العدالة، تلزم العسر؛ و لبناء العقلاء و سيرة المسلمين، فإنّ بنائهم على الاعتماد بقول أهل الخبرة، و إن لم يكن عادلا، بل و إن كان كافرا.
الجهة الثامنة: في أنّه لا بدّ لذلك الشخص المجتهد علم هذه المسائل تقليدا بالفعل، أم يكفي قوّة العلم، كأن يكون له قوّة الرجوع إلى كتبهم و فهمها؟
الحقّ: الأخير أيضا، للعسر و الحرج.
المطلب الثالث: في قدر المعرفة.
و الحقّ: أنّ اللازم في صيرورته مجتهدا مطلقا، معرفة العلوم الثلاثة، بقدر ما يحتاج إليه في الكتاب و السنّة، المتعلّقين بالأحكام، لا جميع الكتاب و جميع السنّة، فإنّ أكثرهما غير متعلّقة بالأحكام؛ و ذلك، لأنّ الدليل الدالّ على الاحتياج بالمعرفة، لم يدلّ على أكثر ما يقضي الوطر به في الكتاب و السنّة.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ من مقوّمات الاجتهاد المطلق التتبّع في كتب القوم، حتّى يستحضر موارد الإجماع فلا يخالفها، و أمثال ذلك؛ فلا بدّ له من المعرفة بالعلوم الثلاثة بقدر ما يتوقّف ذلك عليه.
و الحاصل: أنّ أكثر مباحث العلوم لا بدّ من معرفتها، كما لا يخفى.
الشرط الثاني: معرفة علم الكلام
، و فيه أيضا مطالب ثلاثة:
[المطلب] الأوّل: في وجه توقّف الاجتهاد المطلق على معرفة علم الكلام؛ و ذلك، لأنّ علم الكلام يبحث فيه عن وجود الباري و وحدته، و جميع ما لا بدّ اتّصاف المبدأ الأعلى له من الصفات الجماليّة، و عن جميع ما يمتنع اتّصافه من الصفات الجلاليّة، و عن إرساله الرسل، و إنزاله الكتب، و عن لزوم وجود الأمناء بعد الرسول(صلّى اللّه عليه و آله)لحفظ الشريعة، و عن عصمتهم جميعا.
و قد قلنا: إنّ الاجتهاد، سواء كان ملكيّا أو فعليّا، هو تحصيل الاعتقاد بالحكم الشرعي الفرعي الواقعي؛ و لا بدّ في الاعتقاد بأنّ هذا الحكم المستنبط من الكتاب هو حكم اللّه، من الإقرار باللّه تعالى، و بصدقه، و بامتناع التكليف بما لا يطاق
عليه، و بفتح الخطاب بما له ظاهر، و ارادة خلاف الظاهر عليه، و أمثالها.
و كذا لا بدّ في الاعتقاد بأنّ الحكم المستنبط من السنّة، سواء كانت نبويّة أو إماميّة، هو حكم اللّه، من الاعتقاد بالرسول، و أنّه مرسل من قبل اللّه؛ و من الاعتقاد بالإمام، و أنّه أمينه، و أنّ قوله قول الرسول، و قول الرسول قول اللّه، و من الاعتقاد بصدقهم و عصمتهم، فلذا لا بدّ في تحقّق ماهيّة الاجتهاد من معرفة هذا القدر من علم الكلام، الذي يتوقّف تحصيل الاعتقاد بالحكم الشرعي الفرعي عليه، لا معرفة مباحث الجواهر و الأعراض و نظائرها، ممّا يبحث عنه في علم الكلام، و لا يتوقّف هذا الاعتقاد عليه.
فإن قلت: الاجتهاد لا يتوقّف على معرفة الأصول الخمسة أيضا، لأنّا نفرض إنّ كافرا عالما استفرغ وسعه في الأدلّة، كما هو حقّه؛ و استقرّ رأيه على شيء، و قال: إنّ هذا حكم اللّه، على فرض وجوده و على فرض ثبوت هذا الدين، ثمّ تاب و آمن؛ فهذا الذي فهمه أنّه حكم اللّه تعالى من استفراغ وسعه في حالة الكفر، حكم اللّه في حقّه، و يصدق الاجتهاد على ذلك الاستفراغ فلا يتوقّف الاجتهاد على المعارف الخمسة.
