التبادر كونه وضعيّا، إنّما هو فيما كان في المقام تبادر واحد فقط، أو شككنا في وحدته و تعدّده، بمعنى أنّا وجدنا تبادرا و شككنا في وجود تبادر آخر، و أمّا نحن فيه ففيه تبادران، أحدهما تبادر القدر المشترك إذا خلّي الاجتهاد و طبعه، و قطعنا النظر عن غلبة الوجود و الاستعمال، و الثاني تبادر الملكة العامّة.
و التبادر الأوّل متأخّر في الوجود عن الثاني، بمعنى أنّ الشخص بعد استماعه الاجتهاد يتبادر له منه أوّلا الملكة العامّة، و بعد التخلية و التأمّل يتبادر منه القدر المشترك، كما في اللحم مثلا، فإنّه إذا استمع أنّ رجلا قال أكلت اللحم أو خذ اللحم أو انظر إلى اللحم مثلا، يتبادر أوّلا لحم الغنم مثلا، لغلبة وجوده، و بعد التأمّل يتبادر القدر المشترك بين لحم الغنم و غيره.
و بعد ما كان المتبادر شيئين، أحدهما في بدو النظر و الثاني بعد التخلية، فلا يخلو إمّا أن يكون التبادران وضعيّين، أو إطلاقيّين، أو أحدهما وضعيّ و الآخر إطلاقيّ، لا سبيل إلى الأوّل للزومه الاشتراك، و لا إلى الثاني لغاية استبعاده جدّا، فإنّهم جعلوا التبادر من أمارات الوضع، و مع ذلك يوجد في مادّة واحدة تبادران، و لا يكون واحدا منهما معلولا للوضع، فلا بدّ من المصير إلى الثالث، و الأمر فيه دائر بين أن يكون تبادر مطلق الملكة وضعيّا و تبادر الملكة العامّة إطلاقيّا أو بالعكس.
و لكن نقول: إنّ التبادر لا يخلو إمّا ينشأ من حاق اللفظ، أو ينشأ من الغلبة، و لمّا كان تبادر مطلق الملكة من حاق لفظ الاجتهاد، و كان الغلبة في جانبه مفقودة، فليكن تبادره وضعيّا و التبادر الآخر إطلاقيّا.
و ثانيا: سلّمنا عدم تبادر القدر المشترك، و أنّ الأصل في تبادر الملكة العامّة كونه وضعيّا، و لكن هذا التبادر معارض بعدم صحّة السلب عن ملكة البعض، و عدم صحّة السلب وارد على التبادر، فليكن التبادر إطلاقيّا، و لا يخفى أنّ تسليم عدم التبادر من باب المماشاة للتسجيل لا لكونه مخدوشا؛ فلا تغفل.
فإن قلت: كما يحتمل أن يكون التبادر إطلاقيّا، كذلك يحتمل أن يكون عدم
صحّة السلب إطلاقيّا، و كما أنّ الأصل في الثاني أن يكون وضعيّا، كذلك الأصل في الأوّل، فلم تبقى الثاني بأصله و تأوّل الأوّل و لا يحكم بالعكس.
قلت: تخلّف الأوّل عن الوضع بالنسبة إلى الثاني أكثر 7 و لذا جعلوا عدم صحّة السلب معيارا في الامتياز، إذا شكّ في أنّ التبادر وضعيّ أو إطلاقيّ لا بالعكس، فالظنّ الحاصل من عدم صحّة السلب أقوى من الظنّ الحاصل من التبادر، و الظنّ الأضعف أولى بالتأويل من الظنّ الأقوى.
و ثالثا: سلّمنا تساوي الأمارتين و تساقطهما، فلا يبقى للمستدلّ دليل على مرامه.
أقول: و يرد أيضا على هذا المستدلّ القائل بكون الاجتهاد حقيقة في الملكة العامّة و مجازا في الملكة البعض، أنّ العلاقة المعتبرة فيما بين المعنى الحقيقي و المجازي أيّ شيء في ما نحن فيه؟
و الظاهر أنّ لا علاقة بينهما، إلّا أن يقال: إنّ العلاقة علاقة الكلّ و الجزء، فإنّ ملكة البعض جزء من ملكة الكلّ و هو فاسد، لأنّ الملكة الأولى ليست جزء من الملكة الثانية، بل متعلّق إحدى الملكتين جزء من متعلّق الأخرى، و الذي هو جزء للملكة هو بعض الملكة، كأن يعلم النحو و الصرف مثلا، لا الأصول مثلا، لا كلّ الملكة.
