم في بعض، و عدم لزومه في بعض آخر، فنثبت التخيير في الصورة الأولى بالاستصحاب، و نتعدّى إلى سائر الصور بالإجماع المركّب.

و للخصم أن يقلّب الإجماع بإثبات لزوم تقليد الأعلم في الصور الثلاث الأخيرة، بقاعدة الاشتغال؛ و يتعدّى إلى الصورة الأولى، فيؤول الأمر إلى ملاحظة الضميمتين، و قد عرفت مرارا أنّ الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال.

و لا يخفى أنّ هذا الوجه في الحقيقة تأسيس الأصل، و قد تحقّق أنّ الأصل في المسألة مع القائلين بعدم وجوب تقليد الأعلم.

ثمّ قال الأستاذ: إنّ أصل البراءة الذي أجريناه في الصور الثلاثة غير جار؛ و أصل الاشتغال جار.

أمّا الأوّل، فلأنّ المسألة أصوليّة؛ و النزاع في أنّ قول غير الأعلم مع وجود الأعلم حجّة أم لا؛ و الحجّيّة من الأحكام الوضعيّة؛ و مجرى أصل البراءة إنّما هو فيما إذا كان الشكّ في التكليف؛ و بعد ما كان الشكّ فيما نحن فيه في الحكم الوضعي، فلا يجري.

و أمّا الثاني، فلأنّ أصل الاشتغال جار، سواء كان المسألة أصوليّة أو فرعيّة.


صفحه 317

أقول: و هذا الكلام كما ترى.

أمّا أوّلا، فلأنّه سلّمه اللّه أجرى أصل البراءة في أكثر المسائل المتقدّمة في هذا البحث، مع أنّ الكلام في الكلّ إنّما كان في الحجّيّة و عدمها.

و أمّا ثانيا، فلأنّه لا معنى للحجّيّة إلّا وجوب العمل، و هو من الأحكام الفرعيّة، فلا معنى لعدّها من الأحكام الوضعيّة.

سلّمنا، لكن لا يجري أصل البراءة في الأحكام الوضعيّة؛ كذلك لا يجري أصل الاشتغال فيها أيضا، لأنّ اقتضاء الاشتغال اليقيني الامتثال اليقيني، إنّما يتصوّر فيما كان من التكليفيّات، لأنّ الامتثال هو الإتيان بالشي‌ء على مقتضى الأمر مثلا، و حيث لا تكليف فاشتغال الذمّة به غير متصوّرة، حتّى يقتضي القطع بالامتثال.

و كيف ما كان، هذا كلام لا محصّل له.

و ثانيا البرهان العقلي، بيانه: أنّه فيما لو كان ظنّ المقلّد في جانب المفضول، فالإجماع الذي يدّعيه الخصم على وجوب تقليد الأعلم، لا يشمل هذه الصورة، لأنّ مدركه- على ما ذكره- أنّ الظنّ في جانب الأعلم، فلا بدّ من تقليده؛ و من البيّن أنّ هذا الإجماع لا يشمل الصورة المفروضة؛ فنقول فيها: لو خيّرناه بين تقليد الفاضل و المفضول، يلزم التسوية بين الراجح و المرجوح؛ و لو التزمناه بتقليد الأعلم، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح؛ فإنّ العمل بما ظنّ أقربيّته للواقع، ممّا يحكم القوّة العاقلة برجحانه على العمل، بما ليس كذلك.

و بعد ما ثبت في صورة وجوب تقليد المفضول، نتعدّى إلى غيرها من الصور بالإجماع المركّب، فإنّه لا فاضل من هذه الجهة؛ غاية الأمر أن نثبت لزوم تقليد الأعلم، فيما لو كان الظنّ في جانبه، و نتعدّى بالإجماع المركّب؛ لكن نقول: تعارض الإجماعان و تساقطا، فنرجع إلى الأصل، و هو التخيير.

فإن قلت: الإجماع الثاني محكوم بالتقديم، لكون ذهاب المعظم مرجّحا له، فإنّ المشهور قد ذهبوا إلى وجوب تقليد الأعلم، بل حكي عليه الإجماع، كما يظهر من‌


صفحه 318

«المعالم» و من بعض.

قلت: هذه الشهرة لفساد مدركها، لا يورث الظنّ، فلا يكون مرجّحا.

سلّمنا، لكن الظنّ المستفاد منها نوعيّ؛ و الظنّ المستفاد من قول المفضول، في الصورة المفروضة، شخصيّ، و الشخص وارد على الظنّ النوعي.

أقول: و هذا الدليل ممّا يضحك عليه الثكلى.

