فإن قلت: الإجماع المركّب.
قلت أوّلا: هو خلاف الفرض.
و ثانيا: نفرض قول الأوّل موهوما للمقلّد و الثاني مظنونا، و نقلّب الإجماع.
و ثانيا: سلّمنا أنّ الظنّ و الوهم بالنسبة إلى المقلّد، لكن إن تعدّيت إلى سائر الصور بالإجماع، نفرض بقاء الملكة الظنّيّة للمتجزّي المسبوق بالإطلاق، و حصول الملكة الوهميّة للمتجزّي و نقلّب الإجماع؛ و ضميمتنا أقوى لكونها الأولويّة القطعيّة و الاستصحاب، بخلاف ضميمتك فإنّها الأولويّة القطعيّة على زعمك فقط، على أنّ بناء الأستاد في التقليد على التعبّد و إنّما قال ذلك في مقام المعارضة.
قال: الدليل الثالث: إنّا نفرض الكلام فيما دار أمر المقلّد بين تقليد المتجزّي الحيّ و المطلق الميّت؛ و قلنا بتعيين تقليد المتجزّي لكون حياته مرجّحا، أو بالتخيير لمعارضة هذا المرجّح مع الإطلاق الذي هو المرجّح في جانب المطلق الميّت؛ و فرضنا أنّه قلّد المتجزّي ثمّ صار رجل آخر مجتهدا مطلقا، فحينئذ يدور أمره بين البقاء على تقليد المتجزّي و بين تقليد ذلك المطلق الحيّ، لكن الاستصحاب حاكم بالبقاء على تقليد المتجزّي، فثبت جواز تقليد المتجزّي مع وجود المطلق الحيّ، و ذلك ما أردنا.
أقول أوّلا: إنّ المتعيّن عليه تقليد الميّت قبل وجدان المطلق الحيّ، لعدم مقاومة الحياة في مقام المرجّحيّة مع الإطلاق.
و ثانيا: سلّمنا، و لكن تقليده للمتجزّي إنّما كان من باب الضرورة و اللابدّيّة، و بعد وجدان المطلق الحيّ ارتفعت الضرورة، فكيف يستصحب؟
و بعبارة أخرى: بعد وجدان المطلق يقطع بوجوب تقليده، لكونه القدر المتيقّن من الإجماع، و لا بدّ في الاستصحاب من الشكّ اللاحق، أو نقول: الاستصحاب عرضيّ، لأنّ للحكم و هو جواز تقليد المتجزّي جهتين، إحداهما جواز تقليده ما لم يوجد المطلق الحيّ، و الحكم من هذه الجهة قطعيّ؛ و الثانية جواز تقليده بعد الوجود أيضا، و الحكم من هذه الجهة مشكوك و انتفاء الجهة الأولى قطعي و ثبوت الحكم
من الجهة الثانية مشكوك من أوّل الأمر.
و ما أشبه هذا الاستصحاب باستصحاب جواز أكل الميتة الثابت عند الضرورة بعد وجدان لحم الحمير المذكّى.
و ثالثا: سلّمنا، لكنّه لا يثبت إلّا حكم صورة واحدة لا إجماع مركّب في البين.
قال: الدليل الرابع: إنّا نفرض الكلام فيما دار أمره بين تقليد المتجزّي الأعلم و المطلق الغير الأعلم؛ فإنّ تقليد الأعلم قدر متيقّن، لذهاب بعضهم إلى وجوب تقليد الأعلم، و إن نزلنا فلا أقلّ من تساوي الأعلميّة مع الإطلاق، فيثبت التخيير، فيثبت جواز تقليد المتجزّي.
أقول أوّلا: إنّ ذهاب الأكثر إلى وجوب تقليد الأعلم إنّما هو إذا كان مطلقا، و دار الأمر بين تقليده و تقليد المطلق الغير الأعلم، فالقدر المتيقّن هو تقليد الأعلم المطلق لا مطلقا، ففيما نحن فيه الإطلاق مرجّح لتقليد المطلق.
و ثانيا: سلّمنا، لكنّه لا يثبت قاعدة كلّيّة كما هو المأمول في تمهيد قواعد الأصول.
و بعد ما قرع سمعك من هذه الأقاويل، فاعلم أنّ الحقّ عندي: عدم جواز تقليد المتجزّي ما لم تمسّ الحاجة إليه، كما لو فرضنا في أوّل زمان الغيبة انحصار العالم بمتجزّ، فنقول: التكليف ثابت و التكليف بالعلم و كذا التكليف بالاحتياط و الاجتهاد باطل، فينحصر أمر العامي إلى تقليد هذا الرجل.