سلّمنا أنّ العلاقة علاقة الكلّ و الجزء، لكن يشترط في استعمال لفظ الكلّ في الجزء أن يكون التركّب حقيقيّا خارجيّا، كما في استعمال الإصبع في الأنملة، و التركّب فيما نحن فيه- على فرض تسليمه- ليس خارجيّا.
و الحقّ: أنّ المراد بالملكة في التعريف مطلق الملكة، فيكون المجتهد حقيقة في المطلق و المتجزّي كليهما، و يشهد عليه بوجوه:
الأوّل: صحّة تقسيم المجتهد إلى المطلق و المتجزّي، و الغالب في ما يصحّ تقسيمه إلى شيئين كونه حقيقة في القدر المشترك بينهما، فالظنّ يلحق بالمشكوك بالغالب.
الثاني: أنّهم يقولون في شرائط الاجتهاد لا بدّ في المجتهد المطلق من شرائط تسعة مثلا، و لو كان حقيقة في المطلق فقط لما احتاجوا إلى هذا القيد.
فإن قلت: القيد للتوضيح.
قلت: الغالب أن يكون احترازيّا.
و بعبارة أخرى: حمل الكلام على التأسيس لغلبته خير من التأكيد.
الثالث: أنّهم يقولون: هل يجوز التجزّي في الاجتهاد أم لا؟ فلو كان حقيقة في الملكة العامّة، لكان معنى هذا الكلام: هل يجوز التجزّي في الملكة العامّة؟ و ما هو إلّا تناقض، فالظاهر منه أنّه حقيقة في القدر المشترك، بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة، و في هذا الوجه تأمّل، لأنّ أصالة هذا الأصل إنّما هي إذا كان الشكّ في المراد، و كان المعنى الموضوع له معلوما، و فيما نحن فيه الموضوع له مشكوك لا إرادته.
الرابع: التبادر على ما قرّر.
الخامس: عدم صحّة السلب، و قد أشرنا سابقا إلى أنّ التسليم عدم التبادر، و تسليم تساقط عدم صحّة السلب إنّما صدر منّا لتوفّر الأدلّة و تكثيرها، و إلّا فكلّ واحد منهما دليل لا يمكن الخدشة فيه.
السادس: عدم تنافر قولنا «يجوز التجزّي في الاجتهاد» و لو كان مجازا في المتجزّي، لكان هذا القول منافرا، و عدم التنافر علامة الحقيقة، كما أنّ التنافر علامة للمجاز.
أقول: فظهر أنّ الكلام في احتمالين من الاحتمالات الأربعة التي يحتمل أن يكون كلّ واحد منهما مرادا من الملكة، فأيّ فائدة لذكر الاحتمالين الآخرين؟ إلّا أن يقال:
إنّ الغرض من الذكر تشحيذ الذهن، كما أنّ الغرض ذلك في أكثر الاحتمالات في أكثر مباحث الأصول.
[المطلب الثالث في المراد من الحكم الذي يسمّى ملكة اقتدار استنباطه اجتهادا]
المطلب الثالث: أنّ الحكم الذي يسمّى ملكة اقتدار استنباطه اجتهادا، يحتمل أن
يكون المراد به الحكم الشرعي الفرعي، فيكون الاجتهاد حقيقة في ملكة اقتدار استنباط الحكم الشرعي الفرعي فقط و مجازا في غيرها.
و يحتمل أن يكون المراد به الحكم الشرعي العملي، أي كان متعلّقا بالعمل؛ سواء كان التعلّق بلا واسطة، كأكثر الأحكام الشرعيّة الفرعيّة؛ أو بواسطة قريبة، كالأحكام الوضعيّة، كنجاسة الملاقي للنجس مثلا، فإنّها يتعلّق بالعمل بواسطة لزوم الاحتراز عن الثوب النجس في الصلاة، أو بواسطة بعيدة، كمسائل أصول الفقه، فإنّ كون الأمر للوجوب يدلّ على كون «اغسلوا» في قوله تعالىفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْللوجوب، و هو يدلّ على وجوب غسل الوجه في الوضوء، فتعلّق كون الأمر للوجوب بعمل المكلّف، إنّما يكون بواسطة بعيدة.
