الغيرة والنخوة يغلي في عروق الأنصار والمهاجرين والتابعين ، لأنّهم شاهدوا بأعينهم انحراف الإسلام عن المسار الحقيقي له ، والشخص الوحيد الذي بإمكانه إعادته إلى مساره هو الإمام عليّ(عليه السلام)فقط .
وفي هذه الظروف تكون الحجّة قد ألزمت الإمام(عليه السلام)، فقام من أجل وحدة الكلمة وتطبيق العدالة ، وتمكّن خلال مدّة قصيرة من خلافته من إقامة الحكومة النبويّة ، وهو القائل في إحدى خطبه: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز».[1]
السؤال 127
لا يذكر الشيعة فرقاً كبيراً بين الأنبياء والأئمّة ، حتّى قال شيخهم المجلسي عن الأئمّة : «ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلاّ رعاية خاتم الأنبياء ، ولا يصل إلى عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة» .
الجواب :الفرق بين النبوة والإمامة واضح ـ وإن خفي على جامع الأسئلة ـ فإنّ النبي يوحى إليه دون الإمام، والنبي الخاتم مؤسس للشريعة، والإمام مبيّن لها، كما أنّ النبي يبلّغ عن الله بلا واسطة، بينما يبلغ الإمام عن الله
[1]نهج البلاغة : الخطبة رقم 3 .
بواسطة النبي، وأي فرق أوضح من ذلك.
ثم إنّ العبارة الّتي نقلها السائل عن المجلسي لا تنطبق عمّا هو موجود في بحار الأنوار .
ونحن هنا نورد عبارة العلاّمة المجلسي حتّى يتّضح أنّ الصحيح في كلامه هو خلاف ما نقله جامع الأسئلة ، فعبارة العلاّمة تقول :
«لعلّ الفرق بين الأئمّة وغير أُولي العزم من الأنبياء أنّ الأئمّة نوّاب للرسول لا يُبلِّغون إلاّ بالنيابة ، وأمّا الأنبياء وإن كانوا تابعين لشريعة غيرهم لكنّهم مبعوثون بالرسالة وإن كانت تلك النيابة أشرف من تلك الأصالة» .
نعم جاء في الذيل قول المجلسي: «ولا تصل عقولنا إلى فرق بيّن بين النبوّة والإمامة» .
مع هذا البيان كيف يقول إنّ الشيعة لا يرون فرقاً كبيراً بين الأنبياء والأئمّة ، وأيّ فرق أوضح وأجلى من أنّه لا واسطة في النبوّة ، ولكن في الإمامة يجب توفّر الواسطة .
وأخيراً نذكِّر أنّه بما أنّ جامع الأسئلة ليس له حظّ في المباحث القرآنية والكلاميّة ، وأنّه يعتبر الإمامة منصباً انتخابيّاً يتمّ عن طريق انتخاب الناس فلا يمكنه أن يتصوّر أنّ مقام الإمامة ـ أحياناً ـ يكون أعلى من مقام النبوّة والرسالة ، والحال أنّ الواقع غير ما تصوّر ، حيث إنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام)بعد طيّه لمقام النبوّة والرسالة والخِلّة ، ففي آخر حياته نال مقام الإمامة، حيث جاءه الخطاب:(إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)[1]، فإذا جاء في الروايات أنّ
[1]البقرة : 124 .
الإمامة مثل النبوّة في الشرف والمنزلة أو أنّها تفوقها ، فإنّما هو بسبب هذه الآية المباركة التي تصرّح بأنّ إبراهيم أُعطي مقام الإمامة بعد النبوّة ، وأمّا تفسير الإمامة بالنبوّة في هذه الآية فهو بعيد جدّاً عن الفهم القرآني ، لأنّه جاء في نفس الآية أنّ خليل الرحمن في نفس الوقت، طلب مقام الإمامة لأبنائه وذرّيته ، فقال تعالى :(قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)وهذه الجملة تعني أنّه عندما طلب هذا الطلب كان عنده أولاد وذرّية وتدلّ على أنّه كان في سنٍّ متقدِّمة . وقد نال مقام النبوة قبل أن يكون له ذريّة. فلا يصح تفسير الإمامة في هذه الحالة بالنبوة، لأنّه اشبه بتحصل الحاصل.