و الدليل على ذلك: أنّ العمومات الكتابيّة دلّت على حرمة التقليد، خرج من هذا الأصل تقليد المطلق بالإجماع، و بقي الباقي تحته إلّا إذا انجرّت الضرورة، كما في المثال المفروض إلى تقليد المتجزّي، فإنّ البرهان القطعي حينئذ أيضا يخصّص الأصل، و في صورة دوران الأمر بين المتجزّي و المطلق معاضد بقاعدة الاشتغال بالنسبة إلى المتجزّي.
فإن قلت: ما تصنع في صورة دوران الأمر بين تقليد المتجزّي الحيّ و المطلق الميّت.
قلت: إن ثبت الإجماع على وجوب تقليد الحيّ مطلقا، فجواز تقليد المتجزّي حينئذ إنّما هو لمسيس الحاجة، و إلّا فيحكم بوجوب تقليد الميّت؛ و كذا في كلّ صورة فرضها الأستاد نقول: إن قام القاطع على تقليد المتجزّي فيخصص الأصل و إلّا فلا.
فإن قلت: ما تقول في استصحاب تقليد المتجزّي المسبوق بالإطلاق؟
قلت: قد ظهر ممّا ذكرنا سابقا أنّ في هذه الصورة إن كان المطلق موجودا، فلا معنى للاستصحاب، و إلّا فالتقليد من باب الحاجة.
و كيف ما كان، فالمقام محلّ تأمّل.
ثمّ لا يخفى أنّ منع الإجماع المركّب منّا ليس منحصرا في هذا المقام، بل يجري ذلك المنع في سائر المقامات أيضا، و لكن منع الشهرة منحصر فيه.
[المقام السابع: في أنّه بعد ما ثبت جواز تقليد الغير للمتجزّي، فهل يجوز له الحكم و القضاء أم لا]
المقام السابع: في أنّه بعد ما ثبت جواز تقليد الغير للمتجزّي، فهل يجوز له الحكم و القضاء و سائر المراتب من المراتب الخمسة أم لا؟
قال: الحقّ الجواز، لعدم القول بالفصل بين التقليد و التحاكم و التقاضي، و لاستصحاب جواز التقاضي فيما صار المطلق متجزّيا، و لرواية أبي خديجة تأييدا، فإنّ منطوقها صريحة فى جواز التحاكم إليه.
أقول: الدليل الدليل، و الجواب الجواب، و المختار المختار.
المقام الثامن: فيما إذا صار المقلّد شاكّا في بلوغه إلى حدّ التجزّي،
و كذا المتجزّي إذا صار شاكّا في بلوغه إلى حدّ الإطلاق، و كذا في قوس النزول، فهل الحكم ما ذا[1]؟
فنقول: إنّ الاستصحاب حاكم في هذه الصور كلّها على البقاء بالحالة الأولى، إنّما الإشكال في أنّه يعمل بالاستصحاب قبل الفحص، أي قبل أن يستفرغ وسعه و يراجع إلى أهل الخبرة و ينظر هل له قوّة ردّ الفرع إلى الأصل أم لا، أو العمل
[1]- في الأصل هكذا.
بالاستصحاب موقوف على الفحص.
يمكن أن يقال: إنّ ما نحن فيه، لكونه من الموضوعات الخارجة، لا يحتاج استصحابه إلى الفحص كما فيها، كما قرّر في مسألة الاستصحاب، لكن يشكل الأمر بحكم بعض بوجوب احتساب المال إذا شكّ في بلوغه إلى حدّ الزكاة، و كذا إذا شكّ في لزوم الحج عليه، و هذا القول محكيّ عن الفاضل القمي(رحمه اللّه)، مع أنّه قائل بأصالة البراءة.
و كيف ما كان، الأحوط مراعات الفحص، لكون خطره عظيما فيما إذا كان مجتهدا مطلقا و شكّ في صيرورته عاميا، فإنّه حينئذ لو عمل بالاستصحاب قبل الفحص، يلزم عليه تصدّي الفتوى للمقلّدين، و ذلك أمر خطير جدّا، و ليس ذلك مثل استصحاب الكرّيّة؛ و ذلك بيّن.
أقول: هذه المسألة ليست من مسائل الفقه حتّى يحكم بمراعات جانب الاحتياط فيها، بل من مسائل الأصوليّة التي لا بدّ فيها و في إثباتها من إقامة الدليل القطعي.
