عمر بن الهندي، خاصم يوما عند صاحب الشّرطة والصلاة، إبراهيم بن محمد، فنكل وعجز عن حجّته، فقال له الشرطي: ما أعجب أمرك، أبا عمر، أنت ذكي لغيرك، بكيّ»
في أمرك؛ فقال أبو عمر: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ
«2» . ثم أنشد متمثّلا: [المنسرح]
صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
قال: وحدّثني الشيخ أبو العباس بن الكاتب ببجاية، وهو آخر من كتبنا معه الحديث من أصحاب ابن الغمّاز، قال: كنت آويا إلى أبي الحسن حازم القرطجاني بتونس؛ وكنت أحسن الخياطة، فقال لي: إن المستنصر خلع على جبّة جربيّة من لباسه، وتفصيلها ليس من تفصيل أثوابنا بشرق الأندلس، وأريد أن تحلّ أكمامها؛ وتصيّرها مثل ملابسنا. فقلت له: وكيف يكون العمل؟ فقال: تحلّ رأس الكمّ، ويوضع الضيّق بالأعلى، والواسع بالطرف. فقلت: وبم يحيّر الأعلى؟ فإنه إذا وضع في موضع واسع، سطت علينا فرج ما عندنا؛ ما يصنع فيها إلا أن رقّعنا بغيرها، فلم يفهم. فلما يئست منه تركته وانصرفت. فأين هذا الذهن الذي صنع المقصورة وغيرها من عجائب كلامه.
مولده: في رمضان من عام ثلاثين وستمائة.
وفاته: توفي بألمرية يوم الثلاثاء السابع والعشرين لربيع الآخر من عام اثنين وسبعمائة، ودفن بخارج باب بجاية بمقبرة من تربة الشيخ الزاهد أبي العباس بن مكنون.
أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن محمد ابن مصادف بن عبد الله
يكنى أبا جعفر، ويعرف بابن مصادف؛ من أهل بسطة، واستوطن غرناطة، وقرأ وأقرأ بها.
حاله: من أهل الطلب والسّلاطة والاجتهاد، وممّن يقصر محصّله عن مدى اجتهاده، خلوب «3» اللسان، غريب الشّكل، وحشيّه، شتيت الشّعر معفيه، شديد
الاقتحام والتّسوّر، قادر على اللّصوق بالأشراف. رمى بنفسه على مشيخة الوقت يطرقهم طروق الأمراض الوافدة، حتى استوعب الأخذ عن أكثرهم، يفكّ عن فائدته فكّ المتبرّم، وينتزعها بواسطة الحيا، ويسلّط على قنصها جوارح التبذّل والإطراء، إلى أن ارتسم في المقرئين بغرناطة، محوّلا عليه بالنّحب والملق، وسدّ الترتيب المدني؛ ولوثة تعتاده في باب الرّكوب والثّقافة «1» ، وهو لا يستطيع أن يستقرّ بين دفّتي السّرج، ولا يفرق بين مبسوط الكف، أخذ نفسه في فنون، من قرآن، وعربيّة، وتفسير، وامتحن مرّات لجرّ حركة القلقلة الذي لا يملك عنانه، ثم تخلّص من ذلك، وهو على حاله إلى الآن.
مشيخته: قرأ على الخطيب ببسطة، وأبي الأصبغ بن عامر، والخطيبين بها أبي عبد الله وأبي إسحاق ابن عمّه، وأبي عبد الله بن جابر، وعلى أبي عثمان بن ليون بألمريّة، والخطيب أبي عبد الله بن الغربي بحمّة «2» . وتلا القرآن بقراءاته السبع على شيخنا أبي عبد الله بن الوالي العوّاد. وروى عن شيخنا أبي الحسن بن الجيّاب، وعلى الحاج أبي الحجاج الساحلي، فكتب الإقراء، وأخذ الفقه عن الأستاذ أبي عبد الله البيّاني «3» . وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم البيّاني، وقرأ على قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني. ولازم أستاذ الجماعة أبا عبد الله الفخّار، وقرأ عليه العربية، وصاهره على بنته الأستاذ المذكور، وانتفع به، إلى أن ساء ما بينهما عند وفاة الشيخ فرماه بترمية بيضاء تخلّقها، مثيرة عجب، مرّة. وحاله متصلة على ذلك، وقد ناهز الاكتهال.
