فهذا ليس محلّ خلاف ، ويلزم أن نضيف إليه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان قد أرسل عليّاً(عليه السلام)إلى اليمن لأجل القضاء ، وهذه الأُمور ليست محلّ كلام وبحث ، وإنّما المهمّ هو الكذب الذي جاء في آخر كلام جامع الأسئلة ، حيث يقول: إنّ الشيعة يقولون إنّه لا يبلّغ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)سوى رجلٌ من أهل بيته، ففي أيّ كتاب جاء ذكر هذا الأمر ؟!
إنّ جامع الأسئلة ليس له أدنى اطّلاع لا بالتاريخ ولا بسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وحقيقة الأمر هي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)ذكر هذا في مورد خاصّ وهو ما يتعلّق برفض الأمان عن المشركين بقراءة آيات من أوائل سورة البراءة في موسم الحج .
أجمع المفسرون ونقلة الأخبار أنّه لمانزلت سورة براءة، دفعها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أبي بكر وبعثه وأمره أن يقرأ عشر آيات من أوّل هذه السورة في موسم الحج، وأن ينبذ كل ذي عهد عهده، ثم بعث عليّاً خلفه ليأخذها ويقرأها على الناس.
فخرج علي(عليه السلام)على ناقة رسول الله العضباء حتّى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، فأخذها منه ورجع أبو بكر إلى المدينة فقال: هل نزل فيّ شيء فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لا، إلاّ خيراً، ولكن نزل جبرئيل وقال: لايؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني.
هذا هو إجمال القصة ومن المعلوم أنّ كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)خاص بهذه الحادثة الّتي يرفع فيها الأمان عن المشركين وينقض كل ذي عهد عهده، وهذا عندما ظهر من المشركين خيانة ونقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم.
وبما أنّ هذه الحادثة تشتمل على أعمال ذات طابع سياسي حكومي فهي إشارة من النبي للمسلمين بأنّ الأعمال الحكومية يجب أن يتصدى لها النبي أو رجل منه وهو ليس إلاّ الإمام علي(عليه السلام)، ولم يكن ما بلّغه الإمام عن النبي رواية أو حكماً شرعياً حتّى يصح أن يتحمّله أيّ واحد من الناس.
وقد ذكر هذا الأمر أغلب المفسِّرين في تفسيرهم لأوائل سورة التوبة ، وعدّها البعض منهم واحدة من موارد فضائل عليّ(عليه السلام)، بينما ذهبت شرذمة بتوجيه هذه الواقعة لئلاّ ينتقصوا من مقام أبي بكر[1]، وما على القرّاء الأعزّاء إلاّ مراجعة تفسير الفخر الرازي ، والمنار ، وتفسير الطبري، ومن كتب الحديث: الدرّ المنثور .
السؤال 160
يعترف الشيعة في كتبهم أنّهم لم يبلغهم علم الحلال والحرام ومناسك الحجّ إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر ، وهذا يعني أنّه لم يبلغهم عن عليّ(عليه السلام)شيءٌ في هذا ؟
الجواب :ما نقله جامع الأسئلة عن الشيعة أنّه لم يبلغهم علم الحلال والحرام إلاّ عن طريق أبي جعفر الباقر، كذب وافتراء على الشيعة.
لأنّ الشيعة الأوائل كانوا ملتفين حول الإمام علي والحسنين والإمام
[1]خصائص النسائي : 84 ، الحديث 73; وسنن الترمذي : 5 / 275، الحديث 3090 ; مستدرك الحاكم : 4 / 178، وغيرها .
زين العابدين يصدرون عن علومهم ويأخذون الحكمة من أفواههم حسب ما تسمح به الظروف. وهذه كتبهم تطفح بالكثير من الروايات عنهم(عليهم السلام).
نعم الّذي علّم الناس كيفية حج النبي ومناسكه هو أبو جعفر الباقر كما روى ذلك مسلم في صحيحه[1]ناقلاً ذلك عن جابر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه أيضاً حقيقة صرح بها أبوحنيفة وقال: «لولا جعفر بن محمد ما علم الناس مناسك حجّهم»[2].
