في أثناء القطيعة، فقال في ذلك متشفّيا، وهو من نبيه كلامه، وكلّه نبيه:
[الطويل]
تردّى ابن منظور وحمّ حماه ... وأسلمه حام له ونصير
تبرّأ منه أولياء غروره ... ولم يقه بأس المنون ظهير
وأودع بعد الأنس موحش بلقع ... فحيّاه فيه منكر ونكير
ولا رشوة يدلي القبول رشادها ... فينسخ بالسّير المريح عسير
ولا شاهد يغضي له عن شهادة ... تخلّلها إفك يصاغ وزور
ولا خدعة تجدي ولا مكر نافع ... ولا غشّ مطويّ عليه ضمير
ولكنه حقّ يصول وباطل ... يحول ومثوى جنّة وسعير
وقالوا قضاء الموت حتم على الورى ... يدير صغير كأسه وكبير
فلا تنتسم ريح ارتياح لفقده ... فإنّك عن قصد السّبيل تحور
فقلت بلى حكم المنيّة شامل ... وكلّ إلى ربّ العباد يصير
ولكن تقدّم الأعادي إلى الرّدى ... نشاط يعود القلب منه سرور
وأمن ينام المرء في برد ظلّه ... ولا حيّة للحقد ثمّ تثور
وحسبي بيت قاله شاعر مضى ... غدا مثلا في العالمين يسير
وإنّ بقاء المرء بعد عدوّه ... ولو ساعة من عمره لكثير
مولده: قال بعض شيوخنا: سألته عن مولده فقال لي: في آخر خمسة وتسعين وستمائة، أظنّ في ذي قعدة منه الشكّ.
وفاته: بمالقة في آخر جمادى الثانية من عام ثلاثة وستين وسبعمائة.
أحمد بن أيوب اللّمائي «1»
من أهل مالقة، يكنى أبا جعفر.
حاله: قال صاحب الذّيل «1» : كان أديبا ماهرا، وشاعرا «2» جليلا، وكاتبا نبيلا «3» . كتب عن أوّل الخلفاء الهاشميين بالأندلس، علي «4» بن حمّود، ثم عن غيره من أهل بيته؛ وتولّى تدبير أمرهم «5» ، فحاز لذلك صيتا شهيرا، وجلالة عظيمة.
وذكره ابن بسّام في كتاب «الذّخيرة» ، فقال «6» : كان أبو جعفر هذا في «7» وقته أحد أئمة الكتّاب، وشهب الآداب «8» ، ممّن سخّرت له فنون البيان، تسخير الجنّ لسليمان، وتصرّف في محاسن الكلام، تصرّف الرياح بالغمام، طلع من ثناياه، واقتعد مطاياه؛ وله إنشاءات سريّة، في الدولة الحمّودية، إذ كان علم أدبائها، والمضطلع بأعبائها، إلّا أني لم أجد عند تحريري هذه النّسخة، من كلامه، إلّا بعض فصول له «9» من منثور، وهي ثماد من بحور.
فصل: من «10» رقعة خاطب بها أبا جعفر بن العباس: «غصن ذكرك عندي ناضر، وروض شكرك لديّ عاطر، وريح إخلاصي لك صبا، وزمان «11» آمالي فيك صبا، فأنا شارب ماء إخائك، متفيّئ ظلّ «12» وفائك؛ جان منك ثمرة فرع طاب أكله، وأجناني البرّ قديما أصله، وسقاني إكراما برقه، وروّاني إفضالا ودقه؛ وأنت الطّالع في فجاجه، السّالك لمنهاجه؛ سهم في كنانة الفضل صائب، وكوكب في سماء المجد ثاقب، إن أتبعت الأعداء نوره أحرق، وإن رميتهم به أصاب الحدق؛ وعلى الحقيقة فلساني يقصر عن جميل أسرّه «13» ، ووصف ودّ أضمره» .