قلت: بعد ما ثبت أنّ الاجتهاد لا بدّ فيه من الاعتقاد بالحكم الشرعي، حتّى يتحقّق ذاته، لا مساق لهذا الكلام؛ فإنّ الاعتقاد بأنّ هذا حكم اللّه، يستحيل تحقّقه إلّا عند تحقّق الاعتقاد باللّه، و المفروض أنّ اعتقاده باللّه فرضيّ؛ و من البيّن أنّ الاعتقاد الفرضي باللّه، لا يجتمع مع تحقّق الاعتقاد بأنّ ذلك حكم اللّه.
و ما يقال من أن الاعتقاد ليس بفرضيّ، بل هو تحقيقي، و الفرضي إنّما هو مبنى ذلك الاعتقاد، و هو صحّة هذا الدين و ثبوته، نظير ذلك كالشاكّ في وجود النهار، فإنّه معتقد بل قاطع بطلوع الشمس، على فرض وجود النهار؛ فاسد جدّا.
فإنّ غاية ذلك، ثبوت الملازمة بين حصول الاعتقاد و صحّة الدين و ثبوته؛ و بعد كون أحد المتلازمين مشكوكا، أو مبيّن العدم، يصير المتلازم الآخر كذلك؛ و كذا
في المثال الشاكّ في وجود النهار، شاكّ في طلوع الشمس أيضا، فكيف يمكن الاعتقاد بأحد المتلازمين و الشكّ في؟ الآخر فتبيّن أنّ بعد أخذ الاعتقاد في تعريف الاجتهاد، لا يصدق الاجتهاد على استفراغ وسع هذا الرجل الكافر: فكون ما فهمه أنّه حكم اللّه في حالة الكفر، حكم اللّه في حقّه بعد التوبة و الإيمان، أوّل الكلام.
نعم، لو حصل له الاعتقاد بعد الإيمان، يصدق عليه حينئذ، أنّه مجتهد؛ و ذلك خارج عن محلّ الكلام؛ و لا يخفى أنّ الكافر الذي نقول بعدم إمكان الاجتهاد في حقّه، هو المنكر للصانع و النبيّ و الإمام، لا كلّ كافر؛ فإنّ المسلم يصير بالردّة كافرا، مع اعتقاده بجميع ما جاء النبيّ به؛ فإنّه من البيّن أنّ الاجتهاد في حقّه ممكن، كتمكّن حصول الاعتقاد بالحكم الشرعي له.
و الحاصل: أنّه من مقوّمات الاجتهاد الإسلام، فلا بدّ للمجتهد المطلق معرفة علم الكلام.
أقول: الانصاف قاض بتوقّف الاجتهاد على ذلك، و إنكار الفاضل القمي(رحمه اللّه)و نظائره لذلك، لعلّه لأجل أنّهم عرّفوا الاجتهاد الملكي، بأنّه ملكة تقدر بها على استنباط حكم شرعي الخ، و لم يأخذوا الاعتقاد في التعريف؛ و لذا لمّا نظروا إلى أنّ الكافر يمكن له الاستنباط باستفراغ الوسع في الأدلّة، كما هو حقّه، حكموا بعدم اشتراط هذا الشرط؛ و لكن إن لم يكن خلاف الأدب، يمكن أن يقال: إنّ ذلك وهم منهم، لأنّهم يعتبرون تحصيل الظنّ في تعريف الحالي؛ و المفروض أنّ ذلك الكافر حصل له الاجتهاد الحالي، و مع ذلك كيف يمكن لهم القول بحصول الظنّ، أو تحصيله له؟
ثمّ أقول: فإن قلت: بعد ما كان الإسلام من شرائط الاجتهاد، فلم لم يعدّوه منها؟
بل عدّوا منهما معرفة علم الكلام.
