الكوفة له ، وكان(عليه السلام)يُجيبهم بقوله : «إنّي لم أخرج أشراًولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».[1]
السؤال 156
تدّعي الشيعة أنّ سبب اختفاء إمامهم الثاني عشر هو خوف القتل ، فيُقال : ولماذا لم يُقتل مَن قبله من الأئمّة ؟ وهم يعيشون في دولة الخلافة ، وهم كبار ، فكيف يُقتل وهو طفلٌ صغير ؟
الجواب :هذا السؤال مكرّر[2]، وقد ذكرنا سابقاً أنّ علّة اختفاء الإمام(عليه السلام)لا تنحصر في الخوف من الأعداء فقط ، بل لعدم توفّر شروط الظهور والّتي هي:
أوّلاً : يجب أن يصل المجتمع العالمي إلى حدٍّ يملّ فيه من الحكومات البشريّة والقوانين الوضعيّة ، فيصبح عندئذ متطلّعاً إلى يوم تتحقّق فيه العدالة ، بفتح من الله تعالى عليهم ، وعند ذلك سيأذن الله تعالى
[1]بحار الأنوار: 44 / 329 .[2]انظر السؤال رقم 26 .
للإمام بالظهور ، ويأمره بإقامة العدل والحكم بالقسط .
ثانياً : لم يقرأ جامع الأسئلة صفحة واحدة من تاريخ الأئمّة السابقين ، حيث قتل أكثرهم ـ إن لم يكن جميعهم ـ إمّا بالسيف وإمّا بالسمّ بأيدي الخلفاء الظَّلَمة .
هذا ما يتعلق بسائر الأئمة(عليهم السلام)، وأمّا ما يخصّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فإنّ الحكام العباسيين الظلمة قد بلغهم أنّه سيولد من صلب الحسن العسكري(عليه السلام)من يزيل عروش الظالمين ويؤسس حكومة إلهية عادلة.
ولذلك صمّموا على إطفاء نور الله تعالى، كما صمّم فرعون القضاء على نبي الله موسى(عليه السلام)ولذا كانوا يترقبون ولادته للقضاء عليه، ولما توفّي الإمام العسكري خلال حكومة المعتمد العباسي حاصروا جميع البيوت العائدة لأهل البيت وفتشوها حتّى يُلقوا القبض على ولده، ويضعوا خاتمة لحياته، إلاّ أنّهم فشلوا في العثور عليه، وأنجاه الله تعالى منهم، كما أنجى المسيح من يد اليهود.
وبما ذكرنا ظهر بطلان ما قاله السائل: كيف يُقتل وهو طفل صغير؟
السؤال 157
يدّعي الشيعة أنّهم يعتمدون في الأحاديث على ما صحّ عن طريق أهل البيت ، لأنّهم يعدّون الواحد من الأئمّة(عليهم السلام)كالرسول(صلى الله عليه وآله)لا ينطق عن الهوى ، وقوله كقول الرسول(صلى الله عليه وآله)، ولذلك يندر وجود أقوال الرسول في كتبهم ، لأنّهم اكتفوا بما جاء عن أئمتهم؟
الجواب :انّ أئمة أهل البيت هم عيبة علم الرسول وأحد الثقلين فالعمل بقولهم عمل بقول الرسول حيث جعل قولهم حجة وعدلاً للقرآن الكريم.
ومن حسن الحظ أنّ أئمة أهل البيت صرحوا في كلامهم بأنّ أحاديثهم تتصل برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن طريق آبائهم فلو قالوا: كل شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر، فقد وصلهم ذلك عن طريق آبائهم عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد قال الإمام الصادق(عليه السلام): حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين(عليه السلام)، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحديث رسول الله قول الله عزوجل .[1]
هذا أوّلاً وثانياً: أنّ الجوامع الحديثية الشيعية كما احتوت على روايات
[1]أُصول الكافي: 1 / 53، باب رواية الكتب، الحديث 14 .