هذا، و لكن الواسطة في الأوّل قريبة و في الثاني بعيدة محل نظر و تأمّل كثير.
و على هذا الاحتمال يكون الاجتهاد حقيقة في ملكة اقتدار استنباط المسائل الفقهيّة و الأصوليّة، و مجازا في غيرها، و يحتمل أن يكون المراد به مطلق الحكم الشرعي، سواء كان اعتقاديّا كأصول العقائد أو علميّا، و العلمي سواء كان فرعيّا أو أصوليّا، و يحتمل أن يكون المراد به مطلق الحكم، سواء كان شرعيّا بأقسامه الثلاثة، أو غير شرعي كمسائل الطبّ و النحو و نظائرهما، فيكون الاجتهاد حقيقة في مطلق ملكة الاقتدار على استنباط الحكم، أيّ علم كان.
و الحقّ: هو الاحتمال الأوّل، لتبادر الملكة الخاصّة من الاجتهاد، و لو عند سماعه من وراء الجدار، في عرف الفقهاء؛ فيستفاد أنّه حقيقة في هذه الملكة الخاصّة فقط في عرفهم، لعدم صحّة سلبه عن الملكة الخاصّة و صحّة سلبه عن ملكة الطلب مثلا، فإنّه يصحّ أن يقال: إنّ الطبيب الحاذق ليس بمجتهد، و لا يصحّ أن يقال لمن له ملكة اقتدار استنباط الحكم الشرعي الفرعي أنّه ليس بمجتهد، و هاتان الأمارتان من أمارات الوضع، و احتمال كون التبادر إطلاقيّا و عدم صحّة السلب مجازيّا مدفوع، بأنّ الأصل كون الأوّل وضعيّا و الثاني حقيقيّا.
هذا، و لكن يشكل الأمر بصحّة تقسيم المجتهد إلى المجتهد في الفقه أو الطب أو غيرهما، و صحّة التقسيم حاكمة بكون الاجتهاد موضوعا لمطلق ملكة الاقتدار في استنباط مطلق الحكم، و كذا يشكل بقولهم «يجب الاجتهاد في الفقه» فإنّ الظاهر من الفقه أن يكون تأسيسا لا تأكيدا.
و كذا بعدم صحّة سلب المجتهد في الطب عن المجتهد في الطب، فإنّه لا يقال: هذا الرجل الحاذق في الطب ليس مجتهدا فيه.
و وجه الإشكال: أنّ هذه الأمارات الثلاثة حاكمة بوضع الاجتهاد لملكة الاقتدار في استنباط مطلق الحكم، و مانعة عن كون حقيقة مختصّة في ملكة استنباط خصوص الحكم الشرعي الفرعي.
و يمكن الجواب عن الأوّل: بأنّ صحّة التقسيم في عرف الفقهاء و الأصوليّين ممنوعة، و الكلام في أنّ الاجتهاد في عرفهم موضوع لما ذا؟
و عن الثاني: بأنّ لفظ الاجتهاد هذا مستعمل في المعنى المجازي، و قولهم في الفقه قرينة عليه.
و عن الثالث: بأنّ عدم صحّة السلب، الذي هو كاشف عن الوضع، إنّما هو إذا كان ذلك مع تعرية اللفظ عن القرينة، و في المقام قولنا «في الطب» قرينة، و عدم صحّة السلب- على هذا التقدير- إنّما هو لأجل القرينة لا لأجل كون اللفظ موضوعا للقدر المشترك، نظير ذلك قولنا عند رؤية رجل الشجاع: رأيت أسدا يرمي، فإنّ استعمال الأسد في الرجل مجاز قطعا، مع عدم صحّة سلب «أسد يرمي» عن «الرجل».
و الحاصل: أنّ عدم صحّة سلب الاسم مع القرينة عن شيء غير كاشف عن كون هذا الاسم موضوعا لذلك الشيء، و ذلك بيّن.