قلت: لمّا كان ما يتوقّف عليه الاجتهاد من مسائل علم الكلام، أكثر ممّا يتحقّق به الإسلام، كمعرفة قبح التكليف بما لا يطاق و نظيره؛ فإنّ الأشاعرة، مع كونهم
مسلمين، يجوّزون ذلك على اللّه تعالى؛ عدّوا معرفة علم الكلام من الشرائط للاختصار؛ فتأمّل.
و كيف ما كان، فهل الإيمان و الإقرار بالأئمّة الاثنى عشر(عليهم السلام)، شرط في تحقّق الاجتهاد أم لا؟
الحقّ: الثاني، لأنّ المناط في تحقّق الاجتهاد، تحصيل الاعتقاد بالحكم، و هو يتحقّق مع عدم الإيمان أيضا، كما في العلماء الأربعة؛ نعم، الإيمان شرط في صحّة الاجتهاد.
فإن قلت: أهل الخلاف، و إن لم يقولوا بأئمّتنا، لكنّهم معترفون بحسنهم و صدقهم، فلم لا يجوز أن يستنبطوا الأحكام عن الكتاب و السنّة النبويّة و الآثار المرويّة عن الأئمّة(عليهم السلام)؟ و بعد تحصيلهم الاعتقاد بالحكم الشرعي من هذه الادلّة، أيّ دليل قام على فساد ذلك الاجتهاد؟
قلت: يظهر الفساد فيما إذا تعارض الأحاديث المرويّة عن أئمّتنا(عليهم السلام)، مع الأخبار المرويّة عن خلفائهم، فإنّهم يقدّمون أخبار خلفائهم.
فإن قلت: هم يقولون على فرض إمامة هذه الأئمّة و بطلان خلفائنا، الحكم هكذا.
قلت: هذا نظير قول الفاضل القمي(رحمه اللّه)، و الجواب الجواب؛ نعم، يمكن أن يفرض أنّ عالما من أهل الخلاف لم يطّلع على أخبار خلفائهم، و لا على الأخبار المجعولة المنتسبة إلى النبي(صلّى اللّه عليه و آله)؛ و كان قائلا بصدق أئمّتنا(عليهم السلام)، و استفرغ وسعه في الأدلّة التي بأيدينا، و استنبط حكما، و حصل له الاعتقاد به؛ فحينئذ لا دليل على فساد هذا الاجتهاد؛ و لكن إن هذا إلّا محض الفرض.
المطلب الثاني: في كيفيّة المعرفة، بمعنى أنّه هل يلزم على من يريد الاجتهاد في الفروع، أن يعرف علم الكلام على وجه الاجتهاد، أم يكفي التقليد أيضا؟
و تحقيق ذلك سيجيء إن شاء اللّه في مسألة أنّه يجوز التقليد في أصول الدين، أم
لا؟
أقول: مجمل القول إنّ توقّف الاجتهاد على الكلام إنّما هو لحصول الاعتقاد بالحكم، فيكفي في كيفيّة المعرفة ما يحصل به هذا الاعتقاد كائنا ما كان، و لجواز التقليد في الأصول و عدمه مقام آخر.
المطلب الثالث: في مقدار المعرفة؛ و قد تبيّن ذلك في المطلب الأوّل فلا نعيد؛ ثمّ لا يخفى أنّ معرفة علم الكلام لابدّيّتها كسابقه على وجه اللبّ، و لا مدخليّة لخصوصيّة الاصطلاحات في الاجتهاد.
الشرط الثالث: معرفة المنطق.
وجه التوقّف، أنّه لا بدّ في الفقه من الاستدلال بالأدلّة على الأحكام؛ و علم المنطق متكفّل ببيان كيفيّة الاستدلال؛ فإنّه ميزان لتمييز الفكر الصحيح عن الفاسد؛ و من البيّن أنّ للاصطلاحات المتداولة بين المنطقيين ليس دخلا في الاجتهاد، بل إنّما يكفي اللبّ.
و يمكن أن يقال بعدم اشتراط معرفة المنطق، لأنّ كلّ واحد من العوام و الخواص يعرف اللبّ، بمعنى أنّ معرفة المنطق لكلّ أحد، كمعرفة العرب الفصيح للعلوم العربيّة؛ فلا يحسن اشتراط الاجتهاد بها.
