ولعلّه لا توجد وثيقة أصدق وأبلغ من كلام الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)، لرسم أبعاد المجتمع المتشتّت والمنقسم في تلك الأيّام ، وتبيّن مدى عجز العراقيّين عن الحرب في ذلك الزمان، فعندما كان الحسن(عليه السلام)في «المدائن» وهي أقصى نقطة تقدّم إليها جيشه لمواجهة معاوية ، قام بإلقاء خطبة جامعة مهيّجة للأحزان ، حيث قال بعد حمد الله عزّ وجلّ :
«إنّا والله ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فسُلبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في منتدبكم إلى صفّين ودينكم أمام دُنياكم ، فأصبحتم اليوم ودُنياكم أمام دينكم ، ألا وأنّا لكم كما كنّا ، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين ; قتيلٌ بصفّين تبكون عليه ، وقتيلٌ بالنهروان تطلبون بثأره ، فأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بظباء السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا» . فناداه القوم من كلّ جانب: البقية البقية ، فلمّا أفردوه[1]أمضى الصلح.[2]
فإنّ النظر إلى جيش كهذا فاقد لروح القتال ، كيف يمكن للإمام(عليه السلام)أن يدخل به في حرب مع عدوٍّ ماكر مثل معاوية ؟ وهل يبقى هناك أملٌ بالانتصار مع هذا الحال ؟
لقد كتب المؤرِّخون كتباً قيّمة حول موضوع صلح الإمام الحسن(عليه السلام)
[1]أفردوه : أي تركوه فرداً وحيداً .[2]أُسد الغابة : 2 / 17 .
ولكن للأسف أنّ صاحب هذا الكتيّب ليس له علمٌ بذلك ، ولذلك ننصح من يريد التعرّف على هذا الموضوع أن يقرأ كتاب «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين .
وهناك أمرٌ آخر نشير إليه هنا وهو أن عدم مقاتلة الحسن(عليه السلام)بذلك الجمع من جيشه كما قاتل أخوه الحسين(عليه السلام)بذلك العدد القليل من أصحابه (72 رجلاً) ، يعود إلى أنّ الإمام الحسن(عليه السلام)كان يعلم أنّ شهادته في تلك الظروف سوف لا تساعد على تغيير الأوضاع ، ولا تقود الناس للثورة على النظام الأموي الظالم ، لأنّهم لم يتعرفوا آنذاك على هذا النظام بشكل جيّد والرؤية عندهم لم تكن واضحة ، على خلاف وضوح الرؤية في عهد يزيد بن معاوية ومعرفة ظلمه وفجوره، ممّا دفع بالحسين(عليه السلام)بالثورة عليه ، فكانت شهادته سبباً حرّك العالم الإسلامي برمّته ، وأوجدت ثورات متعاقبة .
السؤال 9
نقل جامع الأسئلة حديثاً من أُصول الكافي ورد فيه ذكر «مصحف فاطمة» حيث أخذ لفظة المصحف بمعنى القرآن ، وقام بطرح أسئلة عديدة منها:
هل كان رسول الله والصحابة يعرفون قرآن فاطمة ؟
الجواب :إنّ السائل يتصوّر أنّ لفظة «مصحف» هي بمعنى القرآن في لغة العرب ، وكذا في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والحال أنّ لفظة «مصحف» أُخذت من
لفظة «صحيفة» وهي بمعنى مطلق الكتاب .
وقد جاءت هذه الكلمة في القرآن ، قال تعالى :(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)[1]. وقال سبحانه:(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الاُْولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)[2].
كما أنّ التاريخ شاهد على أنّ «المصحف» في صدر الإسلام كان يُطلق على الدفتر أو الكتاب المجلّد ، وحتّى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)لم يكن المصحف اسماً للقرآن بل كان اسماً لكلّ كتاب مجلَّد .
ينقل ابن أبي داود السجستاني في باب جمع القرآن في مصحف ، عن محمّد بن سيرين : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله)أقسم عليّ على أن لا يضع رداءه على عاتقه إلاّ لصلاة الجمعة حتّى يجمع القرآن في مصحف .
كما ينقل ابن أبي العالية : أنّهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر في مصحف . ونُقل أيضاً : أنّ عمر بن الخطّاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقُتل يوم اليمامة فقال : إنّا لله ، وأمر بالقرآن فجُمع ، وكان أوّل من جمعه في مصحف.[3]
وهذه الجمل المنقولة تحكي أنّ المصحف في تلك الأيّام بمعنى الكرّاس الكبير أو الكتاب المجلّد ، يوضع لحفظ الأوراق المبعثرة ، وبمرور الزمن أصبح المصحف مختصّاً بالقرآن .
