الباب الأوّل: في الاجتهاد و فيه مقدّمة و مسائل[1].
المقدّمة: فيها مطالب.
المطلب الأوّل: في بيان معنى الاجتهاد لغة و عرفا.
أمّا لغة،
فهو مأخوذ إمّا من الجهد بالضمّ، بمعنى الوسع و الطاقة؛ و إمّا من الجهد بالفتح، بمعنى المشقّة.
قال الفيروزآبادي: الجهد الطاقة و تضمّ و المشقّة.
و الظاهر من كلامه أنّ الجهد إذا كان بمعنى المشقّة يفتح، و أمّا إذا كان بمعنى الطاقة قد يفتح و قد يضمّ؛ فإن كان الاجتهاد مأخوذا من الجهد بالضمّ، فمعناه بذل الوسع و
[1]- في الأصل: مباحث.
الطاقة؛ و إن كان مأخوذا من الجهد بالفتح، فمعناه تحمّل المشقّة.
قال: جهد كمنع، جدّ كاجتهد، و دابته بلغ جهدها.
و هل الاجتهاد مشترك لفظي بين المعنيين، أم لا؟ و تحقيق ذلك يحتاج إلى رسم مقدّمة، و هي أنّ الألفاظ إمّا اسم عين، كرجل و فرس، و نظائرهما؛ أو اسم معنى، كالضرب و المنع و النصر.
أمّا الأوّل، كرجل مثلا، فله مادّة هي «ر ج ل» و هيئة هي فتح الأوّل و ضمّ الثاني، و لا يفيد كلّ واحدة منهما مع قطع النظر عن الأخرى معنى؛ بل المستفاد منه معنى ذات ثبت له الرجوليّة، هو المركّب من الهيئة و المادّة؛ فلفظ «رجل» مع قطع النظر عن التنوين، موضوع لمعنى شخصي؛ و كلّ واحد من التنوين و الألف و النون و الواو و النون، موضوع بوضع نوعي لمعنى؛ مثلا التنوين موضوعة لإفادة الفرد ممّا لحقته، و الألف و اللام موضوعة للإشارة إلى مدخولها، و هكذا.
فرجل مادّة لرجل مع التنوين، و للرجل مع اللام، و لرجلان مع الألف و النون؛ و لكلّ من الهيئات الثلاثة وضع نوعي يفيد ما وضعت له، سواء لحقت لرجل أو لفرس؛ فعلى هذا، لو كانت المواد مائة، يحتاج إلى مائة و ثلاثة أوضاع؛ مائة منها شخصيّة للمواد، و ثلاثة منهما نوعيّ للهيئات.
و إنّما قلنا بذلك، لدفع لزوم كثرة تعدّد الوضع الصحيح صدورها من الواضع الحكيم؛ فإنّا لو لم نقل بذلك، يلزم في مائة مادّة ثلاثمائة أوضاع؛ كما لا يخفى.
و ربما يستدلّ على أنّ الوضع على ما قلنا بالأصل، تقريره: إنّا نفهم من هذه المواد مع الملحقات ثلاثمائة معنى، و لو كان كلّ مادّة مع كلّ ملحق موضوعا يوضع بوضع شخصيّ، يلزم زيادة مائة و سبعة و تسعين وضعا، و الأصل عدمها.
و أمّا الثاني كالضرب مثلا، فله أيضا مادّة هو «ض ر ب» و هيئة هي فتح الأوّل و سكون الثاني؛ و نرى أنّ إفادة الهيئة لصدور ما ورد الهيئة عليه، مشترك بين الضرب و القتل و النصر؛ و مع ذلك نرى أنّ كلّ واحد من الألفاظ الثلاثة يفيد
صدور معنى خاص، لا يفيده اللفظ الآخر.
فعلمنا من ذلك، أنّ للهيئة وضع نوعيّ يوجد في كلّ ما وردت الهيئة عليه، من اسم المعنى؛ و للمادّة وضع شخصي يمتاز به الضرب من القتل مثلا، و نرى أنّ المشتقّات يوجد فيها معنى مادّة المصدر، لا معنى هيئته.
فعلمنا أنّ المصدر كسائر المشتقّات مأخوذ من المادّة، فمادّة «ض ر ب» هيولى أولى لجميع المشتقّات منها، و لا وجود لها، و لا يمكن التعبير عنها إلّا بورود هيئته عليها، كما في هيولى الأجسام؛ فإنّها لا يوجد إلّا بعد وجود الصورة؛ و ذلك التحقيق بيّن لمن كان له قلب أو القى السمع و هو شهيد؛ و لا ينكره إلّا حمار لم يجز في مضمار الفهم أبدا.