فظهر أنّ مقام الإمامة هو شيءٌ أفضل من مقام النبوّة وقد أعطاه الله لإبراهيم بعد النبوّة ، ولكن في نفس الوقت ، يمكن أن يكون هناك من يتمتّع بمقام النبوّة ولكن لم يصل إلى مقام الإمامة كأنبياء بني إسرائيل ، ويمكن أن يكون هناك مَن يتمتّع بمقام الإمامة دون أن يكون له مقام النبوّة كما هو الحال بالنسبة لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ويمكن أن يكون هناك من يتمتّع بكلا المقامين (الإمامة والنبوّة) كما هو الحال بالنسبة للأنبياء من أُولي العزم من إبراهيم إلى نبيّنا الخاتم صلوات الله على نبيّنا وآله وعليهم أجمعين .
وعلى كلّ حال فإنّ هذه المسائل القرآنية والاعتقاديّة الدقيقة ليست جزءاً ضروريّاً من العقائد ، بل هي مباحث علميّة يمكن أن تتفاوت فيها الآراء .
السؤال 128
يزعم الشيعة أنّ من الأدلّة على وجوب خلافة علي(عليه السلام)بعد الرسول أنّه استخلفه على المدينة في غزوة تبوك وقال(عليه السلام): أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقد ثبت أنّه استخلف عثمان بن عفان وعبدالله بن مكتوم في غزوات أُخرى، فلماذا خصّ علي دون غيره؟
الجواب:كأنّ السائل أو جامع الأسئلة لم يقرأ صفحة واحدة من أدلة الشيعة على خلافة علي(عليه السلام)وبالأخص ما يرجع إلى هذا الحديث، فإنّ جوهر الاستدلال لا يرجع إلى مجرد الاستخلاف حتّى ينتقض باستخلاف من ذكره، بل لعموم المنزلة في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي من بعدي».
فالاستثناء يدل على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)نزّله منزلة هارون في كل المناصب ومنها الوزارة والخلافة، وعلي يحمل هذا العنوان في حياة الرسول.
وأمّا اللذان استخلفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)على المدينة فلم يقل رسول الله في حقهما ما قاله بحق علي(عليه السلام).
السؤال 129
يزعم الشيعة أنّ وجوب نصب الأئمة يرجع لقاعدة «اللّطف» ، والعجيب أنّ إمامهم الثاني عشر اختفى ، فأيّ لطف يلحق المسلمين وهو مختف ؟
الجواب :من مظاهر اللّطف الإلهي وجود الأرضيّة المناسبة اللاّزمة لظهور الأنبياء والأولياء ، وعند تحقّق هذه الأرضيّة يشمل هذا اللّطف الإلهي الناس بإرسال رسول يبلّغ عن الله تعالى ويكون حجّة على الناس . أمّا إذا لم تتوفّر الأرضيّة الملائمة لقبول ذلك النبيّ أو ذلك الحجّة ، أو تكون موجودة ولكنّها غير كافية في قبوله ، عندها يكون إظهار الحجّة والإمام على خلاف المصالح ، وقضيّة إظهار الإمام المهدي (عجل الله فرجه) على طبق هذه القاعدة، وما لم تتوفّر الأرضيّة المناسبة لتأسيس حكومة إلهية عالمية تزيل الظلم والضيم لا يكون هناك باعث وسبب لظهور الإمام. فحرمان الناس عن اللطف ـ عندئذ ـ يرجع إلى الناس، لا إليه(عليه السلام).
وثالثاً: إنّ القرآن المجيد ذكر وجود حجّتين ; واحدة ظاهرة مثل موسى بن عمران(عليه السلام)، والثانية مخفيّة وغير معروفة وهو صاحب موسى(عليه السلام)الذي سمته بعض الروايات بـ (الخضر(عليه السلام)) ; فهو حجّة الله تعالى ولطفه يصل إلى الناس ، ولكنهم لا يعرفونه ، وقد بيّن الله تعالى ثلاثة نماذج من لطفه بالناس على يد عبده الصالح هذا .[1]
[1]وقد جاءت القصّة مفصّلة في سورة الكهف ضمن الآيات 20 إلى 82 .
إذن ، فعدم معرفة حجّة الله ليس دليلاً على فقدان لطفه ، فمن المحتمل عند الخصم ـ بل المقطوع عندنا ـ انّه(عليه السلام)يأتي في زيّ غير معروف يسمع نداء المساكين والمكروبين ، ويحلّ المشاكل الكبيرة التي تعاني منها الأُمّة بعلمه وتدبيره بدون أن يعرفه أحد ، تماماً مثلما فعل صاحب موسى(عليه السلام).