والجدير بالذكر أنّ روايات أئمّتنا(عليهم السلام)تحكي أنّه حتّى في زمانهم كان
[1]التكوير : 10 .[2]الأعلى : 18 و 19 .[3]كتاب المصاحف ، تأليف الحافظ أبي بكر عبدالله بن أبي داود السجستاني : 16 .
لفظ المصحف بمعنى الكتاب والدفتر المكتوب .
يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره وخفّف عن والديه».[1]
وقال أيضاً : «قراءة القرآن في المصحف تُخفّف العذاب عن الوالدين وإن كانا كافرين».[2]
ونقل المؤرّخون حول ترجمة خالد بن معدان : الحمصي (المتوفّى 104 هـ ) ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه ، كان علمه في مصحف له أزرار وعرى.[3]
وخالد بن معدان من التابعين وقد أدرك سبعين صحابيّاً.[4]
إلى هنا يتّضح أنّه إلى آخر القرن الأوّل كان لفظ «المصحف» بمعنى الكتاب المجلّد ، والكرّاس المجلّد الذي يكتب فيه العلماء والمتعلِّمون علومهم ، فإذا سمّوا بعد ذلك القرآن مصحفاً ، فإنّه بسبب تبادر ذلك إلى أذهانهم بعدما كُتب في الأوراق ، وجُمع على شكل كتاب مجلّد .
وبالالتفات إلى ما ذكرنا ، يزول ذلك العجب من أن يكون لبنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)مصحف جمعت فيه علومها لتتركه لأبنائها من بعدها كأفضل ميراث وأعزّ ذكرى .
[1]أُصول الكافي : 2 / 613 .[2]نفس المصدر .[3]تذكرة الحفاظ: 1 / 93 .[4]اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير : 3 / 123.
ومن حسن الحظّ فإنّ أبناء فاطمة(عليها السلام)يعرفون حقيقة هذا المصحف ; فذكروا أنّه ليس إلاّ قسماً من الأخبار التي سمعتها(عليها السلام)من أبيها(صلى الله عليه وآله)ومن الملائكة «لأنّها محدَّثة» وليس شيئاً آخر .
ولنذكر بعض الروايات في ذلك :
عن أبي بصير قال : دخلت على أبي عبدالله(عليه السلام). . . . إلى أن قال : «وإنّ عندنا لمصحف فاطمة(عليها السلام)وما يدريهم ما مصحف فاطمة(عليها السلام)؟» قال : قلت : وما مصحف فاطمة ؟ قال : «مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، والله ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحد» ، قال : قلت : هذا والله العلم ، قال : «إنّه لعلم وما هو بذاك».[1]
وروى أبو حمزة عن أبي عبدالله(عليه السلام)أنّه قال : «مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله ، وإنّما هو شيء أُلقي إليها بعد موت أبيها صلى الله عليهما».[2]
فظهر ممّا ذكرنا أنّه كان عند فاطمة مصحف ، حسب ما تضافرت عليه الروايات ، ولكن المصحف ليس اسماً مختصّاً بالقرآن حتّى تختصّ بنت المصطفى بقرآن خاصّ ، وإنّما كان كتاباً فيه الملاحم والأخبار .
وبالتمعّن في هذه الروايات يتّضح لنا أنّ مصحف فاطمة لا علاقة له بالقرآن .
[1]الكافي : 1 / 239 .[2]بصائر الدرجات : 195، الحديث 27 .
السؤال 10
نقل جامع الأسئلة ما يدلّ على أنّ بعض الرواة الشيعة يحمل اسم عمر .
الجواب :هذا السؤال هو تكرار للسؤال الثالث، وقد ذكرنا الإجابة عنه مفصلاً .
السؤال 11
جاءت في كتب الشيعة روايات تأمر بالصبر على المصائب وتحض على الابتعاد عن كلّ أنواع السخط وعدم الرضا بقضاء الله واجتناب لطم الوجه وأمثال ذلك .
