وهو الذي خاض حروباً دمويّة ضد الإسلام كأُحد والأحزاب واللّتين لعب فيهما دوراً بارزاً وأساسيّاً .
وكذلك فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان قد تزوّج صفيّة بنت حيي بن أخطب ، فهل هذا الزواج يدلّ على التقارب الفكري والعقائدي ؟!
بقي القول إنّ أعلام الشيعة قد كتبوا رسائل متعدّدة حول هذه المسألة التاريخيّة ـ زواج عمر من اُمّ كلثوم ـ ومن أراد مزيداً من الاطلاع فليرجع إلى مقال «نظرة على كتاب حقيقة وليس افتراء».[1]
السؤال 2
إنّ عليّاً(عليه السلام)بايع كلاًّ من أبي بكر وعمر ، أليس ذلك دليلاً على أحقّيتهما في الخلافة ؟
الجواب :في نظر الشيعة أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)لم يبايع أحداً قط ; وذلك لأنّه هو الخليفة المنصوص عليه من قبل الله تعالى ، وكلّ ما في الأمر أنّه عندما رأى أنّ زمام الأمر آلَ إلى غيره ، قام بتشخيص وظيفته الشرعيّة ، المتمثِّلة في الإرشاد والهداية ، ولهذا نجده يقول في كلام له : «فأمسكتُ يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد(صلى الله عليه وآله)فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم . . .».[2]
[1]نشر هذا المقال في: رسائل ومقالات : 6 / 361 ـ 381 .[2]نهج البلاغة ، الكتاب رقم 62 .
إنّ الإمام علياً(عليه السلام)وفي الموارد اللاّزمة والضروريّة كشف الستار عن الحقيقة ، ودافع عن حقّه المغتصب.
وأمّا ما يرويه أهل السنة من أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)قد بايع بعد وفاة فاطمة الزهراء(عليها السلام)وأنّ فاطمة لم تبايع أبا بكر ولم تكلّمه وماتت غاضبة عليه، ولو صحّ ما ذكر، وأن علياً بايع الخليفة بعد وفاة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فهذا يولد إشكالاً آخر وهو أنّ جميع المحدّثين والعلماء اتّفقوا على رأي واحد مفاده أنّ فاطمة لم تبايع إلى آخر يوم من حياتها ، وأنّها أعرضت عن الخليفة بوجهها .
وممّا جاء في صحيح البخاري : « . . . فوجدَتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت وعاشت بعد النبيّ ستّة أشهر».[1]
وهنا سؤال يطرح نفسه : لماذا لم تُبايع بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)أبا بكر ؟ وهي أفضل نساء العالمين طبقاً لرواية البخاري ، وهي معصومة حسب آية التطهير، وغيرها، وسيكون كلّ المعصومين من نسلها .
وإذا كانت خلافة أبي بكر خلافة مشروعة حقيقةً ، فلماذا كانت بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)غاضبة عليه ؟ ومع مزيد من التوضيح نقول : إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)يذكر لنا حديثاً يستحيل لابنته المعصومة مخالفته وهو قوله : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة لإمام فقد مات ميتةً جاهليّة».[2]
[1]صحيح البخاري : 5 / 82 ـ 84، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.[2]صحيح مسلم: 6 / 22، باب حكم من فرّق أمر المسلمين ; سنن البيهقي : 8 / 156 .
وهنا يجب أن نختار أحد أمرين :
1 ـ إمّا أنّ بنت النبيّ لم تبايع أبا بكر مع كونه هو الخليفة الواقعي ، ممّا يعني أنّها كانت مشغولة الذمّة بالبيعة لإمام زمانها ، وبالتالي يكون موتها ـ والعياذ بالله ـ هو عبارة عن ميتة جاهليّة .
2 ـ وإمّا أن نقول : إنّ أبا بكر الذي قدَّم نفسه على أنّه هو إمام زمانه لم يكن هو الإمام الواقعي والحقيقي ، ممّا جعل بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله)تمتنع عن مبايعته ، وهي التي طهّرها الله من كلّ رجس ، ووصفها رسوله(صلى الله عليه وآله)بقوله : فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة.[1]
وكذلك قوله(صلى الله عليه وآله): «يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»[2].
وبما أنّها طاهرة مطهّرة يستحيل أن تخالف ما أمر به رسول الله(صلى الله عليه وآله)ممّا يجعلنا نستنتج :
إنّ الشخص الذي امتنعت عن بيعته لم يكن هو الإمام الحقيقي ، وبما أنّ الزهراء(عليها السلام)لا تموت بدون بيعة لإمام زمانها ، فهي حتماً وقطعاً بايعت الإمام الحقيقي ، الذي لم يكن إلاّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وصيّ رسول الله(صلى الله عليه وآله).