وحصيلة الكلام: أنّ المهدي(عليه السلام)يتصرف في أُمور الأُمّة كتصرف مصاحب موسى في أُمور زمانه من دون أن يعرفه الناس أو يعرفوا أعماله، فعدم اطلاعنا على تصرفاته لا يكون دليلاً على عدم انتفاع الأُمّة به. فوجوده لطف.
السؤال 130
يقول الشيعة بأن إرسال الرسل ونصب الأئمة واجبان على الله عزوجل لقاعدة اللطف. وقد رأينا أن الله تعالى أرسل رسله وأيدهم بالمعجزات، وأهلك من كذبوهم.
والسؤال هو: ما هي أدلة تأييد الله لأئمتكم وأدلة غضبه على من كذبوهم وقاتلوهم؟
الجواب:هذا السؤال مكرّر وقد أجبنا عنه مرّات عديدة .
ونحن نتعجّب من هذه الأسئلة المكرّرة التي لا يريد من ورائها سوى زيادة عدد الأسئلة ، حتّى يوهم القارئ بأنّ هناك إشكالات كثيرة على الشيعة ، وكم كان يكرّر سؤالاته لدرجة أنّه بلغ ببعض الأسئلة أن تكرّر خمساً وعشرين مرّة أو تزيد!!
ثمّ انّ جامع الأسئلة أجنبي عن مفاد قاعدة اللطف، وقد سمع اسمها ولم يفهم معناها، فإنّ المراد منها أنّ الحكيم إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه لغاية الوصول إلى الغرض، والله سبحانه أراد هداية الناس إلى الحق وصدّهم عن الباطل فعليه أن يهيئ أسبابه الّتي منها إرسال الرسل وتعزيزهم بالدلائل المقنعة بأنّهم مبعوثون من قبل الله سبحانه.
هذه قاعدة اللطف، وليس من لوازمها إهلاك المخالفين وإبادة المعاندين .
فهذا عيسى ابن مريم أرسله الله بالهدى والمعجزات الكافية فكذبوه ولم يهلك أعداءه، وهذا خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)بعثه بالمعجزة الكبرى ولم يهلك أعداءه.
نعم قتل من شارك في حروبه نتيجة القتال لا بسبب غيبي.
وبما أنّ الرسالة قد ختمت والنبوة أُغلقت إلاّ انّ وظيفة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)كانت بعد باقية كتفسير القرآن الكريم والإجابة عن الأسئلة المتجددة ورد الشبهات الموجهة إلى الإسلام وتربية الناس تربية إسلامية كاملة، كل ذلك يتحقق بالإمام ،هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الله سبحانه أيدهم بالدلائل الواضحة على أنّهم خلفاء رسول الله وذلك إمّا بالأحاديث المتواترة أو بالكرامات الّتي صدرت عنهم وبأيديهم، وإن عميت عنها عيون المخالفين. فمن رجع إليهم استضاء بنورهم ومن رغب عنهم خاب وحُرِمَ.
السؤال 131
يدّعي الشيعة أنّ أئمّتهم معصومون ، وقد ورد ما يُناقض هذا ، فخُذ على سبيل المثال :
أ ـ كان الحسن بن عليّ يخالف أباه في خروجه لمحاربة المطالبين بدم عثمان .
ب ـ خالف الحسين بن علي أخاه الحسن في قضيّة الصلح مع معاوية .
ج ـ ما ورد في قول عليّ : «لا تكفوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّي لستُ آمن أن أُخطئ» .
الجواب :لم يُبيّن جامع الأسئلة المصدر الذي اعتمد عليه ، إلاّ في النقطة الثالثة ، أمّا النقطتان: الأُولى والثانية فقد ذكرهما بدون الإشارة إلى المصدر كعادته .
ولا أحد من شباب الشيعة يمكن أن تنطلي عليه هكذا ادّعاءات واهية لا تستند إلى أيّ مصدر .
أمّا فيما يخصّ عدم صحّة المطلب الأوّل (أي محاربة الناكثين) ; فيكفي فيه مراجعة تاريخ الطبري ، فعندما علم عليّ(عليه السلام)أنّ أبا موسى الأشعري أخذ يثبّط من عزائم الجيش ويدعو الناس إلى القعود بدل القيام والخروج