أحمد بن حسن بن باصة الأسلمي المؤقّت بالمسجد الأعظم بغرناطة
أصله من شرق الأندلس، وانتقل إليها والده، يكنى أبا جعفر.
حاله: كان نسيج وحده، وقريع دهره، معرفة بالهيئة، وإحكاما للآلة الفلكية، ينحت منها بيده ذخائر، يقف عندها النظر والخبر، جمال خطّ، واستواء صنعة، وصحة وضع، بلغ في ذلك درجة عالية، ونال غاية بعيدة، حتى فضل بما ينسب إليه
من ذلك كثيرا من الأعلام المتقدمين، وأزرت آلاته بالحمايريات والصّفاريّات وغيرها من آلات المحكمين، وتغالى الناس في أثمانها، أخذ ذلك عن والده الشيخ المتفنن شيخ الجماعة في هذا الفن.
وفاته: في عام تسعة «1» وسبعمائة.
أحمد بن محمد بن يوسف الأنصاري
من أهل غرناطة؛ يكنى أبا جعفر، ويعرف بالحبالي.
حاله: عكف صدرا من زمانه منتظما في العدول «2» ، آويا إلى تخصيص وسكون ودماثة، وحسن معاملة، له بصر بالمساحة والحساب، وله بصر بصناعة التعديل وجداول الأبراج، وتدرّب في أحكام النجوم، مقصود في العلاج بالرّقا والعزائم، من أولي المسّ والخبال، تعلّق بسبب هذه المنتحلات بأذيال الدول، وانبتّ من شيمته الأولى، فنال استعمالا في الشهادات المخزنية، وخبر منه أيام قربه من مبادئ الأمور والنّواهي، ومداخلة السلطان؛ صمت وعقل، واقتصار على معاناة ما امتحن به، وهو الآن بقيد الحياة.
مشيخته: أخذ تلك الصناعة عن الشيخ أبي عبد الله الفخّار، المعروف بأبي خزيمة، أحد البواقع الموسومين بصحة الحكم فيها، وعلى أبي زيد بن مثنى؛ وقرأ الطب على شيخنا أبي زكريا بن هذيل، رحمه الله؛ ونسب إليه عند الحادثة على الدولة وانتقالها إلى يد المتغلّب، اختيار وقت الثورة وضمان تمام الأمر، وشهد بذلك بخطّ، وغيب من إيثارها. فلما عاد الأمر إلى السلطان المزعج بسببها إلى العدوة، أوقع به نكيرا كثيرا، وضربه بالسّياط التي لم يخلّصه منها إلا أجله، وأجلاه إلى تونس في جملة المغرّبين في أواخر عام ثلاثة وستين وسبعمائة.
وأخبرني السلطان المذكور أن المترجم به كتب إليه بمدينة فاس، قبل شروعه في الوجهة، يخبره بعودة الملك إليه، وبإيقاعه المكروه الكبير به، بما شهد بمهارته في الصنعة، إن صحّ ذلك كله من قوانينها، نسأل الله أن يضفي علينا لبوس ستره، ويقينا شرّ عثرات الألسن بمنّه.
أحمد بن محمد الكرني
من أهل غرناطة.