أهل البيت كذلك اشتملت على أحاديث الرسول الّتي وصلتهم موصولة مسندة إما عن طريق أئمة أهل البيت أو عن طريق غيرهم.
وقد قام غير واحد من علمائنا بإفراد كتاب في جمع الروايات الّتي وصلت إلينا مسندة عن نفس الرسول بأحد طريقين، ومع ذلك كيف يمكن لجامع الأسئلة أن يقول: يندر وجود أقوال الرسول في كتبهم؟!
ولكن ماذا يقول جامع الأسئلة في مشايخه وعلمائه الذين جعلوا كلامهم حجّة بدعوى أنّه من «السلف» دون وجود صلة بين الرسول(صلى الله عليه وآله)وبين كلام السلف ، وحتّى آراء الصحابة التي لا تنتمي لرسول الله ولم ينقلوها عنه ، يتّخذها ـ السلفيّون ـ مصدراً فقهيّاً لهم ، وجعلوا في كتبهم عناوين أمثال «سنّة أبي بكر» و«سنّة عمر بن الخطّاب» و«سنّة عثمان» بشكل يسحر العيون ، فإذا كان الواقع أنّ كلامهم هو كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله)فقولوا إنّها «سنّة النبيّ» وإذا كان كلامهم غير كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله)فكيف تعملون بها كسنّة ؟! وهل هناك نبيّ خاتم، غير خاتم الأنبياء والرسل؟!
إنّكم صنعتم مذهباً باسم مذهب السلف في مقابل الإسلام ، وأعطيتم كلّ الحقّ للسلف ، وسلبتم من الآخرين الحق في أيّ نوع من التفكير والاجتهاد .
السؤال 158
يعتمد الشيعة على ما جاء عن طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ـ كما يزعمون ـ ، ومعلوم أنّه لم يدرك أحدهم الرسول(صلى الله عليه وآله)وهو مميّز سوى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فهل سيتمكّن من نقل كلّ سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)للأجيال من بعده ؟ كيف ذلك ؟ وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يستخلفه في بعض الأحيان أو يبعثه ، ممّا يدلّ على أنّه لم يكن مرافقاً للرسول(صلى الله عليه وآله)طوال وقته ؟ أيضاً: كيف سيستطيع علي(عليه السلام)نقل أحوال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في بيته الّتي اختصت بنقلها أزواجه؟!.
إذاً فعلي وحده لن يستطيع نقل جميع سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إليكم؟
الجواب :كتبنا فيما سبق منابع علم الأئمّة(عليهم السلام)، حيث إنّه لا ينحصر منبع علمهم في السماع من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بل يوجد طريق الاستنباط من كتاب الله وهو أحد مصادرهم . وأمّا سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)فسواء أكانت عن طريق عليّ(عليه السلام)أو عن طريق أشخاص ثقات فهي أيضاً من مصادر الاستنباط عندهم .
هذا وانّ جامع الأسئلة قاس أئمة أهل البيت وأعدال الكتاب العزيز برواة الأحاديث ونقلة الروايات، فرتّب عليه ما رتّب، وغفل عن أنّ لهم
مصدراً آخر لعلمهم وهو العلم الموهوب من الله سبحانه لهم، إذ ربّما تشمل عناية الله سبحانه بعض عباده الصالحين فيجعلهم علماء فهماء من عنده، من دون أن يدرسوا على أحد، وهذا ليس بأمر غريب وله نظائر :
1. انّه سبحانه يصف مصاحب موسى(عليه السلام)بقوله:(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)[1]، فقد ذكر سبحانه في حقه أمرين:
أ.(آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا).
ب.(عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا).
فنالته رحمة الله وعنايته فصار عالماً بتعليم منه سبحانه، من دون أن يكون نبياً، بل كان إنساناً مثالياً وولياً من أولياء الله سبحانه بلغ من العلم والمعرفة مكانة دعت موسى ـ وهو نبي مرسل ـ إلى أن يطلب العلم منه حيث خاطبه بقوله:(هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)[2].
