بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ تنامي المد الإسلامي وانتشار الحركات التحررية في بقاع العالم الإسلامي، وظهور عدد من القادة والمصلحين الذين تصدّوا لمؤامرات الاستكبار العالمي ومخططاته، وعبّأوا الشارع الإسلامي للوقوف بوجهها بكل قوة، فلمّا أحسّ الاستكبار العالمي بالخطر المحدق به، قرع نواقيسه منبهاً جنوده ومحركاً لأذنابه في داخل البلاد الإسلامية وخارجها، فقام باصطناع فرق متشدّدة ومذاهب غريبة عن واقعنا الإسلامي وثقافتنا المحمّديّة ; لغرض تشويه صورة الإسلام الأصيل، وعرضه بأنّه دين يدعو إلى الإرهاب والتطرّف ويدعو إلى التخلّف والعودة بالمجتمع إلى القرون الوسطى.
ومن بين هذه الفرق المصطنعة والحركات المفبركة ، الوهابيّة الذي لم يتوانْ في أداء مهمّته وتطبيق الخطّة الماكرة . كيف لا وقد منحوا هذا التيّار لقب التوحيد الخالص وأضفوا عليه صبغة الإصلاح الديني، وقاموا بدعمه بالأموال الطائلة والإمكانات اللاّزمة ، ليعمل في هذا الاتّجاه ، فقد قام العملاء من أبناء هذا التيّار ، بطبع كميّات هائلة من الكتب ونشرها ، وعقد المقابلات
التلفزيونيّة وإنشاء المواقع على شبكة الأنترنت ، كان الهدف من جميعها إعطاء صورة سيّئة عن التشيّع .
فصرفوا الأموال الباهظة التي لم يسبق لها في تاريخ المذاهب الإسلاميّة نظير .
مثلاً قاموا بطباعة كتاب «الشيعة والتصحيح» بأعداد كبيرة جدّاً ، حيث تمّ توزيع ثمانية ملايين نسخة منه في الخرطوم فقط ، ومليوني نسخة في سائر محافظات السودان الأُخرى . السودان هذا البلد العزيز الذي ليس له ذنب إلاّ علاقته الراسخة بأهل البيت(عليهم السلام)وحبّه الكبير لهم ، يُستهدف هذا الاستهداف! .
والمحقّقون في هذا المجال يقولون إنّ 40000 موقع على شبكة الأنترنت تعمل على التبليغ للتيّار الوهابي المختلق . وأنّه قد تمَّ لحدّ الساعة نشر 10000 كتاب ومقالة ضدّ التشيّع ، حيث تُكلِّف هذه العمليّة الملايين من الأموال ، ولكن طبقاً للمثل السائر «انقلب السحر على الساحر» فإنّ هذا المدّ الهائل المضادّ للتشيّع كان سبباً لدفع كثير من العلماء والمثقّفين المنصفين إلى التعرّف على مذهب أهل البيت عن كثب ، فراحوا يتساءلون عن هذه الضجّة الغوغائيّة الكبيرة حول المذهب الشيعي . فقام فريق منهم بالاتّصال المباشر ببعض علماء الشيعة للاستفسار عن حقيقة الأمر . وفي الأخير اطّلعوا على زيف الإدّعاءات الوهابيّة وكذب أصحابها ، وتعرّفوا على الإسلام المحمّدي الأصيل ، وراحوا(يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً).
نعم ، بهذه الطريقة التي لم يكن لعلماء الشيعة أيّ دخل فيها ، هبّت
ريح حبّ التعرّف على التشيّع في مصر والأردن وسائر البلاد العربيّة ، بل حتّى في أوروبا وأمريكا حيث امتلأت القلوب الطاهرة للشباب بحبّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام)فراحوا يتبرّؤون من مؤلِّفي الكتب الوهابيّة الضالة .
عجباً! إنّ التاريخ يعيد نفسه ، فالآلة البابويّة حاولت إلحاق أبشع الصور بالإسلام ، وجيّشت الجيوش المختلفة في سبيل ذلك . ولكن النتيجة كانت عكسيّة تماماً فانتشر الإسلام انتشاراً واسعاً في أمريكا وأوروبا وكثُر معتنقوه .
الدواعي لتأليف هذا الكتاب
منذ فترة وجيزة وقع في يدي كتيّب تحت عنوان «أسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحقّ» .
وقد أعدّه سليمان بن صالح الخراشي ـ الرجل الذي أفتى في كلام له بوجوب قتل الشيعة ـ وهنا يريد هدايتهم!! وقد نشر متن الكتاب بالكامل على صفحات المواقع الوهابية على الأنترنت.
ويبدو لمن يتصفح هذا الكتاب أنّ جامع هذه الأسئلة ومعدّها قد جمع هذه الأسئلة من مواقع مختلفة للانترنت ، وكتب مضادّة للشيعة ».