السؤال 161
يقول الشيخ المامقاني : «تشرّف الرجل برؤية الحجّة ـ عجّل الله فرجه وجعلنا في كلّ مكروه فداه ـ بعد غيبته ، فنستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة» . فلماذا لا نجري هذا الحكم على من رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟
الجواب :سمع جامع الأسئلة أنّ القياس هو أحد منابع الاستنباط ـ عند قومه ـ ولكنّه لم يعلم ما هو شروط القياس الصحيح حتّى يميزه عن القياس الباطل ؟
فمن الواضح أنّ قياس هاتين الرؤيتين غير صحيح ، وأنّ التفاوت بينهما كبير ، فرغم أنّ مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله)أعلى من مقام وليّ العصر والزمان (عجل
[1]صحيح مسلم: 4 باب حجة النبي: 39 ـ 43 ; سنن أبي داود: 2 / 182، الحديث 1905.[2]من لا يحضره الفقيه: 2 / 519، برقم 3112، باب نوادر الحج.
الله فرجه) ، إلاّ أنّ رؤية النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم تكن محفوفة بأيّ شرط من الشروط ، فالعادل والكافر والفاسق والمنافق كلّهم وفّقوا لرؤيته(صلى الله عليه وآله)، أمّا فيما يخصّ رؤية الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فإنّها غير ممكنة في الظروف الطبيعيّة، لأنّه سبحانه أخفاه عن أعين عامة الناس ، فإذا تسنّى لشخص رؤيته (عجل الله فرجه) فهذا يحكي عن أنّ الشخص قد بلغ من الكمالات الروحية درجة عالية رزقه الله سبحانه لأجلها، رؤية وليّه.
السؤال 162
يردّ الشيعة رواية من أنكر إماماً من أئمّتهم ، فردّوا روايات الصحابة لأجل هذا ، ثمّ نجدهم لا يفعلون ذلك مع مَن أنكر بعض أئمّتهم . فقد أكّد الشيخ الحرّ العاملي على أنّ الإماميّة عملت بأخبار الفطحيّة والواقفيّة والناووسيّة ، وكلّ هذه الطوائف تذكر بعض أئمّة الشيعة الاثنى عشريّة ، ومع ذلك يعدّون بعض رجالها ثقات ؟
الجواب :انّ الميزان في العمل بخبر الواحد أحد أمرين:
1. إمّا أن يكون الراوي ثقة في الحديث وضابطاً في النقل بحيث يثبت أنّه لا يكذب .
2. كون الخبر موثوقاً بصدوره وإن كان الراوي غير ثقة.
وعلى كل تقدير فالميزان هو أحد الأمرين فلو عملت الشيعة بخبر
الفطحية أو الواقفية فإنّما تعمل به فيما لو ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم في الرواية، وإلاّ فلا يعملون به.
ونظير ذلك روايات الصحابة فإذا ثبتت وثاقتهم في الحديث وضبطهم فالشيعة تعمل به.
كما أنّه لو ثبت كون الرواية موثوقاً بها لأجل قرائن تؤيدها يعمل بها من غير فرق بين راو، وراو ، فإذاً الصحابي والفطحي والواقفي في هذا الباب سواء، فالميزان أحد الأمرين، وبذلك ظهر كذب ما أسنده جامع الأسئلة إلى الشيعة، ومن حسن الحظ أنّ كتب الحديث الشيعية طفحت بروايات وردت عن الصحابة وقد عمل بها فقهاء الشيعة، يقف على ذلك كل من سبر كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسي، و «تذكرة الفقهاء» للعلاّمة الحليّ، وغيرهما من الكتب.
السؤال 163
يعتقد بعض علماء الشيعة بأنّ كتاب «الكافي» للكليني فيه الصحيح والضعيف والموضوع ، ومن المقرّر بين الشيعة أنّ هذا الكتاب قد عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فقال : «إنّه كاف لشيعتنا» .
الجواب :يعدّ كتاب الكافي كتاباً قيّماً ومهمّاً للعالم الإسلامي ، لأنّه يحتوي الروايات الصحيحة في باب المعارف والأحكام ، ولكن في نفس
الوقت هو ـ على خلاف غلوّ السلفيّين الذين يعتقدون أنّ صحيحي البخاري ومسلم لا يوجد فيهما أيّ حديث ضعيف أو موضوع ـ لا يخلومن الروايات الضعيفة ، وفي هذه دلالة على واقعيّة علماء الشيعة وموضوعيّتهم .