إذا كان الأمر هكذا ، فلماذا يقوم الشيعة أيّام العزاء بالعمل على خلاف ما جاء في كتبهم من أحاديث ؟
الجواب :يجب التمييز بين البكاء على الأهل والأحباب الذين يفقدهم الإنسان بسبب الموت ، وهذا النوع من البكاء ينسجم مع الفطرة الإنسانيّة ، وبين البكاء المصحوب بشقّ الثياب ولطم الوجوه . والنوع الأوّل من البكاء هو ما عمل به رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأصحابه ، حيث إنّه عندما توفّي ولده إبراهيم بكى عليه وقال : «وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ويحزن
القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ عزّ وجلّ».[1]
وورد أنّه لمّا أُصيب حمزة(رضي الله عنه)جاءت صفيّة بنت عبد المطّلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): دعوها ، فجلست عنده ، فجعلت إذا بكت بكى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإذا نشجت نشج ، وكانت فاطمة(عليها السلام)تبكي ورسول الله(صلى الله عليه وآله)كلّما بكت بكى ، وقال : «لن أُصاب بمثلك أبداً»[2].
وعن أنس قال : لمّا ثقل النبيّ(صلى الله عليه وآله)جعل يتغشّاه ، فقالت فاطمة : واكرباه لكربك يا أبتاه ، فقال لها : «ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم» ، فلمّا مات قالت : «يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه» ، فلمّا دُفن قالت فاطمة(عليها السلام): «يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله)التراب».[3]
نجد في التاريخ الإسلامي أنّ البكاء على الأموات كان أمراً طبيعيّاً بين الصحابة والتابعين بالشكل الذي لا يسمح لنا اليوم بإنكاره ، وبكاء الشيخين أبي بكر وعمر على أحبابهم يعدّ أمراً مسلماً ذكره التاريخ في عدّة مواقف.[4]
تقول عائشة : عندما توفّي النبيّ(صلى الله عليه وآله)وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدِمُ مع النساء وأضرب وجهي.[5]
[1]مجمع الزوائد : 3 / 17 .[2]إمتاع الأسماع للمقريزي : 154 .[3]صحيح البخاري: 5 / 144 ، باب مرض النبيّ ووفاته ; مسند أبي داود : 272; سنن النسائي : 4 / 13 ، مستدرك الحاكم : 1 / 382 ; تاريخ بغداد للخطيب البغدادي : 6 / 259 .[4]راجع كتاب: بحوث قرآنية في حدود التوحيد والشرك : 195 ـ 201 .[5]تاريخ الطبري : 2 / 441 .
إنّ إقامة العزاء على الأحبّة والبكاء عليهم أمر ينبع من الفطرة الإنسانيّة السليمة ، وهي على الأنبياء والمرسلين والأشخاص المهمّين أولى وأجدر ، فالتاريخ يذكر :
أنّه لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله)من أُحد سمع نساء الأنصار يبكين، فقال : «لكن حمزة لا بواكيَ له» ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة.[1]
وعن أُسامة بن زيد أنّ ابنةً لرسول الله(صلى الله عليه وآله)أرسلت إليه وأنا معه وسعد وأحسب أُبيّاً، أنّ ابني أو ابنتي قد حُضر فأشهدنا ، فأرسل يقرئ السلام ، فقال : «قل لله ما أخذ وما أعطى ، وكلّ شيء عنده إلى أجل» فأرسلتْ تُقسم عليه ، فأتاها فوُضع الصبيّ في حِجر رسول الله ونفسه تقعقع ، ففاضت عينا رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال له سعد : ما هذا [ ؟ قال : «إنّها رحمة ، وضعها الله في قلوب مَنْ يشاء ، وإنّما يرحم الله من عباده الرُّحماء».[2]
أمّا بالنسبة لموت الشخصيّات العظيمة من القادة الإلهيّين فله شأنٌ آخر يُحسب له حساب كبير يتلاءم مع مكانتهم ومنزلتهم . وإقامة العزاء والحُزن عليهم ليس معناه الجزع على فقدهم ، بل هو نوع من الدفاع عن منهجهم والدعوة إلى السير على طريقهم وتحقيق أهدافهم ، فهم كانوا الحُماة الحقيقيّين عن الإسلام والمدافعين عنه ، ولم يهادنوا الظالمين أبداً من أمثال الأمويّين والعبّاسيّين حتّى غرفوا من كأس الشهادة . فمراسم الحزن ومجالس العزاء عليهم تهدف إلى إحياء منهجهم . وكلّ نوع من أنواع النوح والندب
[1]مجمع الزوائد : 6 / 120 «يقال إنّ ذلك كان قبل بكاء صفيّة على حمزة» .[2]سنن أبي داود : 2 / 64، برقم 3125 ; مسند أبي داود الطيالسي: 235 .