المقام التاسع: في أنّ من حصل له الظنّ بحكم بتتبّع كتب القوم من المشتغلين،
فإنّه قلّما ينظر محصّل في حكم في أدلّة الطرفين و لم يحصل له ظنّ بأحدهما، هل يصدق عليه أنّه متجزّ حتّى يكون ظنّه حجّة أم لا؟
الحقّ: أنّ هذا الناظر لا يخلو إمّا ملكة الاستنباط حاصلة له أم لا؛ و على الأوّل، إمّا حصول الظنّ بدقّة نظره و استفراغ وسعه، فهو متجزّ و الأدلّة الدالّة على حجّيّة ظنّ المتجزّي تدلّ على حجّيّة هذا الظنّ.
و إمّا حصول الظنّ بمحض النظر من غير دقّة، فهو و إن كان من أفراد المتجزّي، لكن لمّا لم يكن هذا الاستنباط بدقّة النظر، و قد تقدّم في تعريف الاجتهاد الملكي أنّه ملكة الاقتدار على تحصيل الظنّ بدقّة نظره، و قد تقدّم أنّ الظنّ الحاصل على هذا الوجه حجّة، ففي كون هذا الظنّ حجّة تأمّل، و على الثاني فهو خارج عن تعريف المجتهد، لأنّ له ملكة فهم عبائر القوم لا ملكة الاستنباط، و قد سبق إشارة إلى ذلك
في المطالب، و لا اشكال فيه.
إنّما الاشكال في أنّ الظنّ الحاصل من دقّة النظر له مراتب، فإنّ مراتب الظنّ متفاوتة، فهل الحجّة منه هو أوّل مراتب الظنون أم لا بدّ من تحصيل أقوى منه؟ و لا ريب في أنّه إن قلنا بلزوم تحصيل الأقوى، لا بدّ به في كلّ مسألة تحصيل الظنّ الذي هو أدنى من القطع بمرتبة، و ذلك مستلزم للعسر، فإنّ فهم أنّ هذا الحاصل له في أيّ درجة من الظنون في غاية العسر، و مستلزم لتعطيل الأحكام، فإنّه لو كان المعتبر ذلك، ربما لا يحصل له هذا الظنّ في كتاب واحد من أبواب الفقه إلى آخر عمره، فكيف يصنع في أحكامه و أحكام مقلّده؟ سيّما إذا فرضنا انحصار المجتهد فيه؛ فللزوم العسر و تعطيل الأحكام يحصل القطع بعدم لزوم تحصيل مثل هذا الظنّ عليه.
فالحقّ: أنّ اللازم عليه هو تحصيل أوّل مراتب الظنّ.
نعم، إن حصل له العلم بأنّ تحصيل الظنّ الأعلى أو القطع في بعض المسائل لا يستلزم العسر و لا يوجب الاختلال، وجب عليه تحصيله، فإنّ الأصل الأوّلي حرمة العمل، لكن هذين المخصّصين يحكمان بأنّ العمل بالظنّ جائز بعد رفع اليد عن العلم، و كذا العمل بالمرتبة النازلة من الظنّ جائز على فرض تعسّر تحصيل المرتبة العالية، و قد أشرنا إلى نبذ من هذا في آخر مبحث أصل البراءة حيث الخبر الكلام إلى أنّ العمل بالأصل مشروط بالفحص؛ فتذكّر.
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى، و قد بيّنا فيها من الأمور ما القوم أهملوها، و فصلّنا فيها منها ما أجملوها؛ و هو الموفّق.
المسألة الثانية: في شرائط الاجتهاد المطلق.
أي: في شرائط حصول الملكة العامّة، و له شروط:
[الشرط] الأوّل: معرفة علم العربيّة
؛ و تحقيق الكلام فيه يتوقّف على رسم مطالب:
[المطلب] الأوّل: في وجه توقّف الاجتهاد المطلق على معرفتها، فنقول: إنّ أكثر الأحكام ممّا يستنبط من الكتاب و السنّة، فمعرفة هذه الأحكام موقوفة على معرفة الكتاب و السنّة؛ و لكونهما عربيّين، يتوقّف معرفتهما على معرفة علم يبحث فيه عن الألفاظ العربيّة مادّة، كاللغة و الصرف، و هيئة كالنحو.
و القول بأنّ معرفة الأحكام يمكن بالجفر و الرمل و الإلهام، فشرطيّة هذا الشرط لغو لغو من الكلام، لأنّ هذه المعرفة على فرض وقوعها، ليست اجتهادا؛ لأنّ الاجتهاد ملكة معرفة الأحكام من الأدلّة المعهودة، كما أنّ القول بأنّ معرفة المراد من الآية يمكن بالجفر.
أو القول بأنّ معرفة معاني اللغة و مسائل النحو يمكن به، سقط من الكلام.
