بحدوث فتنة[1]، والآن بعد مقتل عثمان فإنّ الإمام يصرّح أنّه يرى ذلك بشكل واضح تهتزّ له القلوب والعقول .
وأُمور أُخرى من هذا القبيل أوجبت على الإمام بيان الحقيقة للناس والظروف الخطيرة التي تنتظرهم بدون مجاملة ، حتّى لا يُبقي لهم أيّ ذريعة أو حجّة يحتجّون بها عليه ، بعد مبايعتهم له ، لذلك أكّد على هذه النكتة في ما بعد قائلاً :
«لم تكن بيعتكم إيّاي فلتة . . .»[2]; يعني أنّ بيعتهم له لم تكن بدون تفكير وتأمّل منهم حتّى ينقضوها بل كانت بإرادتهم الكاملة .
ولذا ذكر أمير المؤمنين(عليه السلام)سبب سكوته بعد واقعة السقيفة وسبب قبوله للخلافة بعد مقتل عثمان بقوله : «فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم»[3].
[1]شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 1 / 195 .[2]نهج البلاغة ، الخطبة 136، والكتاب رقم 54 .[3]نهج البلاغة ، الكتاب رقم 62 ، كتابه(عليه السلام)إلى أهل مصر، مع مالك الأشتر لمّا ولاّه إمارتها.
السؤال 5
إذا كانت فاطمة(عليها السلام)قد ظُلمت من قِبل الخلفاء ، لماذا لم يُدافع عنها زوجها وهو البطل المعروف بشجاعته؟
الجواب :إنّ عدم دفاع الإمام عن حقّه ليس أمراً مسلّماً، ولم يدلّ عليه دليل .
فقد قام الإمام(عليه السلام)بالدفاع عن حرمة بيته عملاً بواجبه الشرعي ، إلاّ أنّ الدفاع في ذلك اليوم لم يتّخذ شكل الحرب وإراقة الدماء لأنّ مصلحة الإسلام اقتضت ذلك ، ولو أنّه شهر السيف ووقف معه بنو هاشم ومجموعة من الصحابة الذين عقدوا له البيعة يوم غدير خمّ في وجه الخلفاء وأنصارهم لانقسم المسلمون إلى فريقين ، ولانهدّ أصل الإسلام ، وقد حدث أن جاء أحد المنافقين في زيّ الُمحبّ المُشفق إلى عليّ(عليه السلام)وقال له : يا أبا الحسن أبسط يدك حتّى أُبايعك ، وقائل هذه الجملة هو أبو سفيان العدوّ اللّدود للإسلام . إلاّ أنّ أمير المؤمنين كان مطّلعاً على دخيلة أمره ، في أنّه يريد إيقاع أهل بيت النبيّ في حرب داخليّة بالمدينة ، ولذلك أجابه(عليه السلام)بقوله :
«إنّك والله ما أردت بالإسلام إلاّ الفتنة ، وإنّك والله طالما بغيت الإسلام ، لا حاجة لنا في نصيحتك».[1]
هنا أريد أن ألفت نظر السائل (إن كان هناك سائل) إلى أنّه ليس الشجاع
[1]تاريخ الطبري : 2 / 449، حوادث السنة الخامسة عشر للهجرة .
من يشهر السيف في كلّ المواضع، وإنّما الشجاع هو الذي يعمل بواجبه ووظيفته ، فكم من شجعان ليس لهم استعداد لسماع قول الحقّ ، كما هو حال جامع الأسئلة.
وقد مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بقوم يتشايلون حجراً ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : نختبر أشدّنا وأقوانا ، فقال : ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟ قالوا : بلى يارسول الله ، قال : «أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يُدخله رضاه في إثم ولا باطل ، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ ، وإذا ملك لم يتعاط ما ليس له بحقّ».[1]
وتاريخ الإسلام يشهد على أنّ شجرة الإسلام لم تضرب بجذورها في قلوب بعض الصحابة ، بل إنّ أغصانها لا زالت غضّةً طريّة يمكن زوالها مع أوّل ريح تهبّ . لذلك قال النبيّ(صلى الله عليه وآله)لعائشة : «لولا أنّ قومك حديثٌ عهدهم بالجاهليّة لهدمت الكعبة ثمّ لجعلت لها بابين»[2]. ونحن لا نعرف شخصاً أشجع من رسول الله(صلى الله عليه وآله)فهو لا يرى توفّر الظروف المناسبة لذلك العمل ، فمراعاة الظروف المحيطة هو دأب رسول الله(صلى الله عليه وآله)وكذلك عليٍّ(عليه السلام)، فهل كان يصحّ إشعال نار حرب داخليّة في المدينة مع ارتداد بعض المسلمين؟!
