بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 134

دخوله غرناطة: احتلّ بغرناطة عام أحد وخمسين وخمسمائة، لما استدعى أهل جهات ألمريّة، السيّد أبا سعيد إلى منازلة من بها النصارى؛ وحشد، ونزل عليها، ونصب المجانيق على قصبتها، واستصرخ من بها الطاغية «1» ، فأقبل إلى نصرهم؛ واستمدّ السيد أبو سعيد الخليفة، فوجّه إليه الكبير أبا جعفر بن عطية صحبة السيد أبي يعقوب ابنه، فلحق به، واتّصل الحصار شهورا سبعة، وبذل الأمن لمن كان بها، وعادت إلى ملكة الإسلام، وانصرف الوزير أبو جعفر صحبة السيد أبي يعقوب إلى إشبيلية، وجرت أثناء هذه أمور يطول شرحها؛ ففي أثناء هذه الحركة دخل أبو جعفر غرناطة، وعدّ فيمن ورد عليها.
مولده: بمرّاكش عام سبعة وعشرين وخمسمائة «2» .
وفاته: على حسب ما تقدّم ذكره، لليلة بقيت من صفر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة «3» .
أحمد بن محمد بن شعيب الكرياني
من أهل فاس، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن شعيب من كريانة، قبيلة من قبائل الرّيف الغربي.
حاله: من «عائد الصّلة» : من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف.
كتب في ديوان سلطان المغرب مرئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء.
مشيخته: قرأ في بلده فاس على كثير من شيوخها، كالأستاذ أبي عبد الله بن أجروم نزيل فاس، والأستاذ أبي عبد الله بن رشيد، ووصل إلى تونس، فأخذ منها الطبّ والهيئة على الشيخ رحلة وقته في تلك الفنون، يعقوب بن الدرّاس.


صفحه 135

وكان مما خاطب به الشيخ أبا جعفر بن صفوان، وقد نشأت بينهما صداقة أوجبها القدر المشترك من الولوع بالصّنعة المرموزة، يتشوّق إلى جهة كانوا يخلون بها للشيخ فيها ضيعة بخارج مالقة كلأها الله: [المتقارب]
رعى الله وادي شنيانة ... وتلك الغدايا وتلك اللّيالي «1»
ومسرحنا بين خضر الغصون ... وودق المياه وسحر الظّلال
ومرتعنا تحت أدواحه ... ومكرعنا في النّمير الزّلال
نشاهد منها كعرض الحسام ... إذا ما انتشت فوقه كالعوالي «2»
ولله من درّ حصبائه ... لآل وأحسن بها من لآل
وليل به في ستور الغصون ... كخود ترنّم فوق الحجال
وأسحاره كيف راقت وص ... حّ النسيم بها في اعتدال
ولله منك أبا جعفر ... عميد الحلال حميد الخلال
تطارحني برموز الكنوز ... وتسفر لي عن معاني المعالي
وتبدلني في شجون الحديث ... ويا طيبة كلّ سحر حلال
فألقط من فيك سحر البيان ... مجيبا به عن عريض النّوال
أفدت الذي دونها معشر ... كثير المقال قليل النّوال
فأصبحت لا أبتغي بعدها ... سواك وبعدكما لا أبالي «3»
وخاطب الفقيه العالم أبا جعفر بن صفوان يسأله عن شيء من علم الصناعة بما نصّه: [الكامل]
دار الهوى نجد وساكنها ... أقصى أماني النفس من نجد
وممّا صدّر به رسالة: [الطويل]
أيجمع هذا الشّمل بعد شتاته؟ ... ويوصل هذا الحبل بعد انبتاته؟
أما للبلى آية عيسويّة ... فينشر ميّت الأنس بعد مماته؟
ويورد عيني بعد ملح مدامعي ... برؤيته في عذبه وفراته؟