ومن بين الشباب الذين اهتدوا ـ على حدّ قول المؤلف ـ ذكر اسم شاب بحريني واحد ـ ولو صحّ فقد خرج شخصٌ واحدٌ فقط من ولاية أهل البيت(عليهم السلام)ـ والتحق بولاية الأمويّين . وبالتالي تكون معرفة الشباب للحقّ لا أساس له ولا أثر .
وأمّا مواقع الانترنت التي ذكرت في الترجمة الفارسية للكتاب فهي
مواقع وهابيّة يمقتُها عموم المسلمين وينفرون منها .
ومن هذه المواقع ما له طابع سياسي واضح ويتم إعداده وتنفيذه من لندن ، أمثال موقع WWW.isl.org.ukوالمشرفون على إدارته هم من مُعارضي نظام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية.
والآن نريد أن نسأل، هل أنّ هذه الأسئلة هي حقّاً أسئلة أُولئك الشباب الذين لم يجدوا لها جواباً ، فتركوا مذهب أهل البيت والتحقوا بالمذهب الأموي ، أوأنّها أسئلة قام بطرحها أُناس مُغرضون ؟
ثمّ إنّه أليس من الأنسب طرح هذه الأسئلة على أهل العلم وأهل الذِّكر ، ثمّ نشرها مع أجوبتها ، حتّى يكون أصحاب هذه الأسئلة قد عملوا بالآية القرآنيّة الكريمة(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[1]، فيكونوا قد وقفوا على الحقيقة بعد أن ردّوا نزاعهم إلى القرآن الكريم والسنّة المطهّرة ، وفقاً لقوله تعالى :(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)[2].
فطرح هذه الأسئلة على شباب ليس لهم اطّلاع على هذه المسائل هو أمرٌ مخالف للأمانة العلميّة وانسلاخٌ عن التديّن والتقوى .
معرفة التيّار الوهابي :
باعتبار أنّ هذه الأسئلة طرحها أصحاب هذا التيّار العدائي (الوهابي) كان لِزاماً علينا أن نُسلّط الضوء على جذوره وأسباب ظهوره على الساحة
[1]النحل : 43 .[2]النساء : 59 .
الإسلاميّة ، كما نسلّط الضوء على آراء كبار علماء السنّة فيه .
ظهر التيّار الوهابي في القرن الثامن الهجري على يد ابن تيميّة الحرّاني الذي طرح مجموعة من الافكار والنظريات التي لم تلق رواجاً وقبولاً في الوسط السني نفسه حتّى انّه قد سُجن أربع مرّات بسبب أفكاره المنحرفة وذلك بطلب من علماء المسلمين آنذاك . وقد وقع موقع انتقاد كبير من قبل كبار علماء السنّة بل وتكفير بعضهم أيضاً ، أمثال :
1 ـ تقيّ الدِّين السبكي، وهو من كبار علماء الشافعيّة.[1]
2 ـ محمّد بن محمّد بن عثمان الذهبي المؤرِّخ والعالم الكبير في علم الرِّجال والذي يحظى باحترام كبير عند أهل السنّة وهو معاصر لابن تيميّة ، وقد ألّف رسالة بعنوان «بيان زغل العلم والطلب عن علم الحديث » ، ردّ فيها آراء أُستاذه، وندب وتأوّه تأسّفاً على تلك الآراء والأفكار.[2]
3 ـ ابن حجر الهيتمي : حيث قال في ترجمته: ابن تيميّة عبد خذله الله تعالى وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذله.[3]
4 ـ قاضي القُضاة تاج الدِّين السبكي : حيث قال في ترجمته للمزيّ: وأعلم أن هذه الرفقة (يعني المزّي، والذهبي والبرزليّ، وغيرهم) أضرّ بهم
[1]راجع كتاب «الدرر المضيئة في الردّ على ابن تيميّة » للسبكي; وطبقات الشافعية الكبرى: 10 / 149 .[2]هذه الرسالة على الرغم من إنكار البعض نسبتها إلى الذهبي إلاّ أنّ الحافظ السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ»: ص 77. يقول : «لقد رأيت هذه الرسالة التي ألّفها الذهبي . . .» .[3]الفتاوى الحديثيّة : 114 و 203 .
ابن تيمية إضراراً بيّناً، وحملهم من عظائم الأُمور أمراً ليس هينّاً، وجرّهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم، وأوقفهم في دكادك من نار.[1]
5 ـ العلاّمة تقيّ الدِّين الحصني (ت 829 هـ) الّذي قال : إنّ في قلبه (يعني ابن تيميّة) مرض الزيغ، المتتبع لما تشابه في الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة[2].