وأمّا ما جاء في ذيل السؤال من أنّ علماء الشيعة يقولون : إنّ هذا الكتاب عُرض على الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فهذا ليس إلاّ افتراءً محضاً، بل قول نسب إلى البعض وأنكره كثيرون فكيف يستدل بقول لم يعلم قائله ضد جمهور الشيعة .
أضف إلى ذلك انّ هذا الحديث لا يصح على إطلاقه لأنّنا قد أمرنا بالعمل بالكافي حسب الضابطة الّتي ذكرها الكليني في مقدمة الكتاب من عرض الروايات على كتاب الله فما خالفها يطرح .
فعلى ضوء هذه الضابطة يكون الكافي كافياً للشيعة ولا يعني ذلك صحة جميع رواياته.
السؤال 164
يقول الشيخ الهمداني في «مصباح الفقيه» : «إنّ المدار على حجّية الإجماع على ما استقرّ عليه رأي المتأخّرين ليس على اتّفاق الكلّ ، بل ولا على اتّفاقهم في عصر واحد ، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس» ، فهم يعرفون رأي الإمام الغائب(عليه السلام)المؤيّد للإجماع بالحدس ، وهذا تناقض ، حيث يجعلون حدسهم وظنّهم هو العمدة ، وإجماع السلف ليس بعمدة ؟
الجواب :جامع الأسئلة من الانترنت ليس له اطّلاع على المصطلحات الأُصوليّة لعلماء الشيعة ، وأصحاب المواقع الالكترونيّة الذين أرادوا أن يشكلوا على الشيعة شأنهم شأن جامع الأسئلة في عدم معرفة هذه المصطلحات.
إنّ المراد من : «الحدس» هنا ليس بمعنى التكهّن ، أو الظن وإنّما هو في مقابل الحسّ ، بمعنى أنّ تحصيل اليقين بقول الإمام له طريقان :
1 ـ الطريق الحسّي : ومثاله أنّ علماء المدينة في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)كلّهم قد اتّفقوا على فتوى معيّنة ، فهنا نقول إنّنا أحرزنا قول الإمام الصادق(عليه السلام)عن طريق الحسّ ; لأنّ الإمام واحدٌ من أُولئك العلماء ، بل وعلى رأسهم ، واتفاق الكل دالّ على رأيه هو أيضاً .
2 ـ الطريق الحدسي : وهو أن ينتقل الإنسان من مجموعة من المقدّمات إلى أن يصل إلى النتيجة على وجه اليقين ، بالرغم من كونه لم يسمع ذلك بأُذنه ولم يشاهده بعينه ، كما يُقال: إنّ نور القمر من نور الشمس ، وهذا يُعدّ من الحدسيّات ، والحدس هنا ليس بمعنى التكهّن بل بمعنى اليقين الّذي يصل إليه الإنسان عن طريق المقدمات غير الحسّية.
وفي المقام نقول : لو اتّفق علماء الشيعة ـ على مدى قرون ـ على حكم معيّن ، فإنّ الإنسان بإمكانه أن يحدس أنّه كان بحوزتهم دليلٌ قطعيّ ، وهم قد أفتوا اعتماداً على ذلك الدليل القطعي الذي وصلهم من الإمام ، وهذا ما يُسمّى عندهم بالإجماع الحدسي ، ويعني أنّ الإنسان بالرغم من عدم سماعه أو مشاهدته يمكنه الوصول إلى اليقين بوجود دليل شرعي لدى المجمعين عن طريق إجراء بعض الحسابات ، وأمّا إجماع السلف فإن أراد به اتفاق المسلمين على حكم شرعي فيؤخذ به من غير فرق بين إجماع السلف والخلف.
وإن أراد إجماع السلف حسب اصطلاحه فلا يؤخذ به لعدم تحقّق الإجماع مع مخالفة طائفة من المسلمين لهم .
ثم إنّ أكثر ما يعدّونه من إجماعات السلف لم يكن أمراً مجمعاً عليه بل كان أمراً متنازعاً فيه، إلاّ أنّ الظروف القاسية كسته ثوب الإجماع طرداً لغيرهم عن ساحة الحكم والحياة. والحديث ذو شجون :
فدع عنك نهباً صيح في حَجَراته *** وَلكن حديثاً ما حديثُ الرواحلِ