بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 406

بما بيننا من خلوة معنوية ... أرقّ من النجوى وأحلى من السّلوى
قفي أتشكّى لوعة البين ساعة ... ولا يك هذا آخر العهد بالنّجوى
قفي ساعة في عرصة الدار وانظري ... إلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقا إليكم ... فما حنّ مسراها إليّ «1» ولا ألوى
فيا ريح، حتى أنت ممّن يغار بي ... ويا نجد، حتى أنت تهوى الذي أهوى
خلقت ولي قلب جليد على النّوى ... ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى
وحدّث «2» بعض من عني بأخباره، أيّام مقامه بمالقة واستقراره، أنه لقي ليلة «3» بباب الملعب من «4» أبوابها ظبية من ظبيات الإنس، وفتنة من فتن «5» هذا الجنس، فخطب وصالها، واتّقى بفؤاده نصالها، حتى همّت بالانقياد، وانعطفت انعطاف الغصن الميّاد، فأبقى على نفسه وأمسك، وأنف من خلع العذار بعد ما تنسّك، وقال «6» :
[الكامل]
لم أنس وقفتنا بباب الملعب ... بين الرّجا واليأس من متجنّب
وعدت فكنت مراقبا لحديثها ... يا ذلّ وقفة خائف مترقّب
وتدلّلت «7» فذللت بعد تعزّز ... يأتي الغرام بكلّ أمر معجب
بدويّة أبدى الجمال بوجهها ... ما شئت من خدّ شريق «8» مذهب
تدنو وتبعد نفرة وتجنّيا «9» ... فتكاد تحسبها مهاة الرّبرب «10»
ورنت بلحظ فاتر لك فاتن «11» ... أنضى وأمضى من حسام المضرب
وأرتك بابل سحرها بجفونها ... فسبت، وحقّ لمثلها أن تستبي «12»
وتضاحكت فحكت بنيّر ثغرها ... لمعان «13» نور ضياء برق خلّب «14»
بمنظّم في عقد سمطي جوهر ... عن شبه نور الأقحوان الأشنب


صفحه 407

وتمايلت كالغصن أخضله النّدى «1» ... ريّان من ماء الشبيبة مخصب
تثنيه أرياح «2» الصّبابة والصّبا ... فتراه بين مشرّق ومغرّب
أبت الرّوادف أن تميل بميله ... فرست وجال كأنه في لولب
متتوّجا بهلال وجه لاح في ... خلل السجوف «3» لحاجب ومحجّب
يا من رأى فيها محبّا مغرما ... لم ينقلب إلّا بقلب قلّب
ما زال مذ ولّى يحاول حيلة ... تدنيه من نيل المنى والمطلب
فأجال نار الفكر حتى أوقدت ... في القلب نار تشوّق وتلهّب
فتلاقت الأرواح قبل جسومها ... وكذا البسيط يكون قبل مركّب
ومن مقطوعاته البديعة، مما سمع منه بغرناطة، حرسها الله، أيام مقامه بها قوله «4» : [الطويل]
أرى لك يا قلبي بقلبي محبّة ... بعثت بها سرّي إليك رسولا
فقابله بالبشرى «5» وأقبل عشيّة ... فقد هبّ مسك «6» للنسيم عليلا
ولا تعتذر بالقطر أو بلل الندى ... فأحسن ما يأتي النسيم بليلا
ونقلت من خط الفقيه القاضي أبي جعفر الرّعيني، مما أملاه عليّ بمنزله بغرناطة، قال: وحضرت في عام ثلاثة عشر وسبعمائة، يوم إحرام الكعبة العليّة، وذلك في شهر ذي القعدة على اصطلاحهم في ذلك، وصفته أن يتزيّن سدنة البيت من شيبة بأحسن زي، ويعمدوا إلى كرسي يصل فيه صاعده إلى ثلث الكسوة، ويقطعها من هنالك، ويبقى الثلثان إلى الموسم، وهو يوم مشهود عند سكان الحرم، يحتفل له، ويقوم المنشدون أدراج الكعبة ينشدون. فقلت في ذلك: [الطويل]
ألم ترها قد شمّرت تطلب الجدّا ... وتخبر أنّ الأمر قد بلغ الحدّا؟
فجدّ كما جدت إليها وشمّر ... عن السّاعد الأقوى تنل عندها سعدا
طوت بردها طيّ السّجلّ كناية ... لأمر خفيّ سرّه طوت البردا
وأندت محيّاها فحيّي «7» جماله ... وقبّل على صوت المقى «8» ذلك الخدّا