أمّا الأوّل، فلأنّ المعتبر دلالة الآية على الحكم، لكونه دليلا لا فهم المراد؛ و أمّا الثاني، فلأنّ الغرض معرفة علم العربيّة، سواء كان بالتعلّم أو بالجفر؛ و بعد ما عرف بالجفر شيئا، فهو عارف به.
و هل الغرض من المعرفة معرفة الاصطلاحات المدوّنة في كتب هذا العلوم، كمعرفة الماضي و المضارع، أي معرفة أنّ هذا مسمّى بالماضي، أو بالفاعل، أو بالمفعول، أو بالجمع و المفرد، و نظائر ذلك؛ أم الغرض معرفة اللب، سواء كان عالما بالاصطلاح أم لا؟
فنقول: إنّه من البيّن عدم مدخليّة الاصطلاحات في استنباط الحكم من الكتاب و السنّة، بل الغرض معرفة اللب، فإنّ الدليل الدالّ على الاشتراط لم يدلّ على أكثر من ذلك.
المطلب الثاني: في كيفيّة المعرفة، و فيها جهات:
الجهة الأولى: في أنّه لا بدّ من الاجتهاد في علم العربيّة، الذي هو شرط للاجتهاد المطلق، أم يكفي التقليد فيها؛ فنقول: إنّ هنا ثلاثة مراتب:
الأولى: أن يكون الشخص من أهل اللسان، و عالما بمعاني مواد الألفاظ و تصاريفها و بالهيئة التركيبيّة، كالعرب الفصيح.
الثانية: أن لا يكون من أهل اللسان، و لكن تتبّع في أهل اللسان، إلى أن صار مجتهدا في علم العربيّة، كالفيروزآبادي في اللغة مثلا، و كنجم الأئمّة في النحو و الصرف مثلا.
الثالثة: أن لا يكون لا هذا و لا ذلك، كأكثر الطلّاب، حيث يباحثون في الكتب المدوّنة في العلوم الثلاثة، و لم يبلغوا إلى حدّ الاجتهاد فيها، و هم المعبّرون بالمقلّد هنا.
و لا ريب في كفاية المعرفة على الوجه الأوّل و الثاني، و يدلّ عليها وجوه:
الأوّل: ظهور الإجماع.
الثاني: الأولويّة القطعيّة بالنسبة إلى كفاية التقليد، على ما سنبيّنه؛ فإنّه على فرض عدم كفاية الاجتهاد، لا يكفي التقليد؛ و ذلك بيّن.
الثالث: لزوم تعطيل الأحكام إن قلنا بعدم الكفاية؛ إنّما الكلام في كفاية التقليد، لكونها مخالفة لقاعدة الاشتغال و الأصل.
و الحقّ: كفاية التقليد أيضا، لوجوه:
الأوّل: ظهور الإجماع.
الثاني: لزوم العسر و الحرج لو اشترطنا الاجتهاد.
و الثالث: لزوم تعطيل الأحكام، فإنّ العمر لا يفي بتحصيل المقدّمات حينئذ، فضلا عن ذيها.
و بعبارة أخرى: صارت هذه الوجوه الثلاثة مخصّصة للأصل.
الجهة الثانية: في أنّه لا بدّ فيما كان المأخذ بأيدينا، كأوضاع الهيئات، ككون الأمر للوجوب و النهي للتحريم، و إفادة الجملة الاسميّة الحاليّة، و نحوها؛ ممّا لا يختلف باختلاف العرف من الاجتهاد، و لقاعدة الاشتغال، و للاختصار فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن؛ و التقليد إنّما هو فيما ليس المأخذ بأيدينا، كأوضاع المواد، و المسائل النحويّة و الصرفيّة؛ و لا يلزم من الاجتهاد في القسم الأوّل عسر و حرج، فإنّه مستند إلى فهم العرف، و لكونه من أهل العرف اجتهاده فيه عليه سهل؛ كما لا يخفى.
فإن قلت: من المقدّمات علم الأصول، و منها القسم الثاني من العلوم العربيّة، فلأيّ شيء جوّزت التقليد فيه دون علم الأصول؟ و لم لم تعكس؟ مع أنّ سبب تجويز التقليد في البعض لزوم العسر، و هو يندفع بالتقليد في الأصول أيضا.
قلت: من البيّن أنّ ربط الأصول بالفقه أقوى من ربط علوم العربيّة به، فالاهتمام لشأنه أكثر، فلذا دفعنا العسر بتجويز التقليد فيها دونه.
الجهة الثالثة: في أنّه لا بدّ فيما اختلف المجتهدون في الفنّ فيه، كاختلاف سيبويه و