حاله: شيخ الأطباء بغرناطة على عهده، وطبيب الدار السلطانية. كان نسيج وحده، في الوقار والنّزاهة، وحسن السّمت، والتزام مثلى الطريقة، واعتزاز الصّنعة؛ قائما على صناعة الطبّ، مقرئا لها، ذاكرا لنصوصها، موفّقا في العلاج، مقصودا فيه، كثير الأمل والمثاب، مكبوح العنان عمّا تثبت به أصول صناعته من علم الطبيعة، سنيّا، مقتصرا على المداواة؛ أخذ عن الأستاذ أبي عبد الله الرّقوطي، ونازعه بالباب السلطاني، لمّا شدّ، واحتيج إلى ما لديه في حكم بعض الأموال المعروضة على الأطبّاء، منازعة أوجبت من شيخه يمينا أن لا يحضر معه بمكان، فلم يجتمعا بباب السلطان بعد، مع التمسّك بما لديهما، وأخذ عن ابن عروس وغيره، وأخذ عنه جملة من شيوخنا كالطبيب أبي عبد الله بن سالم، والطبيب أبي عبد الله بن سراج وغيرهما.
حدّثني والدي بكثير من أخباره في الوقار وحسن الترتيب، قال: كنت آنس به، ويعجبني استقصاؤه أقوال أهل هذا الفن من صنعته، على مشهوره، فلقد عرض عليه، لعليل لنا، بعض ما يخرج، وفيه حيّة، فقال على فتور، وسكونة، ووقار كثير: هذا العليل يتخلص، فقد قال الرئيس ابن سينا في أرجوزته: [الرجز]
إن خرج الخلط مع الحيّات ... في يوم بحران فعن حياة
وهذا اليوم من أيام البحرانية، فكان كما قال.
وفاته: كان حيّا سنة تسعين وستمائة.
أحمد بن محمد بن أبي الخليل، مفرّج الأموي «1»
مولاهم، من أهل إشبيلية، يكنى أبا العباس، وكناه ابن فرتون أبا جعفر وتفرّد بذلك، يعرف بالعشّاب، وابن الرّوميّة، وهي أشهرهما وألصقهما به.
أوّليّته: قال القاضي أبو عبد الله «2» : كان ولاء «3» جدّه أحد أطباء قرطبة، وكان قد تبنّاه، وعن مولاه أخذ علم النبات.
حاله: كان نسيج وحده، وفريد دهره، وغرّة جنسه، إماما في الحديث، حافظا، ناقدا، ذاكرا تواريخ المحدّثين وأنسابهم وموالدهم ووفاتهم، وتعديلهم، وتجريحهم؛ عجيبة نوع الإنسان في عصره، وما قبله، وما بعده، في معرفة علم النبات، وتمييز العشب، وتحليتها، وإثبات أعيانها، على اختلاف أطوار منابتها، بمشرق أو مغرب حسّا، ومشاهدة، وتحقيقا، لا مدافع له في ذلك، ولا منازع، حجة لا تردّ ولا تدفع، إليه يسلّم في ذلك ويرجع. قام على الصّنعتين؛ لوجود القدر المشترك بينهما، وهما الحديث والنبات، إذ موادهما الرّحلة والتّقييد، وتصحيح الأصول وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان، وغير ذلك. وكان زاهدا في الدنيا، مؤثرا بما في يديه منها، موسّعا عليه في معيشته، كثير الكتب، جمّاعا لها، في كل فنّ من فنون العلم، سمحا لطلبه العلم، ربما وهب منها لملتمسه الأصل النفيس، الذي يعزّ وجوده، احتسابا وإعانة على التعليم؛ له في ذلك أخبار منبئة عن فضله، وكرم صنعه، وكان كثير الشّغف بالعلم، والدّؤوب على تقييده ومداومته، سهر الليل من أجله، مع استغراق أوقاته، وحاجات الناس إليه، إذ كان حسن العلاج في طبّه المورود، الموضوع، لثقته ودينه.
