بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 122

وبين المسالك، ولا علمت «1» ما هنا لك، لكنك طرقت حمى كسحته «2» الغارة الشّعواء، وغيّرت ربعه الأنواء، فخمد «3» بعد ارتجاجه، وسكت «4» أذين دجاجه، وتلاعبت الرياح الهوج «5» فوق فجاجه «6» ، وطال عهده بالزّمان «7» الأول، وهل عند رسم دارس من معوّل «8» وحيّا الله ندبا إلى زيارتي ندبك، وبآدابه الحكيمة «9» أدّبك: [الوافر]
فكان وقد أفاد بك الأماني ... كمن أهدى الشّفاء إلى العليل
وهي شيمة بوركت من شيمة، وهبة الله قبله من لدن المشيمة، ومن مثله في صلة رعي، وفضل سعي، وقول «10» ووعي: [مجزوء الخفيف]
قسما بالكواكب الز ... زهر والزّهر عاتمه
إنما الفضل ملّة ... ختمت بابن خاتمه
كساني حلّة وصفه «11» ، وقد ذهب زمان التجمّل، وحمّلني ناهض «12» شكره، وكتدي «13» واه عن التحمّل، ونظرني بالعين الكليلة عن العيوب «14» فهلّا أجاد التأمّل، واستطلع طلع نثّي «15» ، ووالى في مركب «16» المعجزة حثّي، نَّما أَشْكُوا بَثِّي
«17» :
[الوافر]
ولو ترك القطا ليلا لناما


صفحه 123

وما حال شمل وتده «1» مفروق، وقاعدته فروق، وصواع «2» بني أبيه مسروق، وقلب «3» قرحه من عضّة الدهر دام، وجمرة حسرته ذات احتدام، هذا وقد صارت الصّغرى، التي كانت الكبرى، لمشيب لم يرع «4» أن هجم، لمّا نجم، ثم تهلّل عارضه وانسجم: [الكامل]
لا تجمعي هجرا عليّ وغربة ... فالهجر في تلف الغريب سريع
نظرت فإذا الجنب ناب «5» ، والنّفس فريسة ظفر وناب، والمال أكيلة انتهاب، والعمر رهن ذهاب، واليد صفر من كل اكتساب، وسوق المعاد مترامية، والله سريع الحساب: [الوافر]
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الزمان
وهب أنّ العمر جديد، وظلّ الأمن مديد، ورأي الاغتباط بالوطن سديد، فما الحجّة لنفسي إذا مرّت بمطارح جفوتها، وملاعب هفوتها، ومثاقف «6» قناتها، ومظاهر عزّاها «7» ومناتها، والزمان «8» ولود، وزناد الكون غير صلود «9» : [الكامل]
وإذا امرؤ لدغته أفعى مرّة ... تركته حين يجرّ حبل يفرق «10»
ثم أن المرغّب قد ذهب، والدهر قد استرجع ما وهب، والعارض قد اشتهب، وآراء «11» الاكتساب مرجوحة مرفوضة، وأسماؤه على الجوار مخفوضة، والنّيّة مع الله على الزّهد فيما بأيدي الناس معقودة، والتوبة بفضل الله عزّ وجلّ شروطها «12» غير معارضة «13» ولا منقودة، والمعاملة سامريّة، ودروع الصبر