شعره: قال، ومما وجد بخطه لنفسه «1» : [الكامل]
طلعت طلائع «2» للربيع فأطلعت ... في الرّوض وردا قبل حين أوانه
حيّا أمير المسلمين «3» مبشّرا ... ومؤمّلا للنّيل من إحسانه
ضنّت سحائبه عليه بمائها «4» ... فأتاه يستسقيه ماء بنانه
دامت لنا أيّامه موصولة ... بالعزّ والتّمكين في سلطانه
قال: وأنشدني الأديب أبو بكر بن معن، قال: أنشدني أبو الربيع بن العريف لجدّه الكاتب أبي جعفر اللمائي، وامتحن بداء النّسمة من أمراض الصّدر، وأزمن به، نفعه الله، وأعياه علاجه، بعد أن لم يدع فيه غاية، وفي ذلك يقول «5» : [الكامل]
لم يبق من شيء أعالجها به «6» ... طمع الحياة، وأين من لا يطمع؟
«وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع» «7»
ودخل عليه بعض أصحابه فيها، وجعل يروّح عليه فقال له بديهة «8» :
[المنسرح]
روّحني عائدي فقلت له: مه «9» ... ، لا تزدني على الذي أجد
أما ترى النار وهي خامدة ... عند هبوب الرياح تتّقد؟
ودخل غرناطة غير ما مرة، منها متردّدا بين أملاكه، وبين من بها من ملوك صنهاجة؛ قالوا: ولم تفارقه تلك الشّكاية حتى كانت سبب وفاته.
وفاته: بمالقة عام خمسة وستين وأربعمائة. ونقل منها إلى حصن الورد، وهو عند حصن منت ميور إذ كان قد حصّنه، واتّخذه لنفسه ملجأ عند شدّته، فدفن به،
بعهد منه بذلك، وأمر أن يكتب على قبره بهذه الأبيات «1» : [الطويل]
بنيت ولم «2» أسكن وحصّنت جاهدا ... فلمّا أتى المقدور صيّره «3» قبري
ولم يك «4» حظّي غير ما أنت مبصر ... بعينك ما بين الذّراع إلى الشّبر
فيا زائرا قبري أوصّيك جاهدا ... عليك بتقوى الله في السّرّ والجهر
فلا «5» تحسنن بالدّهر ظنّا فإنما ... من الحزم ألّا يستنام «6» إلى الدهر
أحمد بن محمد بن طلحة «7»
من أهل جزيرة شقر، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن جدّه طلحة.
حاله: قال صاحب «القدح المعلّى» «8» : من بيت مشهور بجزيرة شقر من عمل بلنسية، كتب عن ولاة الأمر «9» من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه ابن هود «10» ، حين تغلّب على الأندلس، وربما استوزره «11» ، وهو ممّن كان والدي يكثر مجالسته، وبينهما مزاورة، ولم أستفد منه إلّا ما كنت أحفظه من «12» مجالسته.
شعره: قال «13» : سمعته يوما «14» يقول، تقيمون القيامة بحبيب «15» ، والبحتري، والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتد إليه المتقدّمون ولا المتأخّرون،
فانبرى إليه «1» شخص له همّة «2» وإقدام، فقال «3» : يا أبا جعفر، أين «4» برهان ذلك، فما أظنك تعني إلّا نفسك «5» ، فقال «6» : ما أعني إلّا نفسي، ولم لا، وأنا الذي أقول «7» : [السريع]
يا هل ترى أظرف «8» من يومنا ... قلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها ... مطربة «9» كلّ قضيب وريق
والشّمس لا تشرب خمر النّدى ... في الرّوض إلّا بكؤوس «10» الشّقيق
فلم ينصفوه في الاستحسان، وردّوه في الغيظ «11» كما كان، فقلت له: يا سيدي، هذا والله «12» السّحر الحلال، وما سمعت من شعراء عصرنا مثله، فبالله إلّا ما لازمتني وزدتني من هذا النمط، فقال لي: لله درّك، ودرّ أبيك من منصف ابن منصف. اسمع، وافتح أذنيك. ثم أنشد «13» : [الوافر]
أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضمّخة الملابس بالغوالي
وخدّ الأرض «14» خفّره «15» أصيل ... وجفن «16» النّهر كحّل بالظّلال
وجيد الغصن يشرف «17» في لآل ... تضيء بهنّ أكناف اللّيالي
فقلت: بالله أعد وزد، فأعاد والارتياح قد ملأ «18» عطفه، والتّيه قد رفع أنفه،
ثم قال «1» : [السريع]
لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحرا حلال