فهؤلاء الذين ينتظرون من عليّ(عليه السلام)البطل أن يحمل سيفه ويقطع رؤوس المخالفين بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، كما حمله في بدر والأحزاب وأُحد ، هؤلاء لم يبحثوا في تاريخ الإسلام، ولم يطّلعوا على ظروف ذلك الزمان .
[1]وسائل الشيعة : 15 / 361 ، الباب 53 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1 .[2]مسند أحمد : 6 / 176 .
يضاف إلى هذا: يمكننا أن نقول إذا ثبت أنّ الاعتداء على بيت فاطمة(عليها السلام)قد حصل بالأدلّة القطعية التي نقلها الفريقان، فلا مجال للاستبعادات المزاجية التي لا تقوم على دليل أو برهان. هذا من جهة ومن جهة ثانية نحن نعلم أنّ دراسة القضية خارج نطاقها الموضوعي ليس بالأمر الصحيح فإنّ سكوت الإمام ـ إن صحّ ـ لابد أن يدرس من جميع الأبعاد لا من بُعد واحد، كما هو واضح.
السؤال 6
الكثير من كبار الصحابة تربطهم علاقات مصاهرة بآل بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)، ألا يُعدّ ذلك دليلاً على وجود علاقة محبّة ومودّة بينهم ؟
الجواب :ألفِتُ انتباه السائل إلى نكتتين :
1 ـ إنّ السائل من خلال طرحه لهذا السؤال يكشف عن أنّ له تفكيراً قبليّاً ، لأنّه يقول إنّ المصاهرة الحاصلة بين الصحابة وأهل البيت(عليهم السلام)دليلٌ على المحبّة والأُلفة الكاملة بينهم . وهذه عادة قبليّة منتشرة بين قبائل العرب ; وهي أنّ الزواج علامة على المحبّة والأُلفة بين القبيلتين . والحال أنّ الاختلاف بين أهل البيت وبعض الصحابة ـ وليس كلّ الصحابة ـ لم يكن اختلافاً قبليّاً ، بل كان اختلافاً عقائديّاً وسلوكياً لا يزول بمجرّد التزاوج بين بعض الأحفاد أو أبناء الأحفاد .
وبتعبير آخر : لو كان اختلاف أهل بيت الرسالة مع الفِرق الأُخرى اختلافاً سياسيّاً أو ماديّاً لكان إنشاء علاقة مصاهرة أو نسب من شأنه أن يُقرّب بين الفريقين ويزرع الأُلفة بينهما .
إنّ اختلاف بعض الصحابة مع قائد الأُمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله)مبنيّ على أمر أساسيّ ، لا يمكن أن يزول بحصول بعض الزيجات ، والدليل على ذلك أنّه لا يزال باقياً إلى يومنا هذا .
إذن زواج شخصين أو ثلاثة من أبناء الحسن أو الحسين(عليهما السلام)ببعض أحفاد الخلفاء أو أتباعهم ليس دليلاً على الاتفاق معهم في جميع المسائل ; عقائديّة كانت أم سياسيّة أم فقهيّة ، ففي العراق مثلاً : يكثر الزواج بين العوائل السنّية والشيعيّة لكنّه لا يدلّ إطلاقاً على أنّ عائلة أحد الزوجين تقبل عقيدة العائلة الأُخرى بمجرّد ذلك الزواج ، كما أنّ الخليفة الثالث كانت له امرأة مسيحيّة باسم «نائلة» فهل يكون هذا مؤشّراً على أنّه صار مسيحيّاً بزواجه منها ؟[1].
2 ـ إنّ الزواج بين أحفاد الصحابة قائم على أصل قرآني وهو:(أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)[2]، بمعنى أنّه إذا اعتدى أقارب الزوج أو الزوجة على أهل بيت النبوّة وقاموا بظلم بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله)فذلك لا يعدّ سبباً لإشراك أحفادهم وأحفاد أحفادهم في ذلك الظلم ; لأنّ كلّ إنسان مسؤول عن أعماله .
[1]البداية والنهاية : 7 / 173 .[2]النجم : 38 .
ولقد مرّ في جواب السؤال الثالث أنّنا ذكرنا أنّ الأئمّة المعصومين كانوا يضعون أسماء الخلفاء لأبنائهم ، وفي بعض الحالات كانوا يقبلون ببعض الزيجات بُغية التقليل من الضغط والتضييق .
والحاصل: أنّ هذه العلاقات والروابط لا يمكنها أن تدلّ على وحدة العقيدة وانسجام الفكر .