2. انّه سبحانه أعطى لجليس سليمان(عليه السلام)علماً من الكتاب أقدره ذلك العلم على خرق العادة، كما وصفه سبحانه بقوله:(قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَاَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي )[3]، وهذا الجليس لم يكن نبياً ولكن كان عنده علم من الكتاب. وهو لم يَنلْه بالطرق العادية الّتي يتدرج عليها الصبيان والشباب في المدارس
[1]الكهف: 65 .[2]الكهف: 66 .[3]النمل: 40 .
والجامعات، بل كان علماً إلهياً أفيض عليه لصفاء قلبه وروحه.
ما ذكرناه نماذج لمن شملتهم العناية الإلهية فصاروا علماء فقهاء حكماء من عند الله تبارك وتعالى.
فلنعطف نظرنا إلى الأئمة الاثني عشر فبما أنّهم قد أُنيطت بهم عزة الدين كما في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إذ قال: «لا يزال الإسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» وهو ما رواه مسلم في صحيحه.[1]
كما أُنيطت بهم الهداية كما في حديث الثقلين حيث قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» فأئمة أهل البيت ليس بأقل شأناً ومكانة من مصاحب موسى أو جليس سليمان، فأي وازع من أن يحيطوا بسنن النبي وعلوم الشريعة بعلم موهوب من دون أن يكونوا أنبياء بل إنّهم عيبة علم الرسول ورواة سننه بواسطة هذا المنهج.
وربّما يعبر عن أسباب العلم الموهوب بكون الرجل محدَّثاً ـ بفتح الدال ـ وقد استفاضت الروايات بوجود رجال محدَّثين في الأُمّة الإسلامية يُلهَمون ويُلقى في روعهم شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى، أو أن تُنكت لهم في قلوبهم حقائق تخفى على غيرهم.
وقد حفلت المصادر الحديثية بالعديد من الروايات المؤيدة لهذه الحقيقة[2].
[1]صحيح مسلم: 6 / 3 ، كتاب الأمارة، برقم 4601 ـ 4603 .[2]انظر: صحيح البخاري: 4 / 200، باب مناقب المهاجرين وفضلهم ; وإرشاد الساري للقسطلاني: 6 / 99 ; وج 5 / 431 ; وشرح صحيح مسلم للنووي: 15 / 166 .
هذا والتاريخ أصدق شاهد على علومهم في مجالي العقيدة والشريعة فقد رجعت إليهم الأُمّة، وعلى رأسهم الفقهاء في القرون الثلاثة، وأشادوا بعلوّ كعبهم في العلم والفقه، من غير فرق بين الأئمة الأربعة وغيرهم .
أمّا عن أمير المؤمنين(عليه السلام)فإنّه على مدى 23 سنة ، كان ملازماً للنبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يفارقه أبداً ، إلاّ في غزوتين اثنتين أو حينما أرسله النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلى اليمن من أجل التبليغ ، ولكن للأسف فإنّ كتبكم الستّة لم تنقل عن عليّ(عليه السلام)سوى قرابة 500 حديث ، وفي الوقت نفسه نقلت عن أبي هريرة 5000 حديث! وهو لم يصحب رسول الله(صلى الله عليه وآله)سوى ثلاث سنين أو أقلّ ، فأيّهما أقرب إلى الصواب ؟!
السؤال 159
لقد وجدنا أنّ جُلّ بلاد المسلمين بلغهم العلم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)من غير طريق عليّ(عليه السلام)وأهل بيته(عليهم السلام)؟ فقد بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله)أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام ، ويعلّم الأنصار القرآن ، ويفقّههم في الدِّين ، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك ، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن ، وبعث عتاب بن أُسيد إلى مكّة ، فكيف تقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)إلاّ رجلٌ من أهل بيته ؟
الجواب :أمّا القول بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قد أرسل هؤلاء إلى الأماكن المختلفة