قال ابن عبد الملك «1» : إمام المغرب قاطبة فيما كان سبيله، جال الأندلس، ومغرب العدوة، ورحل إلى المشرق، فاستوعب المشهور من إفريقيّة، ومصره، وشامه، وعراقه، وحجازه، وعاين الكثير ممّا ليس بالمغرب؛ وعاوض كثيرا فيه، كلّ ما أمكنه، بمن يشهد له بالفضل في معرفته، ولم يزل باحثا على حقائقه، كاشفا عن غوامضه، حتى وقف منه على ما لم يقف عليه غيره، ممّن تقدّم في الملّة الإسلامية، فصار واحد عصره فردا، لا يجاريه فيه أحد بإجماع من أهل ذلك الشأن.
مذاهبه: كان «2» سنّيّا ظاهريّ المذهب، منحيا على أهل الرأي، شديد التعصّب لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، على دين متين، وصلاح تامّ، وورع شديد؛ انتشرت عنه تصانيف أبي محمد بن حزم، واستنسخها «3» ، وأظهرها، واعتنى بها، وأنفق عليها أموالا جمّة، حتى استوعبها جملة، حتى لم يشذّ له منها إلّا ما لا خطر، متقدما ومقتدرا على ذلك بجدّته ويساره، بعد أن تفقّه طويلا على أبي الحسن «4» محمد بن أحمد بن زرقون في مذهب مالك.
مشيخته: البحر الذي لا نهاية له؛ روى «1» بالأندلس عن أبي إسحاق الدّمشقي «2» ، وأبي عبد الله اليابري «3» ، وأبي البركات بن داود «4» ، وأبي بكر بن طلحة، وأبي عبد الله بن الحر، وابن العربي، وأبي علي الحافظ، وأبي زكريا بن مرزوق، وابن يوسف، وابن ميمون الشريشي، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي ذرّ مصعب، وأبي العباس ابن سيّد الناس، وأبي القاسم البرّاق، وابن جمهور، وأبي محمد بن محمد بن الجنّان، وعبد المنعم بن فرس، وأبي الوليد بن عفير؛ قرأ عليهم وسمع. وكتب إليه مجيزا من أهل الأندلس والمغرب، أبو البقاء بن قديم، وأبو جعفر حكم الجفّار، وأبو الحسن الشّقوري، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زكريا الدمشقي، وأبو عبد الله الأندرشي، وأبو القاسم بن سمجون، وأبو محمد الحجري.
ومن أهل المشرق جملة، منهم أبو عبد الله الحمداني بن إسماعيل بن أبي صيف، وأبو الحسن الحويكر نزيل مكة. وتأدّى إليه أذن طائفة من البغداديين والعراقيين له في الرواية، منهم ظفر بن محمد، وعبد الرحمن بن المبارك، وعلي بن محمد اليزيدي، وفناخسرو فيروز بن سعيد، وابن سنيّة، ومحمد بن نصر الصّيدلاني، وابن تيميّة، وابن عبد الرحمن الفارسي، وابن الفضل المؤذّن، وابن عمر بن الفخّار، ومسعود بن محمد بن حسّان المنيغي، ومنصور بن عبد المنعم الصاعدي، وابن هوازن القشيري، وأبو الحسن النّيسابوري.
وحجّ «5» سنة اثنتي عشرة «6» وستمائة، فأدّى الفريضة سنة ثلاث عشرة «7» ، ولقّب بالمشرق بحب الدّين. وأقام في رحلته نحو ثلاثة أعوام، لقي فيها من الأعلام العلماء، أكابر جملة؛ فمنهم ببجاية أبو الحسن بن نصر «8» ، وأبو محمد بن مكّي «9» ؛ وبتونس أبو محمد المرجاني «10» ؛ وبالإسكندرية أبو الأصبغ بن عبد العزيز «11» ، وأبو
الحسن بن جبير الأندلسي «1» ، وأبو الفضل بن جعفر بن أبي الحسن بن أبي البركات، وأبو محمد عبد الكريم الربعي، وأبو محمد العثماني أجاز له ولم يلقه، وبمصر أبو محمد بن سحنون الغماري ولم يلقه، وأبو الميمون بن هبة الله القرشي؛ وبمكة أبو علي الحسن بن محمد بن الحسين، وأبو الفتوح نصر بن أبي الفرج الحصري؛ وببغداد «2» أحمد بن أبي السعادات، وأحمد بن أبي بكر؛ وابن أبي «3» خط طلحة، وأبو نصر القرشي «4» ، وإبراهيم بن أبي ياسر القطيعي، ورسلان «5» المسدي، والأسعد بن بقاقا»
، وإسماعيل بن باركش الجوهري، وإسماعيل بن أبي البركات.