فإن قلت: هذا الحكم، أي عدم كاشفيّة عدم صحّة السلب مع القرينة عن الوضع، إنّما هو إذا كان القرينة للمحمول، كما في قولنا «هذا الرجل أسد يرمي» فإنّ القرينة و
هي «يرمي» قيد للمحمول و هو «أسد» و لا يصحّ سلب «أسد يرمي» عن «الرجل» و أمّا إذا كان القيد قيدا للموضوع، كما في قولنا «ماء البئر» أو «ماء الزاج ماء» فالقيد لا يضرّ في كون «الماء» حقيقة في «ماء البئر» الذي لا يصحّ سلب اسم «الماء» عنه و ما نحن فيه من قبيل القسم الثاني، فإنّ في قولنا «هذا الرجل الطبيب مجتهد» القيد قيد للموضوع، فيكون عدم صحّة السلب حينئذ كاشفا عن الوضع.
قلت: يمكن التعبير عمّا نحن فيه بوجهين:
أحدهما: أنّ هذا الرجل مجتهد في الطب: و على هذا التعبير ليس عدم صحّة السلب كاشفا باعتراف منك.
و الثاني: أنّ هذا الرجل الطبيب مجتهد، و على هذا التعبير إن أريد أنّ المحمول أيضا مقيّد، أي مجتهد في الطب، فعدم صحّة السلب مسلّم، لكنّه لا ينفكّ؛ و إن أريد أنّ المحمول مطلق كما هو الظاهر من قولنا «هذا الرجل الطبيب مجتهد» فعدم صحّة السلب ممنوع، بل يصحّ سلب المجتهد به عنه في هذا العرف الخاصّ.
نعم، يمكن الجمع بين القولين، أي القول بكون المراد من الحكم في التعريف الحكم الشرعي الفرعي، و القول بأنّ المراد منه مطلق الحكم، بحيث يرتفع التنافي بين الأمارات التي ذكرنا بعضها للاستدلال على مطلوبنا، و ذكر الخصم بعضا آخر منها للاستدلال على مطلوبه، بأن يقال: إنّ الاجتهاد نقل عن معناه اللغوي في عرف الفقهاء و الأصوليّين إلى ملكة الاقتدار على استنباط الحكم الشرعي الفرعي؛ ثمّ نقله العلماء من هذا المعنى الاصطلاحي إلى ملكة استنباط مطلق الحكم، بمناسبة العموم و الخصوص، فما يصحّ تقسيمه و ما لا يصحّ سلبه عن ملكة الطب مثلا، هو الاجتهاد بمعناه المنقول إليه ثانيا؛ و ما تبادر منه ملكة استنباط الحكم الخاصّ و لا يصحّ سلبه عنه أو يصحّ سلبه عن غيرها، هو الاجتهاد بمعناه المنقول إليه أوّلا، و بذلك يرتفع التنافي من البين، و تراضي كلّ من الخصمين.
[المطلب الرابع في المراد بملكة استنباط الحكم الشرعي الفرعي]
المطلب الرابع: في أنّ المراد بملكة استنباط الحكم الشرعي الفرعي الملكة العلميّة
أو الملكة الظنيّة أو الأعمّ منهما.
فنقول: على ما اختاره الفاضل البهائي(رحمه اللّه)من خروج القطعيّات، سواء كانت ضروريّات أو نظريّات من الفقه؛ المراد بالملكة الملكة الظنيّة، و على المذهب الحقّ من دخول القطعيّات غير الضروريّات التي لا يحتاج إلى اجتهاد، بل المقلّد و المجتهد فيها سواء في الفقه؛ المراد بالملكة أعمّ من الملكة الظنيّة و القطعيّة.
و الدليل على أنّ المراد بالملكة هذا المعنى العام في التعريف، عدم صحّة سلب المجتهد عمّن له ملكة ظنيّة فقط على الاستنباط و لا يكون له ملكة علميّة أبدا، بمعنى أنّ من له مطلق ملكة الاستنباط، سواء كانت علميّة أو ظنيّة، لا يصحّ سلب المجتهد عنه، فإنّ دخول من له الملكة العلميّة على مختارنا بيّن، و الشكّ في دخول من له الملكة الظنيّة.