و على ما ذكرنا في القسمين، علم أنّ للضرب و لصيغ الماضي منه نحتاج إلى وضع شخصيّ للمادّة الموجودة في الصيغ الخمسة عشر، و وضع نوعي لهيئة المصدر الموجودة في الضرب و القتل، و وضع نوعي لهيئة الماضي، و هي فتح الأوّل و فتح الثاني، الموجودة في ضرب ضربا إلى ضربت ضربنا، و في نصر نصرا إلى آخر، و هكذا؛ و لكلّ من الملحقات المفيدة للتذكير و التأنيث و الإفراد و التثنية و الجمع و الغيبة و التكلّم و الخطاب، إلى وضع نوعيّ بحسبها.
إذا تمهّد تلك المقدّمة، تبيّن أنّ مادّة الجهد بالضمّ و الجهد بالفتح مشترك لفظيّ، لإفادتها مادّة الوسع و الطاقة إذا عرض لها هيئة الجهد بالضمّ، و إفادتها مادّة المشقّة إذا عرض لها هيئة الجهد بالفتح؛ و أمّا هيئة كلّ واحد منهما، فمباين لهيئة الآخر.
و أمّا الاجتهاد، فإن قلنا: إنّه مأخوذ من مادّة الجهد و الجهد و هي «ج ه- د»، فهو مشترك لفظيّ مادّة و متّحد المعنى هيئة؛ فإنّ هيئة الافتعال ليست مشتركا لفظيّا بين شيئين.
و إن قلنا: إنّه مأخوذ من لفظ الجهد أو الجهد، فليس بمشترك لا مادّة و لا هيئة.
أمّا الأوّل، فلأنّه إن كان مأخوذا من مضموم الفاء، فمعناه استفراغ الوسع و بذله
فقط؛ و إن كان مأخوذا من مفتوحها، فمعناه تحمّل المشقّة فقط؛ فعلى كلا التقديرين، يكون مادّة الاجتهاد متّحد المعنى.
و أمّا الثاني، فلأنّ هيئة الافتعال لم يوضع لمعنيين، حتّى يكون مشتركا لفظيّا بينهما.
هذا معناه بحسب اللغة.
و أمّا عرفا،
فقد عرّفوه بعضهم بأنّه استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي؛ و بعض آخر بأنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي فعلا أو قوّة قريبة منه؛ و يسمّى التعريف الأوّل بالحالي و الثاني بالملكي.
و على التعريف الأوّل، هل هو منقول من الاجتهاد المأخوذ من الجهد بالضمّ؟
فيكون من قبيل نقل العام إلى الخاصّ؛ فإنّ الاجتهاد المأخوذ منه لغة بمعنى مطلق استفراغ الوسع، و عرفا الاستفراغ المخصوص.
أم هو منقول من الاجتهاد المأخوذ من الجهد بالفتح؟ فيكون من قبيل نقل اللفظ الموضوع اللازم إلى الملزوم؛ فإنّ لازم استفراغ الوسع المخصوص تحمّل المشقّة و التعب.
يحتمل أن يكون منقولا من هذا و أن يكون منقولا من ذاك، لكن لمّا كان الغالب في النقل النقل من العامّ إلى الخاصّ، لا من اللازم إلى الملزوم، فالظاهر أنّه منقول من المأخوذ من الجهد بالضمّ، و المناسبة الملحوظة في النقل واضحة على كلا التقديرين.
و على التعريف الثاني، إن كان منقولا من المأخوذ من المضموم، فاستعماله أوّلا في ملكة الاستفراغ مجاز بعلاقة السببيّة و المسبّبيّة، بمعنى أنّ الاجتهاد نقل من معناه اللغوي إلى المعنى العرفي و صار حقيقة فيه، ثمّ استعمل في الملكة؛ و من البيّن أنّ الاستفراغ سبب لملكته هذا.
و لكن يبقى كلام في أنّ الملكة المعرّف بها الاجتهاد، ليس المراد بها الكيفيّة الراسخة الحاصلة من كثرة العمل، و إلّا لزم أن لا يكون المجتهد في جميع أبواب الفقه
مرّة أو مرّتين، على التعريف الملكي، مجتهدا؛ و ذلك بيّن الفساد، بل المراد بها القوّة؛ و على هذا، علاقة السببيّة غير ظاهرة، إلّا أن يقال: إنّ استفراغ الوسع في مقدّمات الفقه، سبب لتحصيل ملكة الاقتدار على استنباط الحكم الشرعي؛ و هو كما ترى، فإنّ الاجتهاد في المقدّمات لم ينقل إلى الملكة؛ و لعلّه سيأتي زيادة تحقيق.
و إن كان منقولا من المأخوذ من المفتوح، فاستعماله أوّلا في الملكة مجاز بعلاقة اللازم و الملزوم، فإنّ ملكة الاقتدار ملزوم لتحمّل المشقّة.