6 ـ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري والمعروف بأمير الحديث، قام بالدفاع عن شخص الإمام عليّ(عليه السلام)بذكر الأحاديث في مناقبه ، وقال في شأن ابن تيميّة الذي ردّ هذه الأحاديث المشهورة ما نصُّه :
لقد ردَّ الكثير من الأحاديث المعتبرة وأفرط في سبّ وشتم الأشخاص أمثال العلاّمة الحلّي الذي عاصر ابن تيميّة وقال إنّ كنيته ابن المطهّر ، وأمّا ابن تيميّة فسمّاه ابن المنجّس ، وقد بلغ بإفراط ابن تيميّة إلى النيل من (الإمام) عليّ بن أبي طالب.[3]
7 ـ قال العلاّمة الآلوسي ; صاحب التفسير المعروف «روح المعاني»: أنّ تشنيع ابن تيمية وابن قدامة وابن قاضي الجبل والطوفي وأبي نصر وأمثالهم صرير باب أوطنين ذباب، وهم وإن كانوا فضلاء ومحقّقين وأجلاء مدققين لكنهم كانوا كثيراً ما انحرفت أفكارهم واختلطت أنظارهم، فوقعوا
[1]طبقات الشافعيّة الكبرى: 10 / 400، ترجمة (المزيّ) برقم 1417 .[2]دفع الشبه عن الرسول والرسالة : 83 ، انظر كذلك كتاب: دفع شبهة من شبّه وتمرّد: 34، طبع مصر عام 1350 هـ .[3]لسان الميزان : 6 / 319; الدرر الكامنة: 1 / 150 .
في علماء الأُمّة وأكابر الأئمة، وبالغوا في التعنيف والتشنيع، وتجاوزوا في التسخيف والتقطيع .[1]
8. محمد زاهد الكوثري المصري وهو أكثر الناس تتبعاً لمكامن حياة ابن تيمية، وفضح آرائه وأفكاره، قال عنه: ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله، غير مصاب في دينه،... ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين[2].
9 ـ السيّد حسن السقّاف، من المعاصرين حيث قال:
إنّ الشخص الذي جعل الاقتداء بمعاوية والتهجّم على الإمام عليّ(عليه السلام)منهاجاً لحياته ، قد لقبه الوهابيّون بـ «شيخ الإسلام» واعتبروا آراءه وأفكاره بمنزلة الوحي المنزل.[3]
وقد انطمس مذهب ابن تيميّة وأفُلَ نجمه إلى أن جاء «محمّد بن عبد الوهاب» فبعث فيه الحياة من جديد ، بهدف إيجاد الفُرقة بين المسلمين ، وكلّ همّه إيجاد أتباع وأنصار لمذهبه .
عود على بدء
على كلّ حال فإنّ الكتيّب المذكور سابقاً قد تمَّ نشره ، وقد ظهر الاضطراب والتناقض فيما جاء به من زيف وادّعاء ; حيث اقتصرنا هنا على
[1]روح المعاني : 1 / 18 ـ 19 .[2]مقدمة الكوثري على كتاب «السيف الصقيل» للسبكي، وانظر مقدمته على كتاب «الاسماء والصفات» للبيهقي.[3]من مناظرات السقاف مع عثمان الخميس على شبكة الانترنت .
ذكر ملخّص لمقدّمته . ففي (الصفحة 5) يقول :
فقد أراد الله ـ بإرادته الكونيّة القدريّة ـ أن يتفرّق المسلمون إلى شيع وأحزاب ومذاهب شتّى، يعادي بعضهم بعضاً.
ثمّ يُضيف بعد عدّة أسطر (في الصفحة 6) ويقول:
ولهذا كان من الواجب على كل ناصحّ لأُمّته، محبّ لوحدتها واجتماعها أن يسعى ـ ما استطاع ـ في لمّ شملها «على الحق» وإعادتها كما كانت في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم)عقيدة وشريعة وأخلاقاً ; اتباعاً لقوله تعالى(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا )[1].
أقول: لو تعلّقت إرادته التكوينيّة بالتفرقة والعداوة ثمّ تعلّقت إرادته التشريعيّة بالوحدة والتوحّد ، فمعنى ذلك وجود تناقض بين الإرادتين ، حيث تعلّقت الإرادة التكوينيّة بالتفرقة وتعلّقت الإرادة التشريعيّة بالوحدة ، وبهذا تكون الإرادة الثانية لغواً وبلا أثر ، والحال أنّ إرادة الله تعالى نافذة وغير قابلة للتراجع . .(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[2].
إنّ هذا الكاتب يزعم انّه يريد هداية الشباب الشيعة إلى طريق الحقّ واتّباع أهل السنّة ، ومقصوده من أهل السنّة هم «الوهابيّون» فقط ، أمّا سائر فرق أهل السنّة الذين يشكّلون أكثريّة مسلمي العالم قطعاً فهم في نظر الفكر الوهابي ليسوا «أهل السنّة» بل يصرّح بتكفيرهم وشركهم، شأنه في ذلك
[1]آل عمران: 103.[2]يس : 82 .