أمّا أوّلا: فلأنّ هذا الفرض نادر في غاية الندرة؛ و لا يصحّ فرض صورة لا مورد لها، و التعدّي إلى غيرها من الصور الغالبة؛ فإنّ الأحكام الشرعيّة واردة مورد الغالب.

و أمّا ثانيا: فسلّمنا ذلك، لكن لزوم تقليد المفضول في هذه الصورة، إنّما هو على سبيل العينيّة لا التخيير؛ و التعدّي من هذه الصورة إلى سائر الصور، لا بدّ و أن يكون في هذا الحكم، لا في الحكم الآخر الذي هو التخيير؛ و ذلك مستلزم للقول بوجوب تقليد المفضول عينا، و لو كان الظنّ في جانب الأعلم، و ذلك باطل بالإجماع، لانحصار قول المتخاصمين في أنّ تقليد الأعلم واجب عيني، أو أحد فردي الواجب المخيّر.

سلّمنا، لكن عدم صلاحيّة الشهرة لكونها مرجّحا، لعدم حصول الوصف منها، مع تسليم عدم حصول الوصف منها، باطل جدّا؛ لأنّه لا يشترط في المرجّح أن يكون من الأسباب المعتبرة في الشرع، بل يكفي فيه على زعم الأستاد أيضا، صيرورة أحد الطرفين أرجح من الآخر في الجملة، و لو كان ذلك المرجّح قياسا مثلا، أو كان قول ثالث موافقا لأحد القولين المتعارضين.

سلّمنا، لكن كان الغرض من إيراد الشهرة، كونها مرجّحا لأحد المتعارضين، و هما الإجماعان؛ لا المعارضة بها مع الظنّ الحاصل من قول المفضول في هذا الفرض، حتّى يقال: إنّ الظنّ الحاصل من الشهرة نوعي، و الظنّ الآخر شخصي، و إلّا فللخصم أن يقول: إنّ هذا الظنّ النوعي معاضد بالظنّ الشخصي، الحاصل من قول‌


صفحه 319

الأعلم في سائر الصور، فهو حاكم على الظنّ الأوّل.

و كيف ما كان، فوجه هذا الدليل و تقريره غير واضح بعد.

و ثالثا: بأنّه يجوز الترافع و التحاكم إلى غير الأعلم مع وجوده، للزوم العسر و الحرج لو لاه؛ و بعد ما جاز الترافع إليه، فيجوز الاستفتاء منه بالأولويّة القطعيّة، فإنّ مرتبة الحكم أعلى من مرتبة الفتوى.

أقول: كون مرتبته أعلى من مرتبتها، لا يقتضي أولويّة ثبوت حكم اقتضاه الدليل، و هو العسر و الحرج في موضع لموضع آخر لا يجري هذا الدليل فيه؛ فتأمّل.

و رابعا: إنّ تشخيص الأعلم على العامي مستلزم للعسر و الحرج الشديد. فإنّا قد قلنا في المقدّمة: إنّ الأعلم من جميع الجهات غير موجود في المجتهدين، و إنّ المراد بالأعلم هو الأعلم في كلّ مسألة يحتاج إليه المقلّد، و ذلك قد كان مختلفا، فإنّ الأصولي أعلم في المسائل الفرعيّة المرتبطة بالأصول، و الفقيه أعلم في المسائل الفرعيّة المرتبطة بالقواعد الفقهيّة؛ فلو كان تقليد الأعلم لازما، لكان اللازم عليه أنّ يشخّص أوّلا، أنّ أيّا من المسائل مرتبطة بالأصول و أيّها مرتبطة بالقواعد الفقهيّة، ثم يشخّص أنّ أيّا من المجتهدين الموجودين في العالم أعلم في هذه المسألة من الآخر، فيقلّده؛ و استلزام ذلك العسر واضح، فإنّه من أيّ موضع يحصّل أهل الخبرة في كلّ مسألة، حتّى يسأل منهم أنّ هذه المسألة مرتبطة بأيّ علم، و أنّ أيّ المجتهدين أعلم فيها؟

و خامسا: أنّ ذلك مستلزم للعسر و الحرج على المجتهد الأعلم، كما لا يخفى؛ فتأمّل.

و سادسا: أنّ بناء العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة في أيّ أمر كان إلى الرجوع، إلى من كان من أهل الخبرة كائنا ما كان، من غير ملاحظة أنّ الرجل الفلاني أعلم، فلا بدّ من الرجوع إليه.

أقول: هذا من مسامحاتهم، و لا يثبت به حكم شرعي، و إلّا فلم لا يجدون من نفسهم عند مرضهم أن يستطبون من الطبيب الغير الأعلم؟ و كذا لو أمر المولى عبده‌