نعم، يحتاج المجتهد بالعرض إلى استعمال بعض قواعده في بعض الأحيان عند غموض الاستدلال؛ كأن يكون الاستدلال بالشكل الرابع مثلا، فإنّه لا بدّ له من إعمال القواعد، كدليل الافتراض و الخلف حينئذ، حتّى يرجعه إلى الشكل الأوّل، فيصير بديهيّ الانتاج، و هكذا؛ و كذا قد يصير محتاجا إليها فيما لو كان الشخص المريد للاجتهاد معوج السليقة، و كان اعوجاج سليقته يستقيم بمعرفة المنطق، فإنّها شرط حينئذ.
الشرط الرابع: أن يكون له قوّة ردّ الفرع إلى الأصل.
و بعبارة أخرى: أن يكون له قوّة متصرّفة يعرف بها أنّ هذا الفرع مبنيّ على هذا
الأصل؛ فإنّ بعض الإنسان قد يكون عالما بالأدلّة، و لكن لا يقتدر على الردّ؛ و قد يقتدر على الردّ، و ليس عالما بالأدلّة، كما يعرف أنّ هذه المسألة مبنيّة على مسألة اجتماع الأمر و النهي، و لكن ليس عالما بها.
لا يقال: إنّ الشرط ما كان خارجا عن الشيء، و ذلك جزء الاجتهاد.
لأنّا نقول: إنّ مرادنا بالشرط هنا ما يتوقّف ذلك الشيء، عليه سواء كان داخلا أو خارجا.
الشرط الخامس: أن يكون عالما بالعلم المسمّى بعلم البلاغة
، للامتياز الفصيح عن غيره، إذا تعارض خبران، أحدهما غير فصيح.
و يمكن أن يقال: إنّ مقتضى الفصاحة أن يتكلّم مع العوام و أهل البوادي بلغتهم؛ مع أنّ الغالب في الأخبار الواردة في بيان الحكم، عدم مراعات الفصاحة فيها، إلّا أن يكون أحد الخبرين بالغا في الفصاحة مرتبة يقصر عنه الإنسان غير المعصوم، و الآخر أنزل مرتبة منه، فإنّه يحصل الظنّ بل العلم أنّ الأفصح قول المعصوم.
هذا، و لكن معرفة الفصاحة بمعنى معرفة هذا ممّا يقصر عن طرق البشر، و ذاك ليس كذلك في غاية الإشكال، إلّا لمن استنار مشكاة قلبه من مصباح الربّ؛ وفّقنا اللّه لذاك.
[الشرط] السادس: أن يكون له أنس بكتب القوم
، بمعنى أن يعرف أنّ أيّ مسألة يذكر في أيّ باب.
[الشرط] السابع: أن يكون عارفا بمواضع الإجماع
، كي لا يخالفها.
[الشرط] الثامن: أن يكون عارفا بآيات الأحكام
، و هي و إن قيل: إنّها خمسمائة؛ لكن الحقّ: أنّ كلّ آية يدلّ على حكم، سواء كان بالمطابقة، أو التضمّن و الالتزام بكلا قسميه، أو كان الحكم مستفادا من انضمام آيتين أو أكثر، فهي من آيات الأحكام، و لا بدّ للمجتهد معرفتها.
[الشرط] التاسع: أن يكون عارفا بالأخبار
، بحيث يكون قادرا على معرفة مواردها، كأن يعرف أنّ أخبار كلّ باب ليست مذكورة بتمامها في ذلك الباب؛ بمعنى أنّه لا بدّ عليه أن يراجع عند اجتهاد باب إلى باب آخر مناسب له، لعلّه يستفاد حكم هذا الباب من الخبر الوارد في مناسبه.
و لا يخفى أنّ بعض هذا الشروط يستفاد من بعض آخر؛ و أنّ العرفان الملكي كاف في الاجتهاد الملكي؛ و أنّ الاجتهاد الفعلي في كلّ باب يحتاج إلى معرفة المقدّمات المرتبطة به بالفعل.