[المطلب الخامس في أنّ المراد بالملكة هل هو ملكة تحصيل الحكم الواقعي، أو ملكة تحصيل الحكم الظاهري، أو الأعمّ]
المطلب الخامس: إنّ المراد بالملكة ملكة تحصيل الحكم الواقعي، أو ملكة تحصيل الحكم الظاهري، أو ملكة تحصيل الأعمّ منهما.
فليعلم أوّلا: أنّ الفقه على ما عرّف في أوّل الفقه هو العلم الثابت بالأحكام الظاهريّة؛ و هذه المرتبة هي مرتبة وجوب العمل للقياس الذي يرتّبه، بأنّ هذا ما أدّى إليه ظنّي، و كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حجّة في حقّي.
إذا عرفت هذا، فنقول: إنّ بناء القوم على أنّ مرتبة الفقه فوق مرتبة الاجتهاد، فلو كان المراد بالملكة في تعريف الاجتهاد ملكة تحصيل الحكم الظاهري، لكان الاجتهاد مساويا للفقه في المرتبة؛ و كذا لو كان المراد بها أعمّ، فلا بدّ من أن يكون المراد بها ملكة تحصيل الحكم الواقعي؛ فإنّ تحصيل الحكم الواقعي لا يلازم وجوب العمل، لأنّ مرتبة وجوب العمل مرتبة الحكم الظاهري، و بين الظن بالحكم الواقعي و الظنّ بالحكم الظاهري عموم من وجه.
مادّة الاجتماع، كما لو حصل له من نصّ الظنّ بالحكم الواقعي و حكم بكبرى قياسه، بكون هذا الحكم حكما ظاهريّا و حجّته في حقّه؛ مادّة افتراق ظنّ الواقعي،
كما لو حصل له من القياس الظنّ بأنّ هذا الحكم هو الحكم الواقعي، و حينئذ الظنّ بالحكم الواقعي موجود، و الظنّ بكونه حكمه الظاهري مفقود، بل يعلم أنّ هذا الحكم ليس حكمه الظاهري قطعا؛ مادة افتراق الآخر، كما لو شهد على شيء و لم يحصل له ظنّ أصلا، فإنّه حينئذ قاطع بحكمه الظاهري مع عدم حصول الظنّ الواقعي.
و بعد عدم اجتماع العلم الظاهري مع الظنّ الواقعي، فعدم اجتماعه و تخلّفه عن الظنّ الظاهري بطريق أولى.
و الحاصل: أنّ المجتهد هو الذي يقول بصغرى القياس، أي هذا ما اعتقدت أنّه الحكم الواقعي سواء كان ذلك الاعتقاد حجّة أم لا؛ و الفقيه هو الذي يضمّ إلى هذه الصغرى كبرى القياس و يحكم بأنّ كلّما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي إلّا ما أخرجه الدليل من الظنّ القياسي و غيره.
هذا، و لكن بعد ما اخترنا من أنّ المراد بالملكة ملكة تحصيل الحكم الواقعي، يشكل الأمر فيمن له ملكة تحصيل الحكم الظاهري فقط في بعض المسائل فقط مثل من يعرف موارد جريان أصل البراءة و أصل الإباحة، و كان له ملكة ذلك فقط، فإنّه على هذا التقدير يخرج من تعريف الاجتهاد، و لكن نقول: لا ضير في خروجه، بل نلتزم خروجه، لصحّة سلب المجتهد عن مثل صاحب هذه الملكة.
[المطلب السادس في المراد بملكة تحصيل الظنّ بالحكم الواقعي]
المطلب السادس: في أنّ المراد بملكة تحصيل الظنّ بالحكم الواقعي، هل هو ملكة من حصل له قوّة في فهم كلمات القوم، بحيث يحصل له من تتبّع كلماتهم الظنّ بالحكم الواقعي، و لم يحصل له بعد قوّة استنباط الفروع الواردة عليه من القواعد الكليّة، كما هو الشأن في أكثر من يسمّى المجتهد في هذا العصر، أو المراد من الملكة من حصل له قوّة الاستنباط و ردّ الفرع إلى الأصل بتدقيق نظره و استفراغ وسعه و اتعاب خاطره؟
الحقّ: أنّ المراد بها ملكة الشخصي الثاني، لصحّة سلب الاجتهاد- في الاصطلاح