صفحه 136

وأنشد له صاحبنا الجليل صاحب العلّامة «1» بالمغرب، أبو القاسم بن صفوان قوله: [المنسرح]
يا ربّ ظبي شعاره نسك ... ألحاظه في الورى لها فتك
يترك من هام به مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه التّرك
أشكو له ما لقيت من حرق ... فيمشين «2» لاهيا إذا أشكو
صبرت حتى أطلّ عارضه ... فكان صبري ختامه مسك
ومن المعاتبة والفكاهة قوله: [السريع]
وبائع للكتب يبتاعها ... بأرخض السّوم وأغلاه
في نصف الاستذكار أعطيته ومحّض العين وأرضاه وله أيضا: [الكامل]
يا من توعّدني بحادث هجره ... إنّ السّلوّ لدون ما يتوعّد
هذا عذارك وهو موضع سلوتي ... فأكفف فقد سبق الوعيد الموعد
وأظنّ سلوتنا غدا أو بعده ... فبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وله أيضا: [الكامل]
قال العذول تنقّصا لجماله ... هذا حبيبك قد أطلّ عذاره
لا بل بدا فصل الربيع بخدّه ... فلذا تساوى ليله ونهاره
وله يرثي: [مجزوء الكامل]
يا قبر صبح، حلّ في ... ك بمهجتي أسنى الأماني «3»
وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنيّة إنها ... تقصي مكانك عن مكاني «4»
كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان
وله أيضا يرثيها: [الكامل]
يا صاحب القبر الذي أعلامه ... درست وثابت حبّه لم يدرس


صفحه 137

ما اليأس منك على التصبّر حاملي ... أيأستني فكأنني لم أيأس
لمّا ذهبت بكلّ حسن أصبحت ... نفسي تعاني شجو كلّ الأنفس
أصباح أيّامي ليال كلّها ... لا تنجلي عن صبحك المتنفّس
وقال في ذلك: [مجزوء الكامل]
أعلمت ما صنع الفرا ... ق غداة جدّ به الرّفاق؟
ووقفت منهم حيث للن ... نظرات والدمع استباق
سبقت مطاياهم فما ... أبطا «1» بنفسك في السباق
أأطقت حمل صدودهم ... للبين خطب لا يطاق
عن ذات عرق أصعدوا ... أتقول دارهم العراق
نزلوا ببرقة ثمهد ... فلذاك ما شئت البراق
وتيامنوا عسفان أن ... يقفوا بمجتمع الرّفاق
ما ضرّهم وهم المنى ... لو وافقوا بعض الوفاق
قالوا تفرّقنا غدا ... فشغلت عن وعد التّلاق
عمدا رأوا قتل العمي ... د فكان عيشك في اتّفاق
أولى لجسمك أن يرقّ ... ودمع عينك أن يراق
أمّا الفؤاد فعندهم ... دعه ودعوى الاشتياق
أعتاد حبّ محلهم ... فمحلّ صدرك عنه ضاق
واها لسالفة الشبا ... ب مضت بأيامي الرقاق
أبقت حرارة لوعة ... بين الترائب والتّراق
لا تنطفي وورودها ... من أدمعي كأس دهاق
وقال أيضا: [الكامل]
يا موحشي والبعد دون لقائه ... أدعوك عن شحط وإن لم تسمع
يدنيك مني الشوق حتى إنني ... لأراك رأي العين لولا أدمعي
وأحنّ شوقا للنّسيم إذا سرى ... لحديثكم وأصيح كالمستطلع
كان اللّقاء «2» فكان حظّي ناظري ... وسط الفراق فصار حظّي مسمعي «3»