صفحه 408

فكم سترت سود البرود جمالها ... وغطّته لكن عن سنها الرمدا «1»
وكم خال ذاك الخال عما مقصّر ... عن العلم بالأنساب لا يعرف الحدّا
لقد سفرت عن وجهها الكعبة التي ... لها الحجر «2» المسنيّ في حسنها المبدا
وقالت ألا أين مكلّلي، قصدوا إلى «3» ... جمالي فقد أبدى الحجاب الذي أبدا
فلبّت لها العشّاق من كل جانب ... يؤمّونها يستقربون لها البعدا
فمن ندف أشفى على تلف ومن ... محبّ على قرب يهيم بها وجدا
ومن ساهر على النجوم ولم يذق ... بعينيه طعم النور أو يبلغ القصدا
يسائل عن بدر وبدر تجاهه ... كذاك «4» اشتراك اللفظ قد ينغص الخدا
ومن مستهام لا يقرّ قراره ... كأنّ به من حرّ أشواقه وقدا
يقلّب قلبا بين جنبيه موريا ... أوار الأسى فيه فتحسبه زندا
إذا ما حدا حادي الرّكاب ركابه ... كأنّ قلوب الراكبين له نجدا
أحاد بها إن أنت جئت بها منى ... ونلت المنى والأمن فانزل ورد وردا
ولا خوف هذا الخيف «5» والتربة التي ... سرت بهما «6» قد عيّن المصطفى عدّا
وفي عرفات فاعترف وانصرف إلى ... مشاعر «7» فيها يرحم المالك العبدا
وإن كنت من أوفى العبيد جرائما ... فحسّن نبيل العقد من ربّك العقدا
لئن صدقت فيك الوعيد جرائم ... فعفوا جميل «8» الصفح يصدقك الوعدا
وعد مفضيا للبيت طف واستلم وقم ... بها للمقام الرحب واسجد وكن عبدا
ورد في الثنا والحمد والشكر واجتهد ... فمن عرف الإحسان زادته حمدا
وعج نحو فرض الحب واقض حقوقه ... وزر قبر من أولاك من هديه رشدا
قال: وكنت في زمن الحداثة، أفضّل الأصيل على السّحر، وأقول فيه رقّة المودّع ورقّة المعتذر. فلمّا كان أوان الأسفار، واتصلت ليالي السير إلى أوقات


صفحه 409

الأسحار، رأيت أفق الشرق، ووجدت القائل بفضل السّحر أصدق، فابتدأت راكبا، فلمّا جئت لذكر الجناب العليّ النبوي، أتممت ماشيا، وأنا في رملة بين مصر وعقبة إيله، وقلت: [البسيط]
ما أحسن الأفق الشرقيّ إسفارا ... فكم هذا في دجى الإدلاج أسفارا
إذا بدا سارت الأظعان هادية ... له وصارت به الظلماء أنوارا
يجلو غياهب ليل طالما سدلت ... على المحبين في الظلماء أستارا
ونمّ منه نسيم ثم ذا بعد ... على أحاديث كانت ثمّ أسرارا
سرت سحيرا فبرّت سرّ ذي سحر ... أهدت له ريح من يهواه معطارا
سرت ببانات أكناف اللّوى فغدت ... كأنّ دارين قد أصبحت دارا
طابت بطيبة أرواح معطرة ... بها فأصبح أفق الشوق عطّارا
كأنما فلق الإصباح حين بدا ... خدّ وبهجة «1» حسن الشمس قد وارى
حقي بدت وتبدّت حسن صورتها ... فعمّت «2» الأرض أنجادا وأغوارا
كأنه دعوة المختار حين بدت ... دانت لها الخلق إعلانا وإصرارا
من نوره كل نور أنت تبصره ... ونوره زاد للأبصار «3» إبصارا
هدا به الله أقواما به سعدا «4» ... لولاه كانوا مع الكفر كفّارا
هو الشّفيع الذي قالت شفاعته ... للموبقين ألا لا تدخلوا النّارا
هو العفوّ «5» عن الجاني وإن عظمت ... من المسيء ذنوب كان غفّارا
هو الكريم الذي ما ردّ سائله ... يوما ولو كرّر التّسآل تكرارا
هو الحبيب الذي ألقى محبته ... في كل قلب فقلبي نحوه طارا
أحبّه كلّ مخلوق وهام به ... حتى الجمادات أحجارا وأشجارا
وانشقّ بدر الدّجى من نور غرّته ... وانهلّت السّحب من كفّيه أنهارا
ومن مقطوعاته، قال: ومما نظمته في ليل السّرى، وتخيل طيف الكرى، مبدأ قصيد قصدته، أي معنى أردته، أشغل عنه ما بي منه: [الخفيف]
منع الهجر من سليمى هجوعا ... فانثنى طبعها يريد الرّجوعا