إذ «2» أصبح الطّلّ به ليلة ... وجال «3» فيه «4» الغصن مثل «5» الخيال
فقلت: ما على هذا مزيد في الاستحسان «6» ، فعسى أن يكون المزيد في الإنشاد، فزاد ارتياحه وأنشد «7» : [الوافر]
ولمّا ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم «8» إنسان عيني ... فمدّ له المنام عليه جسرا
فقلت «9» : إيه زادك الله إحسانا، فزاد «10» : [الوافر]
ولمّا أن رأى إنسان عيني ... بصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسرا ... كما مدّ الظلام على الضّياء
فقلت: فما تكرّر «11» ويطول، فإنه مملول، إلّا ما أوردته آنفا، فإنه كنسيم الحياة، وما إن يملّ، فبالله إلّا ما زدتني «12» ، وتفضّلت عليّ بالإعادة، فأعاد وأنشد:
[الكامل]
هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فردا بغير شبيه
فالصّبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت حمائمه تخاصم فيه «13»
دخوله غرناطة: دخلها مع مخدومه المتوكل على الله ابن هود وفي جملته، إذ كان يصحبه في حركاته، ويباشر معه الحرب، وجرت عليه الهزائم، وله في ذلك كلّه شعر.
محنته: قالوا «1» : لم يقنع بما أجرى عليه أبو العباس الينشتي «2» من الإحسان، فكان يوغر صدره من الكلام فيه، فذكروا أن الينشتي قال يوما في مجلسه: رميت يوما بسهم من كذا، فبلغ إلى كذا؛ فقال ابن طلحة لشخص كان إلى جانبه: والله لو كان قوس قزح؛ فشعر أبو العباس إلى قوله ما يشبه ذلك، واستدعى الشخص، وعزم عليه، فأخبره بقوله، فأسرّها في نفسه، إلى أن قوّى الحقد عليه، من ما بلغه عنه من قوله يهجوه: [الوافر]
سمعنا بالموفّق فارتحلنا ... وشافعنا له حسب وعلم
ورمت يدا أقبّلها وأخرى ... أعيش بفضلها أبدا وأسمو
فأنشدنا لسان الحال عنه «3» ... يد شلّا وأمر لا يتمّ
فزادت موجدته «4» عليه، وراعى أمره إلى أن بلغته أبيات قالها في شهر رمضان، وهو على حال الاستهتار: [الوافر]
يقول أخو الفضول وقد رآنا ... على الإيمان يغلبنا المجون «5»
أتنتهكون «6» شهر الصّوم هلّا ... حماه منكم عقل ودين؟
فقلت اصحب سوانا، نحن «7» قوم ... زنادقة مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دين غير دين الر ... رعاع فما به أبدا ندين
فحيّ على الصّبوح «8» الدّهر ندعو ... وإبليس يقول لنا أمين «9»
أيا «10» شهر الصيام إليك عنّا ... إليك «11» ففيك أكفر ما نكون
قال: فأرسل إليه من هجم عليه، وهو على هذا «1» الحال، وأظهر إرضاء العامّة بقتله، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وستمائة «2» . ولا خفاء أنه من صدور الأندلس، وأشدّهم عثورا على المعاني الغريبة المخترعة، رحمه الله.
أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري
من أهل ألمريّة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن خاتمة «3» .
حاله: هذا «4» الرجل صدر يشار إليه، طالب متفنّن، مشارك، قويّ الإدراك، سديد النّظر، قوي الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيّد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان؛ عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السّيرة، حميد الطريقة، في ذلك كله.
وجرى ذكره في كتاب «التّاج» بما نصّه «5» : «ناظم درر الألفاظ، ومقلّد جواهر الكلام نحور الرّواة ولبّات الحفّاظ، والآداب «6» التي أصبحت شواردها حلم النائم وسمر الأيقاظ، وكم «7» في بياض طرسها وسواد نقسها «8» سحر الألحاظ «9» . رفع «10» في قطره راية هذا الشأن على وفور حلبته، وقرع فنّه البيان على سموّ هضبته، وفوّق سهمه إلى بحر الإحسان، فأثبته في لبّته؛ فإن أطال شأن الأبطال، وكاثر المنسجم