والحرب، حيث إنّ الإسلام يقبل هذا النوع من العبوديّة وفقاً لشروط خاصّة مبيّنة في الفقه ، حيث يتمّ اختيار الأشخاص الذين وقعوا أسرى في أيدي المسلمين ، فيرجع أمرهم إلى الحاكم الشرعي الذي يستطيع اختيار أحد الطرق الثلاث في شأنهم :
إمّا إطلاق سراحهم بدون أخذ أيّ غرامة ، أو إطلاق سراحهم مع أخذ غرامة منهم ، أو إبقاءهم أسرى . وفي الصورة الأخيرة يعدّ الشخص الأسير عبداً للمسلمين ، والدليل على ذلك أنّه يوجد في الكتب الفقهيّة باب يسمّى «باب العبيد والإماء» .
ولنأخذ مثالاً على ذلك من القرآن الكريم في قوله تعالى :(وَأَنكِحُوا الاَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[1].
ففي هذه الآية يصف الله تعالى أسرى الحرب بالعبيد والإماء في قوله :(مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)فجاء العبد هنا مضافاً إلى غير الله تعالى .
3 ـ العبوديّة بمعنى الطاعة والعمل بالأوامر : وقد جاء هذا المعنى في الكتب اللّغويّة.[2]
لذلك فإنّ معنى أمثال «عبد الرسول» و «عبد الحسين» هي ناظرة إلى المعنى الثالث ، حيث إنّ عبد الرسول وعبد الحسين بمعنى مطيع الرسول
[1]النور : 32 .[2]كتاب لسان العرب والقاموس المحيط ، مادّة (عبد) .
ومطيع الحسين ، ولا شكّ أنّ هذه الطاعة للرسول(صلى الله عليه وآله)ولأُولي الأمر من بعده هي طاعةٌ واجبة ، وكلّ مسلم مطيع لله والرسول وأُولي الأمر ، قال تعالى :(أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)[1].
فانطلاقاً من هذه الآية الكريمة فإنّ القرآن يعتبر النبيّ «مُطاعاً» والمسلمين «مطيعين» . فإذا اتّخذ شخص نفس هذا المعنى في تسمية ولده ، فلن يكون ذلك سبباً لذمّه ، بل سيكون مدعاةً لمدحه والثناء عليه .
ونحنُ نفتخر أنّنا مطيعون لرسول(صلى الله عليه وآله)والأئمة من بعده ونعمل بأوامرهم . ومن المؤكّد أنّه لا منافاة بين كون الشخص عبداً لله وعبداً للرسول(صلى الله عليه وآله); إذ المعنى أنّه عبد لله ومطيعٌ للرسول . ولأنّنا نعلم أنّ العبوديّة لله هي عبوديّة تكوينيّة ناشئة من خالقيّته تعالى ، أمّا العبوديّة للرسول(صلى الله عليه وآله)فهي عبوديّة تشريعيّة ناشئة من الأمر الإلهي القاضي بطاعة الرسول ونعته بالمُطاع ، فبين المعنيين فرقٌ كبير وبون شاسع.
[1]النساء : 59 .
السؤال 17
بما أنّ عليّاً(عليه السلام)يعلم أنّ الله قد جعله خليفة ، فلماذا بايع أبا بكر وعمر وعثمان ، فإذا لم تكن له القدرة فهذا يعني أنّه ليس إماماً ; لأنّ الإمام يجب أن تتوفّر فيه القدرة والقوّة على الحكم ، وأمّا إذا كان مقتدراً ولم يستفد من قدرته فمعنى ذلك الخيانة لأمر الله عزّ وجلّ ، فما هو جوابكم ؟
الجواب :أوّلاً : لا يوجد في أيّ مصدر تأريخي يركن له أنّ عليّاً(عليه السلام)قام بمبايعة عمر وعثمان ، لأنّ خلافة عمر تمّت بتنصيب أبي بكر ، فهو كان خليفة أبي بكر ، وعندما نصب أبو بكر عمر للخلافة حضر عنده جمع من أكابر الصحابة فقالوا له : أتخلّف علينا فظّاً غليظاً ، لو قد ولينا كان أفظّ وأغلظ ، فماذا تقول لربّك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر ؟[1]; فهذا يدل على أنّ أكابر الصحابة لم يبايعوه فضلاً عن عليّ(عليه السلام).