صفحه 124

سابريّة، والاقتصاد قد قرّت العين بصحبته، والله قد عوّض حبّ الدنيا بمحبّته، فإذا راجعها مثلي من بعد الفراق، وقد رقى لدغتها ألف راق، وجمعتني بها الحجرة، ما الذي تكون الأجرة؟ جلّ شاني، وقد «1» رضي الوامق وسخط «2» الشاني، إني إلى الله تعالى مهاجر، وللغرض «3» الأدنى هاجر، ولأظعان السّرى زاجر، لأحد «4» إن شاء الله وحاجر، ولكن دعاني إلى «5» الهوى، لهذا «6» المولى المنعم هوى، خلعت نعلي الوجود وما خلعته، وشوق «7» أمرني فأطعته، وغالب والله صبري فما استطعته، والحال والله أغلب، وعسى أن لا يخيب المطلب؛ فإن يسّره «8» رضاه فأمل «9» كمل، وراحل احتمل، وحاد أشجى النّاقة والجمل؛ وإن كان خلاف ذلك، فالزمان «10» جمّ العوائق «11» ، والتسليم بمقامي لائق:
[البسيط]
ما بين غمضة «12» عين وانتباهتها ... يصرّف «13» الأمر من حال إلى حال
وأما تفضيله هذا الوطن على غيره «14» ، ليمن طيره، وعموم خيره، وبركة جهاده، وعمران رباه ووهاده، بأشلاء عبّاده وزهّاده «15» ، حتى لا يفضله إلّا أحد الحرمين، فحقّ بريء من المين، لكنّي «16» للحرمين جنحت، وفي جوّ الشوق إليهما سرحت «17» ، فقد «18» أفضت إلى طريق قصدي محجّته، ونصرتني والمنّة لله حجّته، وقصد سيدي أسنى قصد، توخّاه الشكر «19» والحمد، ومعروف عرف به النّكر، وأمل «20» انتحاه الفكر، والآمال والحمد لله بعد تمتار، والله يخلق ما يشاء ويختار، ودعاؤه يظهر الغيب مدد، وعدّة وعدد، وبرّه حالي الظّعن 2»


صفحه 125

والإقامة معتمل معتمد «1» ، ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أحد «2» ، والسلام «3» » .
وهو الآن بقيد الحياة، وذلك ثاني عشر شعبان عام سبعين وسبعمائة.
أحمد بن عباس بن أبي زكريا «4»
ويقال ابن زكريا. ثبت بخط ابن التّيّاني، أنصاريّ النسب، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان «5» كاتبا حسن الكتابة، بارع الخطّ فصيحا، غزير الأدب، قوي المعرفة، شارعا في الفقه، مشاركا في العلوم، حاضر الجواب، ذكيّ الخاطر، جامعا للأدوات السلطانية «6» ، جميل الوجه، حسن الخلقة، كلفا بالأدب، مؤثرا له على سائر لذّاته، جامعا للدواوين «7» العلمية، معنيا بها، مقتنيا للجيّد منها، مغاليا فيها، نفّاعا من خصّه بها «8» ، ولا يستخرج منها شيئا، لفرط بخله بها، إلّا لسبيلها، حتى لقد أثرى كثير من الورّاقين والتجّار معه فيها، وجمع منها ما لم يكن عند ملك.
يساره: يقال إنه لم يجتمع عند أحد من نظرائه ما اجتمع عنده من عين وورق ودفاتر وخرق، وآنية، ومتاع وأثاث وكراع.
مشيخته: روى عن أبي تمام غالب التّياني، وأبي عبد الله بن صاحب الأحباس.
نباهته وحظوته: وزر لزهير العامريّ «9» الآتي ذكره، وارثا الوزارة عن أبيه، وهي ما هي في قطر متحرّ بينابيع السّخيلة، وثرّ بهذه الأمنة مستندا إلى قعساء العزّة، فتبنّك نعيما كثيرا، تجاوز الله عنه.
دخوله غرناطة: الذي اتصل علمي أنه دخل غرناطة منكوبا حسبما يتقرّر.