صفحه 410

بعثته ليلا يعلّل قلبا ... مستهاما بها محبّا ولوعا
لم يجد غير طرف جفن قريح ... شاخصا نحوها يذرّ الدّموعا
وكتب إلى صديقه شيخنا أبي بكر بن شبرين من بجاية، وهو معتقل بقصبتها، وقد امتحنه بذلك أبو عبد الله بن سيد الناس: [الخفيف]
شرح حالي لمن يريد سؤالي ... إنني في اعتقال مولى الموالي «1»
مطلق الحمد والثناء عليه ... وهو للعطف والجميل موال
لا أرى للولاة فيّ احتكاما ... ووليّ مال على كل وال
أرتجي بالمصاب تكفير ذنبي ... حسبما جاء في الصّحاح العوالي «2»
لا تدوم الدّنا ولا الخير فيها ... وكذا الشّرّ ذا وذا للزوال
فاغتنم ساعة الوصال وكم من ... محنة وهي منحة من نوال
فإذا غبت عنك فاحضر تجدها ... للجواب المفيد عن السؤال «3»
فهي نور النهار «4» والنور منها ... وهي الأنس في الليالي الطوال
فاستدمها تدم ولا تضج منها ... وأدرها على اليمين ووال
فإنّ الكأس مجراها على اليمين، ومسراها لفي الصبح المبين، تغني عن الإصباح والمصباح، وتدني لهم معنى النور المشرق في الوجوه الصّباح، وتجري في الأشباح، فتسري في الأرواح. وهذه الرسالة طويلة، فيها كل بديع من نظم ونثر.
فأجابه رحمه الله: [الخفيف]
أرغمن هذه القيود الثّقال ... ربّ ودّ مصيره للتّغالي «5»
طال صبري على الجديدين حتى ... كدت مما لقيت أن يشفقا لي «6»
إنّ بعض الرضا لديه فسيح ... أيّ مدّ «7» به وأيّ ابتقال
حاش لله أن أكون لشيء ... شاده الصانع القديم بغال
إن عندي من الثناء عليه ... لأماني لم يملهنّ القالي «8»
يا إمامي الذي بودّي لو أم ... كن نصلي «9» إليه أوّار قال


صفحه 411

ارج دنياك وارج مولاك واعلم ... أنّ راجي سواه غير مقال
وابتغاء الثواب من ربّك اعمل ... فهو يجزي الأعمال بالمثقال
واغتنم غيبة الرّقيب ففيها ... لقلوب الرجال أيّ صقال
وأحل في الوجود فكر غنيّ ... عن ضروب الإنعام والأحقال
وإذا الوقت ضاق وسّعه بالصّب ... ر ولا تنس من شهير المقال
ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرحة كحلّ العقال
لا غرو أن وقع توان، أو تلوّم دهر ذو ألوان، فالأمر بين الكاف والنون، ومن صبر لم يبوء بصفقة المغبون، وللسعداء تخصيص، ومع التقريب تمحيص، وما عن القضاء محيص، والمتصرف في ماله غير معتوب، وقديم الحقيقة إلى الحيف ليس بمنسوب. وقد ورد خطاب عمادي أطاب الله محضره، وسدّد إلى المرامي العليّة نظره، ناطقا بلسان التفويض، سارحا من الرّضا في الفضاء العريض، لائذا بالانقياد والتسليم، قائما على أسكفّة «1» باب الأدب لمثابة حكم الحكيم.
ومنها: والوقائع عافاكم الله وعّاظ، ونحن هجود وفي الحيّ أيقاظ، وما كل المعاني تؤديها الألفاظ. وهذا الفنا الذي نشأ عن الوقت، هو إن شاء الله عين البقيا.
وإذا أحبّ الله عبدا حماه الدنيا، وما هي إلّا فنون، وجنون فنون، وحديث كله مجون. وقد يجمع الله الشتيتين، ولن يغلب عسر يسرين ولا باس، ويا خطب لا مساس، وأبعد الله الياس، وإنما يوفي الأجر الصابرون، ولا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون. وهي طويلة بديعة.
أسمع بحضرة غرناطة لما قدم عليها وارتسم في جملة الكتاب بها، وحدّث عن رضي الدين أبي أحمد إبراهيم الطهري، بسماعه من الشريف يونس بن يحيى الهاشمي، بسماعه من أبي الوقت طرّاد. وعن الإمام سراج الدين أبي حفص عمر بن طراد المعري القاضي بالحرم الشريف، وعن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد الهمداني، وعن الإمام بهاء الدين الخميري عن أبي الطاهر السّلفي، وعن جماعة غيرهم، وكان وروده على الأندلس في أوائل عام خمسة عشر وسبعمائة، وحضر بها غزوات، ولقي من كان بها من الأعلام. ثم انصرف عنها في أوائل عام ثمانية عشر، وأحلّ بسبتة، فأكرم رئيسها أبو عمر يحيى بن أبي طالب العزفي قدومه، وأنزله بدار جليلة كان بها علو مطلّ على البحر، لم يتمكن من مفتاحه، لأمر اقتضى