وبرنامج مرويّاته وأشياخه، مشتمل على مئين «7» عديدة، مرتبة أسماؤهم على البلاد العراقية وغيرها، لو تتبّعتها لاستبعدت الأوراق، وخرجت عمّا قصدت.
قال القاضي أبو عبد الله المراكشي بعد الإتيان على ذلك «8» : منتهى الثّقات أبو العباس النباتي، من التّقييد الذي قيّد، وعلى ما ذكره في فهارس له منوّعة، بين بسط، وتوسّط، واقتضاب، وقفت منها بخطّه، وبخطّ بعض أصحابه، والآخذين عنه.
من أخذ عنه: حدّث ببغداد برواية واسعة، فأخذ عنه بها أبو عبد الله بن سعيد اللّوشي؛ وبمصر الحافظ أبو بكر القط، وبغيرها من البلاد أمّة وقفل برواية واسعة، وجلب كتبا غريبة.
تصانيفه: له «9» فيما ينتحله من هذين الفنّين تصانيف مفيدة، وتنبيهات نافعة، واستدراكات نبيلة بديعة «10» ، منها في الحديث ورجاله «11» «المعلم بزوائد البخاري على مسلم» ، و «اختصار غريب «12» حديث مالك» للدّارقطني، و «نظم الدّراري فيما
تفرّد به مسلم عن البخاري» ، و «توهين طرق حديث الأربعين» ، و «حكم الدّعاء في أدبار الصّلوات» ، و «كيفية الأذان يوم الجمعة» ، و «اختصار الكامل في الضّعفاء والمتروكين» لأبي محمد بن عدي، و «الحافل في تذييل الكامل» ؛ و «أخبار محمد بن إسحاق» .
ومنها في النبات «1» ، «شرح حشائش دياسقوريدوس وأدوية جالينوس» ، والتنبيه على أوهام ترجمتها «2» ؛ و «التنبيه على أغلاط الغافقي «3» » ، والرّحلة النّباتية والمستدركة، وهو الغريب الذي اختصّ به، إلّا أنه عدم عينه بعده، وكان معجزة في فنّه؛ إلى غير ذلك من المصنّفات الجامعة، والمقالات المفيدة المفردة، والتعاليق المنوّعة.
مناقبه: قال ابن عبد الملك وابن الزّبير، وغيرهما «4» : عني تلميذه، الآخذ به، الناقد، المحدّث، أبو محمد بن قاسم الحرّار، وتهمم بجمع أخباره، ونشر مآثره، وضمّن ذلك مجموعا حفيلا نبيلا.
شعره: ذكره أبو الحسن بن سعيد في «القدح المعلّى» ، وقال «5» : جوّال بالبلاد المشرقية «6» والمغربية، جالسته بإشبيلية بعد عوده «7» من رحلته، فرأيته متعلقا بالأدب، مرتاحا إليه ارتياح البحتري لحلب، وكان غير متظاهر بقول الشّعر، إلّا أن أصحابه يسمعون منه، ويروون عنه، وحملت عنه «8» في بعض الأوقات، فقيّدت عنه هذه الأبيات: [البسيط]
خيّم بجلّق «9» بين الكأس والوتر ... في جنّة هي ملء السّمع والبصر
ومتّع الطّرف في مرأى محاسنها ... تروض «10» فكرك بين الروض والزّهر
وانظر إلى ذهبيّات الأصيل بها ... واسمع إلى نغمات الطّير في الشّجر «11»
وقل لمن لام في لذّاته بشرا ... دعني فإنّك عندي من سوى البشر