صفحه 126

نكبته: زعموا أنه كان أقوى الأسباب فيما وقع بين أميره زهير، وبين باديس أمير غرناطة، من المفاسدة، وفصل صحبه إلى وقم باديس وقبيله، وحطّه في حيّز هواه وطاعته، وكان ما شاء الله من استيلاء باديس على جملتهم، ووضع سيوف قومه فيهم، وقتل زهير، واستئصال محلّته؛ وقبض يومئذ على أحمد بن عباس، وجيء به إلى باديس، وصدره يغلي حقدا عليه، فأمر بحبسه، وشفاؤه الولوغ في دمه، وعجل عليه بعد دون أصحابه من حملة الأقلام. قال ابن حيان «1» : حديث ابن عباس أنه كان قد ولع «2» ببيت شعر صيّره هجواه أوقات لعبه بالشطرنج، أو معنى يسنح له مستطيلا بجدّه: [المتقارب]
عيون الحوادث عنّي نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام
وشاع «3» بيته هذا عند «4» الناس، وغاظهم، حتى قلب له مصراعه بعض الشعراء «5» فقال:
«سيوقظها «6» قدر لا ينام»
فما كان إلّا «كلا» و «لا» حتى «7» تنبّهت الحوادث لهضمه، انتباهة انتزعت منه نخوته وعزّته، وغادرته أسيرا ذليلا يرسف في وزن أربعين رطلا «8» من قيده، منزعجا من عضّه لساقه البضّة، التي «9» تألمت من ضغطة جوربه، يوم «10» أصبح فيه أميرا مطاعا، أعتى «11» الخلق على بابه، وآمنهم بمكره، فأخذه أخذ مليك مقتدر، والله غالب على أمره.
وفاته: قال أبو مروان «12» : كان باديس قد أرجأ قتله مع جماعة من الأسرى، وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار من الذّهب العين، مالت إليها نفس باديس إلّا أنه عرض ذلك على أخيه بلكّين، فأنف منه، وأشار عليه بقتله، لتوقعه إثارة فتنة أخرى على يديه، تأكل من ماله أضعاف فديته. قال: فانصرف يوما من بعض ركباته مع أخيه «13» ، فلمّا توسّط الدار التي فيها


صفحه 127

أحمد «1» بقصبة غرناطة، لصق القصر، وقف هو وأخوه بلكّين، وحاجبه علي بن القروي، وأمر بإخراج أحمد إليه، فأقبل يرسف في قيده حتى وقف «2» بين يديه، فأقبل على سبّه وتبكيته بذنوبه، وأحمد يتلطّف «3» إليه، ويسأله إراحته مما هو فيه، فقال له: «اليوم تستريح من هذا الألم، وتنتقل إلى ما هو أشدّ» ؛ وجعل يراطن أخاه بالبربرية «4» ، فبان لأحمد وجه الموت، فجعل «5» يكثر الضّراعة، ويضاعف «6» عدد المال، فأثار غضبه، وهزّ مزراقه «7» ، وأخرجه من صدره؛ فاستغاث الله،- زعموا-، عند ذلك، وذكر أولاده وحرمه؛ للحين أمر باديس بحزّ رأسه ورمي «8» خارج القصر.
حدّث خادم باديس، قال «9» : رأيت جسد ابن عباس ثاني يوم قتله 1»
، ثم قال لي باديس: خذ رأسه وواره مع جسده؛ قال «11» : فنبشت قبره «12» ، وأضفته إلى جسده، بجنب أبي «13» الفتوح قتيل باديس أيضا. وقال لي باديس «14» : ضع عدوّا إلى جنب عدو، إلى يوم القصاص؛ فكان قتل أبي جعفر عشيّة الحادي والعشرين من ذي حجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة «15» ، بعد اثنين وخمسين يوما من أسره. وكان يوم مات ابن ثلاثين، نفعه الله ورحمه.
أحمد بن أبي جعفر بن محمد بن عطيّة القضاعي «16»
من أهل مرّاكش، وأصله القديم من طرطوشة ثم بعد من دانية، يكنى أبا جعفر.