وأخيراً تجب الإشارة إلى أنّه على فرض صحّة قول البخاري ، أنّ عليّاً بايع بعد ستّة أشهر ، فهو بنفسه ينقل أنّ هذا الانتخاب لم يكن صحيحاً في
[1]صحيح البخاري : 4 / 209، باب مناقب قرابة رسول الله(صلى الله عليه وآله).[2]مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 203 ; المعجم الكبير للطبراني: 1 / 108 .
نظر الإمام، إذ لو كان صحيحاً لما توانى الإمام(عليه السلام)عن تأييده وبيعته.
عجباً! كيف يغض الطرف عن كلّ المستندات التاريخيّة الّتي تذكر مظلوميّة الزهراء وزوجها(عليهما السلام)، والجور الذي وقع عليهما في غصب إرثها وغصب حقّ عليّ في الخلافة ، ثمّ يتحدّث عن بيعة حصلت بعد ستّة أشهر ، محاولاً بذلك التعتيم على الحوادث المرّة التي حدثت بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).[1]
السؤال 3
كيف يُسمّي عليّ(عليه السلام)أبناءه بأسماء الخلفاء ، وأنتم تقولون إنّهم كانوا أعداءً له ؟
الجواب :يلزم معرفة أنّ أسماء الخلفاء الثلاثة ليست أسماء مختصّة بهم فقط ، بل هي أسماء كانت شائعة ومنتشرة بين العرب قبل الإسلام وبعده ، واتّخاذ عليّ(عليه السلام)هذه الأسماء لأبنائه لا يكون دليلاً على حُسن العلاقة بينه وبين حكومة الخلافة ، وأنتم بإمكانكم مراجعة الكتب الرجاليّة مثل كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ وكتاب «أُسد الغابة» لابن الأثير ، لتلاحظوا الصحابة الذين كانوا يحملون أسماء أبي بكر أو عمر أو عثمان .
ونحن هنا نستعرض أسماء الأشخاص الذين يحملون اسم عمر ـ قبل الإسلام وبعده ـ من كتاب واحد فقط ، وهو كتاب «اُسد الغابة في معرفة الصحابة» كانموذج لما ذكرنا : 1ـ عمر الأسلمي 2ـ عمر الجمعي 3 ـ عمر بن
[1]سنبحث هذا الموضوع ضمن جوابنا عن السؤال رقم 124 .
الحكم 4 ـ عمر بن سالم الخزاعي 5 ـ عمر بن سراقة 6 ـ عمر بن سعد الأنماري 7 ـ عمر بن سعد السلمي 8 ـ عمر بن سفيان 9 ـ عمر بن أبي سلمة 10 ـ عمر بن عامر السلمي 11 ـ عمر بن عبيدالله 12 ـ عمر بن عكرمة 13 ـ عمر بن عمرو الليثي 14 ـ عمر بن عمير 15 ـ عمر بن عوف 16 ـ عمر بن غزية 17 ـ عمر بن لاحق 18 ـ عمر بن مالك بن عقبة 19 ـ عمر بن مالك الأنصاري 20 ـ عمر بن معاوية الغاضري 21 ـ عمر بن يزيد 22 ـ عمر بن اليماني .
هؤلاء فقط الأشخاص الذين أورد ابن الأثير أسماءهم ، وإلاّ فلو أضفنا التابعين الذين يحملون اسم عمر ، فسوف نقطع بأدلّة راسخة بأنّ هذا الاسم وأسماء الخلفاء الآخرين هي من الأسماء المعروفة والمشتهرة عند العرب في الجاهليّة والإسلام ، ولا يرد في بال أحدهم هذا الادّعاء على الإطلاق .
والحاصل: إنّ التسمية لم تحمل بُعداً عقائدياً إلى عصور متأخّرة، فعلى سبيل المثال نجد من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)ومن بعدهم من أصحاب الأئمة(عليهم السلام)مَن يسمّى بمعاوية ويزيد و...، وكذلك تجد من سفراء الإمام الحجة(عليه السلام)من إسمه عثمان، وكذلك نجد من المخالفين لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)من يحمل أسماء الأئمة(عليهم السلام)، ممّا يكشف عن أنّ التسمية لم تكن تحمل بعداً عقائدياً.
ولنتجاوز هذا ونقول : لو نظرنا إلى الأوضاع المزرية والتضييق الذي لحق الشيعة في تلك الأيّام ، فإنّنا سندرك أنّ الأئمّة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام)قد أُجبروا على تصرّفات معيّنة بهدف الحفاظ على الشيعة
وتجنيبهم تلك الويلات وهي تصرّفات ـ قطعاً ـ جائزة شرعاً .