وكذلك بالنسبة إلى خلافة عثمان فقد كانت عن طريق عبد الرحمن بن عوف الذي لعب دوراً بارزاً فيها وذلك بإضفاء طابع الشرعيّة والرسميّة عليها بمهارة عالية كما تذكر ذلك كتب التاريخ ، فانتهى الأمر إلى نصب عثمان بالخلافة عن طريق ابن عوف ولم يستدع الأمر مبايعة عليّ(عليه السلام)من الأصل ، فكيف للسائل أن يحكم بمبايعة عليّ لهذين الشخصين ؟
[1]الخراج ، تأليف أبي يوسف البغدادي : 11; المصنف: 8 / 574 .
أمّا ما ذكر من بيعة عليّ(عليه السلام)لأبي بكر فلم تكن بيعةً في نظر الشيعة . وأمّا في نظر السنّة فإنّ عليّاً كان قد بايع بعد ستّة أشهر ، أي بعد وفاة فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وهنا نطرح سؤالاً : لماذا يتخلّف عليّ عن أداء أمر مشروع كالخلافة وهو ـ في نظر السنّة ـ إن لم يكن وصيّ رسول الله ، فهو على الأقلّ صحابي عادل ، فما هي علّة تأخّره عن البيعة طيلة هذه المدّة ؟ ثمّ لماذا امتنعت بنت النبيّ وكريمته(عليها السلام)عن مبايعة أبي بكر إلى آخر لحظة من حياتها ، مع أنّ أبيها(صلى الله عليه وآله)قال : «من مات ولم يكن في عنقه بيعة فقد مات ميتةً جاهليّة»[1].
ولنترك ذلك ولنخوض في أمر آخر وهو الذي ذكره صاحب الكتاب في قوله : «إذا لم يكن مقتدراً فهو ليس إماماً» ، حيث تصوّر أنّ الإمامة مقام انتخابي لا يصل إليه المرء إلاّ بالقوّة المتمثّلة في انتخاب الناس ، والصحيح أنّ الإمامة عند الشيعة منصب إلهي، لا يتوقف على انتخاب الناس أو بيعتهم ، كما هي إمامة عليّ(عليه السلام)وإمامة أولاده من بعده .
أضف إلى ذلك : أنّه لو كانت القوّة والقدرة دليلاً على استحقاق الخلافة لكانت نبوّة الأنبياء ووصاية أوصيائهم غير مشروعة ، لأنّها مفتقرة للقوّة والقدرة ، لأنّهم تعرّضوا للقتل والتنكيل والتعذيب على أيدي حكّام زمانهم ، ممّا يدلّ على عدم امتلاكهم لأدنى قوّة أو قدرة ، فهل يكون ما يدّعونه من نبوّة ووصاية أمراً غير مشروع ؟! .
[1]صحيح مسلم: 6 / 22، باب حكم من فرّق بين المسلمين ; سنن البيهقي: 8 / 156، باب الترغيب في لزوم الجماعة.
السؤال 18
عندما آلت الخلافة لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام):
1 ـ لماذا قال من فوق المنبر : خير هذه الاُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر ؟
2 ـ لماذا لم يعمل في خلافته بزواج المتعة ؟
3 ـ لماذا لم يسترجع فدكاً ؟
4 ـ لماذا لم يُرجع عبارة «حي على خير العمل» في الأذان والإقامة ؟
5 ـ لماذا لم يحذف عبارة «الصلاة خيرٌ من النوم» من الأذان ؟
6 ـ لماذا لم يأت للناس بقرآن جديد ؟
الجواب :جامع هذه الأسئلة من مواقع الانترنت : يدّعي هذه الأُمور الستّة ، وأنا أُطالبه بإثباتها ، فهو طرح جملة من الادّعاءات ولم يذكر من أيّ مصدر أخذها ؟! ومن أين له أن يدّعي أنّ الإمام لم يقم بها؟ فنقول:
1 ـ الحديث المنقول عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)حول الخليفتين الأوّل والثاني هو حديثٌ موضوع ، وليس هذا هو الحديث الوحيد الذي وضعتموه على لسان عليّ(عليه السلام)في شأن الخلفاء ، فقد بلغ عدد الأحاديث الموضوعة في
فضل الخلفاء على لسان أمير المؤمنين(عليه السلام)36 حديثاً ، حيث إنّ آثار الكذب والوضع في هذه الأحاديث واضحة . وللاطّلاع على هذه الأحاديث وأساليب الوضع يمكنك مراجعة كتاب «الغدير»[1]، والمحقّق في هذه الأحاديث سيصل إلى نتيجة مفادها أنّ أصحابها كاذبون جعلوا من عليّ(عليه السلام)مدّاحاً يعمل في بلاط الخلفاء .