ثم إنّه لمن السذاجة معالجة الأُمور الدقيقة والخلافات المعمقة بهذه الأدلّة السطحية التي لا تقوم على دليل راسخ، بل الواقع التاريخي للمسلمين يكذبها، فكم من واقعة وجدنا الأخ يقف بوجه أخيه والابن بوجه أبيه و... فهذا الزبير يقود الجيوش لمحاربة ابن خاله أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وهذا محمد بن أبي بكر يقف إلى جنب أمير المؤمنين(عليه السلام)بوجه أخته عائشة في معركة الجمل .
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى أنّ الانحراف بالمسألة عن مسارها الطبيعي وتصوير القضية بأنّ الشيعة تدّعي أنّ الصحابة لا تحب أهل البيت(عليهم السلام)وتكن لهم العداء، يُعد انحرافاً عن البحث الموضوعي، لأن معتقدات الشيعة في واقع الحال يدور بحثها ونقاشها حول البحث عن الحجّة الشرعية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبما أنّهم قد ثبت عندهم بالدليل القاطع أنّ الحجة المنصوب من قبل الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الإمام علي(عليه السلام)وعترته الطاهرين(عليهم السلام)، من هنا يرون أنّ كل تجاوز على مقام الحجة ودفعه عن مرتبته التي رتبه الله فيها يُعد اعتداء على الدين وانحرافاً عن قيم الرسالة ومخالفة لأوامر رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم).
السؤال 7
يعتقد الشيعة أنّ أئمّتهم يعلمون الغيب ، فلو صحّ ذلك ألا يُعدّ شرب الإمام للسمّ نوعاً من الانتحار ؟
الجواب :إنّ الشهادة في سبيل الله واختيار الموت الأحمر من الإمام هو نوع من أداء التكليف ، بل هو عين التسليم لمشيئة الله تعالى . فالحسين بن عليّ(عليهما السلام)سلك طريق كربلاء مع علمه التام بأنّه سيُقتل ; لأنّ الشهادة كانت بالنسبة إليه تكليفاً، حتّى يطّلع المسلمون على حقيقة الأمويّين ويزول ذلك الوضع السيّىء، ويكون قد أحيا روح الجهاد ضدّ حكّام الجور ، فحاكم مثل يزيد الّذي ينكر الوحي ويشكّك في النبوّة ويقوم بالانتقام لأسلافه في حروب بدر وأحُد ، وهو القائل :
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل
لستُ من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
ليت أشياخي ببدر شهِدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل[1]
فمثل هذا الحاكم يجب القيام بوجهه والثورة عليه وبيان انحرافه عن الإسلام الصحيح.
[1]روضة الواعظين: 191 ; الاحتجاج: 2 / 34 ; تاريخ الطبري: 8 / 187 .
وفي مواجهة الحكومة الجائرة لابدّ للإمام مع العلم القطعي بموته ، من قبوله للشهادة والعمل بتكليفه ووظيفته ، هذا كله حول ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)وأمّا شهادة سائر الأئمة بالسمّ فالإجابة عن ذلك بوجهين:
الأوّل: إنّ عمليات الاغتيال بالسمّ التي تعرّضوا لها كان نتيجة لجهادهم باللِّسان والقلم ضدّ الظَلَمة وخلفاء الجور . ولو أنّهم آثروا السلامة بالتخلّي عن هذا الجهاد ، لكانوا قد أعطوا الفرصة للأعداء المترصّدين لهم للقضاء على الإسلام ، لذلك عندما يُقال إنّ شهادتهم وموتهم كان باختيارهم فالمقصود هو هذا ، أي محاربة الظالمين باختيارهم مع علمهم بالنتيجة الحتميّة المتمثّلة في القتل والتسميم ، ولو وضعوا يداً على يد ، وباركوا أعمال الظَلَمة من خلفاء الأمويّين والعبّاسيّين لاستحال عليهم نيل تلك الشهادة .
إنّ حياة الأئمّة(عليهم السلام)لم تكن حياةً إنزوائيّة إنعزاليّة ، فهم كانوا يقومون بأداء وظائفهم من تبيين الأحكام وبيان العقائد وفضح ظلم الحكام، حيث كانت النتيجة الحتميّة لذلك هو قتلهم وتسميمهم ، وهم قد قبلوا ذلك بكامل اختيارهم لضمان النجاح والتقدّم لمقاصد الإسلام ، وهذا هو المقصود من اطلاعهم على شهادتهم .
والثاني: هو أنّ تمكّن الإمام من العلم بالغيب ليس علماً حضورياً بل هو علم حصولي يتوقف على مشيئته فإن شاء علم، مثل ذلك مثل من يحمل معه رسالة، فهو يستطيع في أيّ وقت أن يفتحها ويطّلع على مضمونها، فإن لم يفتح لا يقف على مضمونها. فإذا وافتهم المنية بالسم وغيره، فإنّما هو لأجل عدم رغبتهم في الاطلاع على الغيب .