صفحه 138

فابعث خيالك تهده نار الحشا ... إن كان يجهل من مقامي موضعي «1»
واصحبه من نومي بتحفة قادم ... فصدى فليل ركابكم لم تجمع
دخوله غرناطة: دخل غرناطة على عهد السابع من ملوكها الأمير محمد «2» لقرب من ولايته في بعض شؤونه؛ وحقّق بها تغيير أمر الأدوية المنفردة التي يتشوّف الطّيب إليها والشحرور، وهي بقرية شون «3» من خارجها.
وفاته: رحمه الله، توفي بتونس في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن حسين بن علي بن سليمان بن عرفة اللخمي
الفقيه، الرئيس، المتفنّن، حامل راية مذهب الشعر في وقته، المشار إليه بالبنان في ذلك ببلده، يكنى أبا العباس.
حاله: كان فذّا في الأدب، طرفا في الإدراك، مهذب الشمائل، ذلق اللسان، ممتع المجالسة والمحاضرة، حلو الفكاهة، يرمي كل غرض بسهم، إلى شرف النشأة وعزّ المرتبة، وكرم المحتد، وأصالة الرياسة.
حدّثني الشيخ أبو زكريا بن هذيل، قال: حضرت بمجلس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، وأبو العباس بدر هالته، وقطب جلالته، فلم يحر بشيء إلّا ركض فيه، وتكلّم بملء فيه. ثم قمنا إلى زبّارين يصلحون شجرة عنب، فقال لعريفهم: حقّ هذا أن يقصر، ويطال هذا، ويعمل كذا. فقال الوزير: يا أبا العباس، ما تركت لهؤلاء أيضا حظّا من صناعتهم، يستحقّون به الأجرة، فعجبنا من استحضاره، ووساعة ذرعه، وامتداد حظّ كفايته.
قدومه على غرناطة: قدم عليها مع الجملة من قومه عند تغلب الدولة النصرية على بلدهم، ونزول البلاء والغلاء والمحنة بهم، والجلاء بهم في آخر عام خمسة


صفحه 139

وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم بعد إن شاء الله. وكان أوفر الدواعي في الاستعطاف لهم بما تقدّم بين يدي أدعيائهم، ودخولهم على السلطان، أن الذي تنخل بمثله السّخائم، وتذهب الإحن. وخطب لنفسه، فاستمرت حاله لطيف المنزلة، معروف المكانة، ملازما مجلس مدبّر الدولة، مرسوما بصداقته، مشتملا عليه ببرّه، إلى أن كان من تقلّب الحال، وإدالة الدولة، ما كان.
شعره: وشعره نمط عال، ومحلّ البراعة حال، لطيف الهبوب، غزير المائية، أنيق الديباجة، جمّ المحاسن؛ فمنه في مذهب المدح، يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم «1» : [الكامل]
ملّكت «2» رقيّ بالجمال فأجمل ... وحكمت في «3» قلبي بجورك فاعدل
أنت الأمير على الملاح ومن يجر ... في حكمه إلّا جفونك يعزل
إن قيل أنت البدر فالفضل الذي ... لك بالكمال ونقصه لم يجهل
لولا الحظوظ لكنت أنت مكانه ... ولكان دونك في الحضيض الأسفل
عيناك نازلتا القلوب فكلّها ... إما جريح أو مصاب المقتل
هزّت ظباها بعد كسر جفونها ... فأصيب قلبي في الرّعيل الأول
ما زلت أعذل في هواك ولم يزل ... سمعي عن العذّال فيك بمعزل
أصبحت في شغل بحبك شاغل ... عن أن أصيخ إلى كلام العذّل
لم أهمل الكتمان لكن أدمعي ... هملت ولو لم تعصني لم تهمل
جمع الصحيحين الوفاء مع الهوى ... قلبي وأملى الدّمع كشف المشكل
ما في الجنوب ولا الشمال جواب ما ... أهدى إليك مع الصّبا والشّمال «4»
خلسا له من طيب عرفك نفحة ... تجيء بها دماء عليلها المتعلل
إن كنت بعدي حلت عمّا لم أحل ... عنه وأهملت الذي لم أهمل
أو حالت الأحوال فاستبدلت بي ... فإنّ حبي فيك لم يستبدل