ثمّ إنّه إن كان يعطي تلك المكانة والمنزلة للخلفاء فلماذا تأخّر عن بيعتهم مدّة ستّة أشهر ؟ ولماذا امتنعت زوجته سيّدة نساء العالمين عن مبايعتهم ؟ ولماذا لم تمدحهم وتثنِ عليهم ؟ بل خرجت من الدُّنيا وهي غاضبة عليهم ؟!
لماذا نقبل هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة ولا نقبل تلك الخطبة الغرّاء التي اتّفق الباحثون والمحقّقون على صحّة نسبتها لعليّ(عليه السلام)، والتي يقول فيها :
«أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى»[2].
وكيف نغفل عن قول الإمام(عليه السلام): «أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً ، والأشدُّون برسول الله(صلى الله عليه وآله)نَوْطاً ، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها
[1]كتاب الغدير للأميني: 8 / 54 ـ 62 ، تذكرة الحفّاظ : 1 / 77 .[2]نهج البلاغة ، الخطبة الثالثة . وقد نقل هذه الخطبة ابن الخشّاب قبل ولادة الرضيّ سنة 306 هـ ، لمصدّق بن شبيب ; شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : 1 / 205 .
نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحَكَم الله والمعُود إليه القيامة».[1]
2 ـ أمّا فيما يخصّ زواج المتعة الذي ذكره فيكفي في ذلك توبيخ أمير المؤمنين(عليه السلام)لعمر بن الخطّاب الذي منع زواج المتعة حيث قال : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ».[2]
أضف إلى ذلك أنّ واحدة من مسلّمات التاريخ اتّفاق مجموعة كبيرة من الصحابة وتأكيدهم على حلّية الزواج المؤقّت ، وطبقاً لما ذهب إليه الذهبي أنّ ابن جريج كان قد تزوج نحوا من سبعين امراة نكاح المتعة، كان يرى الرخصة في ذلك، وكان فقيه أهل مكة في زمانه[3].
3 ـ وأمّا بالنسبة لمسألة «فدك» فإعراض عليّ(عليه السلام)عن استرجاعها مسألة في غاية الوضوح ، لأنّه لو أخرج عمّال من سبقه من الخلفاء عن فدك، أيّام خلافته(عليه السلام)لاتُّهم بحبّه للدُّنيا ، فقد كتب بنفسه رسالة إلى عثمان بن حُنيف :
« . . . كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْم آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لاََضْغَطَهَا
[1]نهج البلاغة : 2 / 64، الخطبة 162 .[2]تفسير الطبري : 5 / 19 ; الدر المنثور : 2 / 141 .[3]ميزان الاعتدال : 2 / 659 ، ترجمة عبد الملك بن عبدالعزيز بن جريج . انظر: صحيح مسلم : 4 / 131 ، باب نكاح المتعة ، مسند أحمد : 2 / 95 ، 4 / 436 .
الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ . . .»[1].
إنّ السائل لم يقرأ صفحة واحدة من تاريخ فدك ، حيث كانت فدك تُرجع إلى أهلها ثمّ تُغصب منهم على طول تاريخ الخلفاء إلى عصر المأمون ، ولمزيد من الاطّلاع على تاريخ فدك يرجع إلى مطالعة كتاب «سيد المرسلين»[2].
4 ـ أمّا فيما يخصّ عبارة «حي على خير العمل» فيكفي التذكير بكلام أحد متكلّمي الأشاعرة الذي يقول : إنّ الخليفة الثاني قال وهو على المنبر: ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيَّ على خير العمل.[3]
فقد كتب الحلبي في سيرته أنّ ابن عمر والإمام زين العابدين كانا يقولان في الأذان بعد جملة «حيَّ على الفلاح» : «حيَّ على خير العمل».[4]
وقد كان قول «حيَّ على خير العمل» على المآذن علامة لاتّباع أهل البيت(عليهم السلام)على طول التاريخ ; فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني (284 ـ 356 هـ) : «عندما استولى أحد الحسنيين على المدينة ، صعد عبدالله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ(صلى الله عليه وآله)عند موضع الجنائز فقال للمؤذِّن : أذِّن بحيَّ على خير العمل.[5]
[1]نهج البلاغة : الكتاب رقم 45 .[2]سيد المرسلين: 2 / 421 ـ 429 .[3]شرح التجريد للقوشجي : 484 .[4]السيرة الحلبيّة : 2 / 305; المحلى لابن حزم: 3 / 160 ; الروض النظير: 1 / 542 ; السنن الكبرى للبيهقي: 1 / 425 .[5]مقاتل الطالبيين : 297 .