صفحه 128

حاله: كان كاتبا بليغا، سهل المأخذ، منقاد القريحة، سيّال الطبع.
مشيخته: أخذ عن أبيه، وعن طائفة كبيرة من أهل مراكش.
نباهته: كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين، وعن ابنه «1» تاشفين، وعن أبي إسحاق، وكان أحظى كتّابهم. ثم لمّا انقطعت دولة لمتونة، دخل في لفيف الناس، وأخفى نفسه. ولمّا أثار الماسي «2» الهداية بالسوس، ورمى الموحّدين بحجرهم الذي رموا به البلاد، وأعيا أمره، وهزم جيوشهم التي جهّزوها إليه وانتدب منهم إلى ملاقاته، أبو حفص عمر بن يحيى الهنتائي، في جيش خشن من فرسان ورجّالة، كان أبو جعفر بن عطية، من الرّجالة، مرتسما بالرماية، والتقى الجمعان، فهزم جيش الماسي، وظهر عليه الموحّدون. وقتل الدّعي المذكور، وعظم موقع الفتح عند الأمير الغالب يومئذ أبو حفص عمر، فأراد إعلام الخليفة عبد المؤمن، بما سناه الله، فلم يلق في جميع من استصحبه من يجلي عنه، ويوفي ما أراده، فذكر له أن فتى من الرّماة يخاطر بشيء من الأدب والأشعار والرسائل فاستحضره، وعرض عليه غرضه، فتجاهل وظاهر بالعجز، فلم يقبل عذره، واشتدّ عليه، فكتب رسالة فائقة مشهورة، فلمّا فرغ منها وقرأها عليه اشتدّ إعجابه بها وأحسن إليه، واعتنى به، واعتقد أنه ذخر يتحف به عبد المؤمن، وأنفذ الرسالة، فلمّا قرئت بمحضر أكابر الدولة، عظم مقدارها، ونبه فضل منشئها، وصدر الجواب ومن فصوله الاعتناء بكاتبها، والإحسان إليه، واستصحابه مكرّما. ولما أدخل على عبد المؤمن سأله عن نفسه، وأحظاه لديه وقلّده خطّة الكتابة، وأسند إليه وزارته، وفوّض إليه النظر في أموره كلها؛ فنهض بأعباء ما فوّض إليه، وظهر فيه استقلاله وغناؤه، واشتهر بأجمل السّعي للناس واستمالتهم بالإحسان وعمّت صنائعه «3» ، وفشا معروفه، فكان محمود السّيرة، منحب «4» المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المأخذ، ميسّر المآرب، وكانت وزارته زينا للوقت، كمالا للدولة.
محنته: قالوا: واستمرّت حالته إلى أن بلغ الخليفة عبد المؤمن أن النصارى غزوا قصبة ألمرية، وتحصّنوا بها؛ واقترن بذلك تقديم ابنه يعقوب على إشبيلية،


صفحه 129

فأصحبه أبا جعفر بن عطية، وأمره أن يتوجّه بعد استقرار ولده بها إلى ألمرية؛ وقد تقدّم إليها السيد أبو سعيد بن عبد المؤمن، وحصر من بها النصارى، وضيّق عليهم، ليحاول أمر إنزالهم، ثم يعود إلى إشبيلية، ويتوجّه منها مع واليها، إلى منازلة الثائر بها على الوهيبي؛ فعمل على ما حاوله من ذلك؛ واستنزل النصارى من ألمريّة على العهد بحسن محاولته، ورجع السيد أبو سعيد إلى غرناطة، مزعجين إليها، حتى يسبقا جيش الطاغية؛ ثم انصرف إلى إشبيلية ليقضي الغرض من أمر الوهيبي. فعندما خلا منه الجوّ، ومن الخليفة مكانه، وجدت حسّاده السبيل إلى التدبير عليه، والسعي به، حتى أو غروا صدر الخليفة؛ فاستوزر عبد المؤمن ابن عبد «1» السلام بن محمد الكومي. وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجدّ في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وأغرى به صنائعه، وشحن عليه حاشيته، فبرّوا وراشوا وانقلبوا، وكان مما نقم على أبي جعفر، نكاة القرح بالقرح، في كونه لم يقف في اصطناع العدد الكثير من اللمتونيين، وانتياشهم من خمولهم، حتى تزوج بنت يحيى الحمار من أمرائهم؛ وكانت أمها زينب بنت علي بن يوسف، فوجدوا السّبيل بذلك إلى استئصال شأفته والحكام، حتى نظم منهم مروان بن عبد العزيز، طليقه ومسترقّ اصطناعه، أبياتا طرحت بمجلس عبد المؤمن «2» : [البسيط]
قل للإمام أطال «3» الله مدّته ... قولا تبين لذي لبّ حقائقه
إنّ الزراجين قوم قد وترتهم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه «4»
وللوزير إلى آرائهم ميل ... لذاك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم في إطفاء «5» نارهم «6» ... فربما عاق عن أمر عوائقه
هم العدوّ ومن والاهم كهم ... فاحذر عدوّك واحذر من يصادقه
الله يعلم أني ناصح لكم ... والحقّ أبلج لا تخفى طرائقه «7»