و كيف ما كان، فهل الوضع للمعنى المنقول إليه تعيينيّ أو تعيّني؟
الظاهر أنّه تعيّنيّ، لأصالة تأخّر الحادث و للغلبة، فإنّ الغالب في النقل أن يكون تعيّنيّا.
المطلب الثاني: في أنّ المعرّفين للاجتهاد بالملكة، كلامهم يحتمل احتمالات
أربعة:
الأوّل: أن يكون المراد بالملكة مطلق الملكة؛ سواء كانت عامّة، أي في جميع أبواب الفقه أو خاصّة، أي في بعضها؛ و سواء كانت موجودة في الخارج أو معدومة، كالمتجزي على القول باستحالتها، فإنّ له ملكة البعض ذهنا لا خارجا على هذا التقدير؛ و سواء كانت صحيحة أو فاسدة؛ كالمتجزّي أيضا، على القول بوقوعه و عدم اعتباره؛ و على هذا الاحتمال يكون الاجتهاد حقيقة، و التسمية بالمجتهد حقيقة في المجتهد المطلق و المتجزي؛ سواء قلنا باستحالة التجزّي، أو بوجوده و فساده و عدم جواز العمل بما استنبطه، أو بوجوده و صحّته.
الثاني: أن يكون المراد بالملكة الملكة المطلقة العامّة؛ و على هذا يكون المجتهد حقيقة في المجتهد المطلق فقط، و لا يصدق على المتجزّي باحتمالاته.
الثالث: أن يكون المراد بها مطلق الملكة بشرط الوجود؛ و على هذا إن قلنا بوجود المتجزّي في الخارج، يكون أحد فردي المجتهد، سواء كان معتبرا أم لا؛ و إن قلنا باستحالته، يكون المجتهد كلّيّا منحصرا في الفرد، و هو ذو الملكة العامّة؛ فالكلام حينئذ ليس في صدق المجتهد على المتجزّي، بل الكلام في وجوده و عدمه؛ فالنزاع
على هذا التقدير يصير صغرويّا.
الرابع: أن يكون المراد بها الملكة الموجودة الصحيحة؛ و على هذا لا يصدق على المتجزّي إن قلنا باستحالته بقيد الموجودة، و كذا لا يصدق عليه إن قلنا بوجوده و عدم صحته بقيد الصحيحة.
نعم، إن قلنا بوجوده و صحّته، يكون أيضا أحد فردي المجتهد؛ فالنزاع حينئذ في أنّ المتجزّي موجود أم لا؛ و على فرض وجوده؛ هل يجوز له العمل بمقتضى ما استنبطه، أم يجب عليه التقليد كالعامي البحت؟ و على فرض إثبات المقدّمتين، لا يبقى كلام في صدق المجتهد عليه حقيقة، كما لا نزاع في صدقه على ذي الملكة العامّة حقيقة.
و بعد ما عرفت الاحتمالات الأربعة، فهل مرادهم من ملكة الاستنباط، أيّ هذه الاحتمالات؟ يظهر من بعضهم أنّ المراد بالملكة في تعريف الاجتهاد هو الملكة العامّة، فالمجتهد حقيقة في المجتهد المطلق و مجاز في المتجزّي، و يمكن الاستدلال من قبله بوجهين.
الأوّل: الغلبة، بيانها أنّ الاجتهاد يستعمل غالبا في الملكة العامّة، و كذا يستعمل في الملكة في البعض، و لكن نادرا، و كذا يستعمل في مطلق الملكة المشترك بين ملكة الكلّ و البعض، مع كون هذا الاستعمال لا بقدر معتدّ به.
و الغالب في اللفظ الذي هذا حاله أن يكون حقيقة فيما استعمل فيه غالبا، كما في الأمر، فأنّه مستعمل في الوجوب في قولنا «صلّ للظهر» و «اغسل للجنابة» مثلا، و في الندب في قولنا «اغسل للجمعة»، و في مطلق الطلب في قولنا «اغسل للجنابة و الجمعة»، و استعماله في الوجوب أغلب من غيره؛ و القوم يحكمون بكونه حقيقة فيه، و كذا في النهي، فإنّهم يحكمون بكونه حقيقة في التحريم، مع استعماله في مطلق طلب الترك و الكراهيّة؛ فليكن الاجتهاد حقيقة في ملكة الكلّ، لأنّ الظنّ يلحق الشىء بالأعمّ الأغلب.
أقول: هذه القاعدة مقرّرة عند الأستاد، و لكن يمكن أن يقال كون الأمر حقيقة في الوجوب و النهي في التحريم ممنوع، غاية الأمر أنّ اللفظ مستعمل في المعاني الثلاثة، و لا يصحّ أن يكون مجازا، فيها للزوم المجاز بلا حقيقة.