صفحه 140

لا قيت بعدك ما لو أنّ أقلّه ... لاقى الثرى لأذاب صمّ الجندل
وحملت في حبّك ما لو حمّلت ... شمّ الجبال أخفّه لم تحمل
من حيف دهر بالحوادث مقدم ... حتى على حبس الهزبر المشبل
قد كنت منه قبل كرّ صروفه ... فوق السّنام فصرت تحت الكلكل
ونصول شيب قد ألمّ بلمّتي ... وخضاب أبي شيبة لم تنصل
ينوي الإقامة ما بقيت وأقسمت ... لا تنزل اللذات ما لم يرحل
ومسير ظعن ودان حميمه ... لاقى الحمام وإنّه لم يفعل
يطوي على جسدي الضلوع فقلبه ... بأواره يغلي كغلي المرجل
في صدره ما ليس في صدري له ... من مثله مثقال حبّة خردل
أعرضت عنه ولو أشفّ لذمّه ... شعري لجرّعه نقيع الحنظل
جلّيت في حلبات سبق لم يكن ... فيها مرتاح ولا بمؤمّل
ما ضرّه سبقيه في زمن مضى ... أنّ المجلّى فيه دون الفسكل
ساءته منّي عجرفيّة قلّب ... باق على مرّ الحوادث حوّل
متحرّق في البذل مدّة سيره ... متجلّد في عسره متجمّل
حتى يثوب له الغنى من ماجد ... بقضاء حاجات الكرام موكّل
مثل الوزير ابن الحكيم وما له ... مثل يقوم مقامه متمثّل
ساد الورى بحديثه وقديمه ... في الحال والماضي وفي المستقبل
من بيت مجد قد سمعت بقبابه ... أقيال لخم في الزمان الأوّل
سامي الدعائم طال بيت وزارة ... ومشاجع وأبي الفوارس نهشل
يلقى الوفود ببسط وجه مشرق ... تجلو طلاقته هموم المجتلي
فلآملي جدواه حول فنائه ... لقط القطا الأسراب حول المنهل
وإذا نحى بالعدل فصل قضية ... لم تحظ فصلا من إطالة مفصل
يقضي على سخب الخصوم وشغبهم ... ويقيم مغريهم مقام المؤمل
ويلقّن الحج العييّ تحرّجا ... من رامح عند اللّجاج وأعزل
فإذا قضى صور المحقّ بحقّه ... عنه وحلّق عقابه بالمبطل
عجل على من يستحقّ مثوبة ... فإذا استحقّ عقوبة لم يعجل
يا كافي الإسلام كلّ عظيمة ... ومعيده غضّا كأن لم يذبل


صفحه 141

وقال أيضا يمدحه بقصيدة من مطوّلاته: وإنما اجتلبت من مدحه للوزير ابن الحكيم لكونه يمدح أديبا ناقدا، وبليغا بالكلام بصيرا، والإجادة تلزم فيه منظومه، إذ لا يوسع القريحة فيه عذرا، ولا يقبل من الطّمع قدرا، وهي:
[الكامل]
أما الرّسوم فلم ترقّ لما بي ... واستعجمت عن أن تردّ جوابي
واستبدلت بوحوشها من أنس ... بيض الوجوه كواعب أتراب
ولقد وقفت بها أرقرق عبرة ... حتى اشتكى طول الوقوف صحابي «1»
يبكي لطول بكاي في عرصاتها ... صحبي ورجّعت الحنين ركابي «2»
ومن شعره في المقطوعات غير المطوّلات: [مجزوء البسيط]
لم يبق ذو عين «3» لم يسبه ... وجهك من زين بلا مين
فلاح بينهما طالعا ... كأنه قمر «4» بلا مين
ومن ذلك قوله: [البسيط]
كأنما الخال مصباح بوجنته ... هبّت عواصف أنفاسي فعطف «5»
أو نقطة قطرت في الخدّ إذ رسمت ... خطّ الجمال بخطّ اللّام والألف
ومن ذلك قوله: [المنسرح]
وعدتني أن تزور يا أملي ... فلم أزل للطريق مرتقبا
حتى إذا الشمس للغروب دنت ... وصيّرت من لجينها ذهبا
آنسني البدر منك حين بدا ... لأنّه لو ظهرت لاحتجبا
ومن ذلك قوله: [الرمل]
هجركم ما لي عليه جلد ... فأعيدوا لي «6» الرضى أو فعدوا «7»
ما قسا قلبي من هجرانكم ... ولقد طال عليه الأمد