صفحه 412

ذلك، فكتب إليه: [الكامل]
يا صاحب البلد المليح المشرق ... ما مثله في مغرب أو مشرق
منها:
وخفضت عيشي فيه فارفع منزلي ... حتى أرى الدنيا بطرف مطرق
وتجول في البلاد، ولقي من بها، واتصل بالأمير أبي علي بسجلماسة، ومدحه بقصيدة حفظ له منها: [الطويل]
فيا يوسفيّ الحسن والصّفح والرّضا ... تصدّق على الدنيا بسلطانك العدل
ثم اتصل بوطنه.
وفاته: نقلت من خط شيخنا أبي بكر المذكور: وفي عام أربعين وسبعمائة، توفي بتونس صاحبنا الحاج الفاضل المتصوّف، الكاتب أبو عبد الله محمد بن علي المليكشي الشهير بابن عمر. صدر في الطلبة والكتاب، شهير ذو تواضع وإيثار، وقبول حسن، رحمه الله.
محمد بن علي بن الحسن بن راجح الحسني «1»
من أهل تونس، يكنى أبا عبد الله.
حاله: هذا «2» الرجل الفاضل، صاحب رواء وأبّهة، نظيف البزّة، فاره المركب، صدوف عن الملّة، مقيم للرسم، مطفّف في مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى آماد التوغّل، سخيّ اللسان بالثناء ثرثاره، فكه مطبوع، حسن الخلق، عذب الفكاهة، مخصوص حيث حلّ من الملوك والأمراء بالأثرة، وممّن دونهم بالمداخلة والصّحبة، ينظم الشّعر، ويحاضر بالأبيات، ويتقدّم في باب التّحسين والتّقبيح، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة والأخذ عن أولي الرواية. قدم على الأندلس في إحدى جمادين، عام خمسين وسبعمائة، مفلتا من الوقيعة «3» بالسلطان أبي الحسن بالجهات الشرقية، بأيدي بني زيّان وأحلافهم،


صفحه 413

فمهّد له سلطانها، رحمه الله، كنف برّه، وأواه إلى سعة رعيه، وتأكّدت بيني وبينه صحبة.
شعره: كتبت إليه لأول قدومه بما نصّه: أحذو حذو أبيات، ذكر أنّ شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها «1» : [الطويل]
أمن جانب الغربيّ نفحة بارح ... سرت منه أرواح الجوى في الجوانح «2»
قدحت بها زند الغرام وإنما ... تجافيت في دين السّلوّ لقادح
وما هي إلا نسمة حاجريّة ... رمى الشوق منها كلّ قلب بقادح
رجحنا لها من غير شكّ كأنها ... شمائل أخلاق الشّريف ابن راجح
فتى هاشم سبقا إلى كلّ عليّة «3» ... وصبرا مغار الفتل «4» في كلّ فادح «5»
أصيل العلا، جمّ السيادة، ذكره ... طراز نضار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشّكّ نوره ... حبا الله منه كلّ صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى ... صحائفه أنست مضاء الصّفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع ... وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما احتبى مستحفزا «6» في بلاغة ... وخيض «7» خضمّ القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل نحوه ... أسنّة حرب للعيون اللّوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادح «8» ... ولا ذهبت منه بحكمة ناصح
تذكّرت قسّا قائما في عكاظه ... وقد غصّ بالشّمّ الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ... خواتمها «9» موصولة بالفواتح
رعى الله ركبا أطلع الصبح مسفرا ... لمرآك من فوق الرّبى والأباطح «10»
ومنها:
أقول لقومي عندما حطّ كورها ... وساعدها السّعدان وسط المسارح «11»