و كذا لا يصحّ أن يكون حقيقة في كلّ واحد منها، للزوم الاشتراك المخالف للأصل؛ فالأمر دائر بين أن يكون موضوعا للفرد الغالب و يكون استعماله في القدر المشترك، و الفرد الغير الغالب كليهما مجاز، أو أن يكون موضوعا للقدر المشترك و يكون استعماله في كلا الفردين حقيقة، من قبيل إطلاق الكلّي على الفرد، و يكون إفادة الخصوصيّة من الخارج، و إذا دار الأمر بين طريقين يلزم على أحدهما مجازان و لا يلزم على الآخر مجاز أصلا، فمن البيّن أنّ الطريق الثاني أرجح، كما يقولون بذلك في مسألة الصحيحي و الأعمّي.
و يمكن الجواب عن هذا الإيراد بأنّ هذا الكلام إنّما يتمّ فيما إذا شكّ في أنّ الاستعمال في الفردين، هل هو من باب إطلاق الكلّي على الفرد، أم من باب استعمال الكلّي في الفرد؟ بحيث يكون الدالّ واحدا و المدلول متعدّدا؛ مع كون الاستعمال في القدر المشترك بقدر معتدّ به؛ و المفروض في القاعدة العلم بأنّ اللفظ مستعمل في الفرد، بحيث استفيد الخصوصيّة من اللفظ لا من الخارج، مع أنّ الاستعمال في القدر المشترك ليس بقدر معتدّ به بعد ما كان المفروض ذلك، فالإيراد مندفع.
و يرد عليه أنّ اشتراط كون اللفظ حقيقة في القدر المشترك، بكون الاستعمال فيه بقدر معتدّ به، ممنوع.
و الجواب عن الغلبة بوجوه:
الأوّل: أنّ غلبة استعمال الاجتهاد في الملكة العامّة ممنوعة، بل الغالب إطلاقه عليها- كما في المطلقات- بالنسبة إلى الفرد الغالب منها استعمالا، و كما لا يمكن أن يقال: إنّ المطلق كالإنسان مثلا، حقيقة في فرده الغالب فقط، و هو ذو رأس واحد، و مجاز في ذي رأسين، و في القدر المشترك عنها كذلك؛ لا يمكن أن يقال: إنّ الاجتهاد
حقيقة في الملكة العامّة فقط.
الثاني: سلّمنا أنّ غلبة الإطلاق غير معلومة، و لكن نقول: كما أنّ هذه الغلبة غير معلومة، كذلك غلبة الاستعمال أيضا غير معلومة.
و بعبارة أخرى: نحن عالمون بوجود غلبة في البين، لكن لا ندري أنّها غلبة الاستعمال أو غلبة الإطلاق، و بعد صيرورة الغلبة مجملة ترتفع يداك عن التمسّك بالقاعدة، لأنّ المفروض فيها كون غلبة الاستعمال في أحد الفردين معلومة.
و بعبارة أخرى: لا يجري الاستقراء، لكون المشكوك فيه من غير أفراد المستقرّ فيه.
أقول: إذا دار الأمر بين أن يكون الغلبة غلبة الاستعمال أو غلبة الإطلاق، فالأصل أن يكون الغلبة غلبة الاستعمال، و ذلك لأنّ الاستعمال في الفرد يستدعي دالّا واحدا و مدلولين، و الإطلاق على الفرد يستدعي دالّين- أحدهما اللفظ و الثاني الأمر الخارج- و مدلولين.
و الدالّ الواحد الذي هو اللفظ متيقّن الوجود، و الدالّ الذي هو الأمر الخارج، لا ندري أنّه موجود حتّى يكون الغلبة غلبة الإطلاق، أو مفقود حتّى يكون الغلبة غلبة الإطلاق؛ و الأصل فيما شكّ في وجوده و عدمه العدم، فالغلبة غلبة الاستعمال؛ و بعد ما كان الغلبة غلبة الاستعمال، فاللفظ المستعمل في الكلّي و الفردين، و كان الغالب استعماله في أحد الفردين، حقيقة فيه.
و يمكن الجواب بأنّ أصالة غلبة الاستعمال معارضة بأصالة غلبة الإطلاق، و إذا تعارض الأصلان تساقطا؛ أمّا الأصل الأوّل، فقد عرفت تقريره، و أمّا الأصل الثاني، فلأنّه لو قلنا بغلبة الإطلاق لا يلزم مجاز في الإطلاقات الثلاثة، كما عرفت سابقا؛ و لو قلنا بغلبة الاستعمال، يلزم أن يكون اللفظ مجازا في الكلّي و في الفرد الغير الغالب، و المجاز خلاف الأصل، لأنّ استعمال اللفظ في غير ما وضع له حادث مشكوك الحدوث، و الأصل عدمه؛ فتأمّل.