ومن جملة تلك التصرّفات أنّهم(عليهم السلام)قد وضعوا أسماء الخلفاء على أبنائهم ، أو أنّهم قاموا بعقد علاقات عائليّة مع بعض كبار الصحابة عن طريق الزواج ، حتّى يقلّلوا من تلك الضغوطات ، ولئلاّ تتمكّن آلة الظلم الأمويّة والعبّاسيّة من استغلال معارضة الأئمّة(عليهم السلام)للخلفاء الثلاثة للضغط على شيعة أهل البيت والإمعان في قتلهم وسحقهم ، خصوصاً وأنّ المجتمع الإسلامي آنذاك كانت تسيطر البساطة والسذاجة على أفراده .
السؤال 4
بعد قتل عثمان هبّ الناس إلى بيت عليّ وطلبوا مبايعته ، والشيعة يقولون إنّ عليّاً قال لهم : «دعوني والتمسوا غيري» فإذا كان عليّ هو الخليفة فلماذا يأمرهم بالتماس غيره ؟
الجواب :إن خلافة علي للنبي تتصور بالصورتين التاليتين:
1 ـ الخلافة بالنصّ : ويتمّ تعيينها من قِبل الله تعالى ، وهي بهذا المعنى ليست قابلة للفسخ أو الرفض ، وهي كالنبوّة من جهة كونها وظيفة إلهيّة توضع على عاتق الشخص المختار من قبل الله تعالى .
2 ـ الخلافة بالانتخاب : أي انتخاب الخليفة من قِبل الناس.
وإنّ الّذي رفضه الإمام(عليه السلام)هو القسم الثاني، لأنّه(عليه السلام)قد فهم القضية فهماً موضوعياً وعرف أنّ الانحراف الّذي حصل خلال الفترة المنصرمة لابدّ
من التصدّي له وإصلاحه، وهذا التصدي يحتاج إلى مواجهة من النفعيين من جهة وإعداد الأُمّة من جهة ثانية، فلذلك وضع الأُمّة أمام الأمر الواقع مبيناً لهم خطورة الموقف وعظم المهمة التي ستقع على عاتقهم كي يتحملوا هذه المسؤولية عن وعي وفهم، ولكي لا يقال إنّ علياً(عليه السلام)قد خدعنا.
والشاهد على ذلك تعبير الإمام(عليه السلام)حيث قال:
«دَعُونِي وَالَْتمِسُوا غَيْرِي; فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ; لاَ تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ. وَإِنَّ الاْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالَْمحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ; وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ، وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!».[1]
إذاً إنّ الإمام(عليه السلام)في هذا الكلام بيّن جانباً من الحقائق والأوضاع الحاكمة على ذلك العصر ، كما بيّن أسلوبه ونظرته في إدارة الحكومة ، حيث إنّ جانباً من الأوضاع الحاكمة على حياة الناس في تلك الأيّام ، كانت عبارة عن :
1 ـ الانحراف التدريجي عن سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بعد مضيّ 23 سنة على التحاقه بالرفيق الأعلى ، مثل بدعة تفضيل العرب على العجم والموالي على العبيد في العطاء .
[1]نهج البلاغة : 1 / 181، الخطبة 92 .
2 ـ أسلوب عثمان المتمثِّل في التقسيم غير العادل لأموال بيت المال وتعيين أقاربه من بني أُميّة على المناصب المهمّة في الإمارات ، ممّا جعل المسلمين يثورون عليه ويقتلونه.[1]
3 ـ طمع مجموعة بالحصول على مناصب سياسية دعاهم إلى مبايعة الإمام عليّ(عليه السلام).
وهذا ما نراه في كلام طلحة والزبير حيث قالا له : نبايعك على أنّا شركاؤك في هذا الأمر ، [ : لا ، ولكنّكما شريكان في القوّة والاستعانة ، وعَونان على العجز والأَوْد.[2]
4 ـ إشاعة الأعداء بين الناس أنّ عليّاً(عليه السلام)يحرص على الحكومة.[3]
5 ـ وجود معاوية الذي امتلأ غيظاً وحقداً على الإمام(عليه السلام)بسبب القتل الذي تعرّض له أقاربه على يد الإمام عليّ(عليه السلام)في حروب المشركين على النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فوجد في قتل عثمان ذريعة للثأر من الإمام(عليه السلام)فاتّهمه بالمشاركة في قتله ، وبحجّة القصاص من قَتَلَة عثمان أطلق لنفسه العنان في الخروج على إمام زمانه ومحاربته.[4]
6 ـ تنبّأ الإمام(عليه السلام)قبل عشر سنوات حينما بُويع عثمان للخلافة
[1]راجع نهج البلاغة ، الخطبة 164 ; الملل والنحل للشهرستاني : 32 ـ 33 .[2]نهج البلاغة ، الكلمات القصار، برقم 202 .[3]نهج البلاغة ، الخطبة 172 .[4]لاحظ : نهج البلاغة ، الكتاب رقم 10 و 28 و 64 .