[الشرط] العاشر: أن لا يكون معوج السليقة
؛ و يعرف ذلك بالرجوع إلى أهل الخبرة، فإن وافق الرأي رأيهم، فالسليقة مستقيمة؛ و إن خالف؛ سواء كان في الحكم، أو في طريق الاستدلال.
و لا يخفى أنّ الأستاد، و إن جعل هذا الشرط من مقوّمات الاجتهاد، لكنّه كأنّه لا ريب في كونه موجبا للاعتماد و الصحّة، لا مقوّما؛ فإنّ الاجتهاد ما كان بأزيد من ملكة الاستنباط و تحصيل الظنّ الخ؛ و ذلك حاصل للمعوج السليقة أيضا؛ غاية الأمر كون استنباطه غير معتبر لسوء فهمه؛ و عدم دخول البيت من بابه؛ و المراد بالبيت بيت الاستنباط، فلا يعترض على هذا الكلام.
[الشرط] الحادي عشر: أن لا يكون جربزة
؛ و المراد به من لا يستقرّ على شيء لحدّة ذهنيّة، فإنّ تحصيل الظنّ المعتبر في الاجتهاد غير متيسّر له.
لا يقال: فعلى هذا، من يجدّد النظر و يحصل له الظنّ على خلاف الظنّ الأوّل، يلزم أن لا يكون مجتهدا، و هو فاسد قطعا.
لأنّا نقول: الجربزي لا يتمكّن من تحصيل الظنّ في المرتبة الأولى أيضا، بخلاف المجدّد نظره، فإنّه يستقرّ رأيه على شيء أوّلا، و يحصل له الظنّ بكونه حكما، ثمّ لاطّلاعه على ضعف مستنده الأوّل، يجدّد رأيه؛ و الفرق واضح.
[الشرط] الثاني عشر: أن لا يكون بليدا لا يتمكّن من ردّ الفرع إلى الأصل.
و الحقّ: أنّ الشرط الرابع مغن عن هذا الشرط، لكونه أعمّ منه.
و قد ذكر بعضهم هنا شروطا آخر لتحقّق نفس الاجتهاد:
كأن لا يكون بحّاثا يحبّ البحث، إمّا لحبّ العلم أو لحبّ الرئاسة؛ أعاذنا اللّه منه.
و أن لا يؤول الأخبار و الآيات كثيرا.
و أن لا يكون مستبدّا برأيه.
و أن لا يكون جريّا على الفتوى.
و أن لا يكون شديد الاحتياط.
و من البيّن أنّ ملكة تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي، المعبّر عنها بالاجتهاد، ليست متوقّفة على هذه الشروط الخمسة؛ نعم، هذه إن كانت شروطا، فالصواب عدّها من شروط صحّة الاجتهاد، لا من شروط تحقّقه.
[الشرط] الثالث عشر: علم الأصول.
أمّا وجه توقّف الاجتهاد عليه إجمالا، فهو لأنّ علم الأصول علم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة.
و أمّا تفصيلا، فلأنّ تحصيل الظنّ بالحكم إنّما يتحقّق لدلالة الأدلّة عليه، و من الأدلّة الكتاب و السنّة، فيتوقّف الاستدلال بهما على معرفتهما؛ و هي إنّما يتحقّق بمعرفة الحقيقة و المجاز و علائمهما، و بمعرفة أنّ الألفاظ موضوعة للصحيح أو الأعمّ، و بمعرفة مباحث الأمر من كونه حقيقة في الوجوب مثلا، و من كونه للفور أو التراخي أم لا، و للمرّة و التكرار، و من كون الأمر بالشيء أمرا بمقدّماته، و كون الأمر مقتضيا للنهي عن ضدّه، و بمعرفة مباحث النهي؛ فإنّ الكتاب و السنّة مشتملان على الحقيقة و المجاز و الأمر و النهي، فمعرفتهما موقوفة على معرفتها.
و كذا كلّ واحد منهما مشتمل على العامّ و الخاص و المجمل و المبيّن و المطلق و المقيّد؛ و الكتاب مشتمل على محكم و متشابه؛ و كذا لكلّ واحد منهما منطوق و مفهوم، فلا بدّ في معرفتهما من معرفة هذه المباحث، و كذا قد يحصل التعارض بين