بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 91

منها إباؤهم، وشمّ من مقاصيرها عنبرهم وكباؤهم، لم «1» تسامحهم الأيام إلّا في إرث محرّر، أو حلال مقرّر، وربما محقه الحرام، وتعذّر منه المرام. هذه، أعزّك الله، حال قبولها «2» ومالها مع التّرفيه، وعلى فرض أن يستوفي العمر في العزّ مستوفيه. وأما ضدّه من عدوّ يتحكّم وينتقم، وحوت بغي يبتلع ويلتقم، وطبق «3» يحجب الهواء، ويطيل في التّراب الثّواء، وثعبان قيد «4» يعضّ السّاق، وشؤبوب عذاب يمزّق الأبشار الرّقاق، وغيلة يهديها الواقب «5» الغاسق، ويجرعها العدوّ الفاسق، [فصرف السوق، وسلعته المعتادة الطروق «6» ،] مع الأفول والشروق. فهل في شيء من هذا مغتبط لنفس حرّة، أو ما يساوي جرعة حال مرّة؟ وا حسرتاه للأحلام ضلّت، وللأقدام زلّت، ويا لها مصيبة جلّت! ولسيدي أن يقول: حكمت عليّ «7» باستثقال الموعظة واستجفائها، ومراودة الدّنيا بين خلّانها وأكفائها، وتناسي عدم وفائها، فأقول: الطّبيب بالعلل أدرى، والشّفيق بسوء الظّنّ مغرى، وكيف لا وأنا أقف على السّحاءات بخطّ يد «8» سيدي من مطارح الاعتقال، ومثاقف النّوب الثّقال، وخلوات «9» الاستعداد للقاء الخطوب الشّداد، ونوش «10» الأسنّة الحداد، وحيث يجمل بمثله إلّا يصرف في غير الخضوع لله بنانا، ولا يثني لمخلوق عنانا.
وأتعرف أنها قد ملأت الجوّ والدوّ «11» ، وقصدت الجماد والبوّ «12» ، تقتحم أكفّ أولي الشّمات، وحفظة المذمّات، وأعوان النّوب الملمّات، زيادة في الشّقاء، وقصدا بريّا من الاختيار والانتقاء، مشتملة من التّجاوز على أغرب من العنقاء، ومن النّقاق على أشهر من البلقاء. فهذا يوصف بالإمامة، [وهذا ينسب في الجود إلى كعب بن مامة «13» ] ، وهذا يجعل من أهل الكرامة، وهذا يكلّف الدّعاء وليس من أهله، وهذا يطلب منه لقاء الصّالحين وليسوا من شكله، إلى ما أحفظني والله من البحث عن


صفحه 92

السّموم، وكتب النجوم، والمذموم من المعلوم، هلّا كان من ينظر في ذلك قد قوطع بتاتا، وأعتقد أنّ الله قد جعل لزمن الخير والشّرّ ميقاتا، وأنّا لا نملك موتا ولا نشورا ولا حياتا، وأنّ اللّوح قد حصر الأشياء محوا وإثباتا، فكيف نرجو لما منع منالا أو نستطيع مما قدر إفلاتا؟ أفيدونا ما يرجّح العقيدة المقررة «1» نتحوّل إليه، وبيّنوا لنا الحقّ نعوّل عليه. الله الله يا سيدي في النّفس المرشّحة، والذّات المحلّاة «2» بالفضائل الموشّحة، والسّلف الشهير الخير، والعمر المشرف على الرّحلة بعد حثّ السّير، ودع الدنيا لأهلها «3» فما أوكس حظوظهم، وأخسّ لحوظهم، وأقلّ متاعهم، وأعجل إسراعهم، وأكثر عناءهم، وأقصر آناءهم:
[مجزوء الكامل]
ما ثمّ «4» إلّا ما رأي ... ت، وربما تعيي السّلامة
والناس إمّا جائر ... أو حائر يشكو ظلامه «5»
والله ما احتقب الحري ... ص سوى الذّنوب أو الملامه
هل ثمّ شكّ في المعا ... د الحقّ أو يوم القيامه
قولوا لنا ما عندكم ... أهل الخطابة والإمامه
وإن رميت بأحجاري، وأوجرت «6» المرّ من أشجاري، فو الله ما تلبّست منها اليوم «7» بشيء قديم ولا حديث، ولا استاثرت بطيّب فضلا عن خبيث. وما أنا إلّا عابر سبيل، وهاجر مرعى وبيل، ومرتقب وعد «8» قدر فيه الإنجاز، وعاكف على حقيقة لا تعرف المجاز، قد فررت من الدنيا كما يفرّ من الأسد، وحاولت المقاطعة حتى بين روحي والجسد، وغسل الله قلبي، ولله «9» الحمد، من الطّمع والحسد، فلم أبق عادة إلّا قطعتها، ولا جنّة للصّبر إلّا ادّرعتها، أمّا اللّباس فالصّوف، وأما الزّهد فيما في أيدي «10» الناس فمعروف، وأما المال الغبيط فعلى الصّدقة مصروف. وو الله


صفحه 93

لو علمت أنّ حالي هذه تتّصل، وعراها «1» لا تنفصل، وأن ترتيبي هذا يدوم، ولا يحيّرني «2» الوعد المحتوم، والوقت المعلوم، لمتّ أسفا، وحسبي الله وكفى. ومع هذا يا سيدي، فالموعظة تتلقّى من لسان الوجود، والحكمة ضالّة المؤمن يطلبها ببذل المجهود، ويأخذها من غير اعتبار بمحلّها المذموم أو «3» المحمود. ولقد أعملت نظري فيما يكافىء عني بعض يدك، أو ينتهي «4» في الفضل إلى أمدك، فلم أر لك الدّنيا كفاء هذا لو كنت صاحب دنيا، وألفيت بذل النّفس قليلا لك من غير شرط ولا ثنيا «5» ، فلمّا ألهمني الله لمخاطبتك بهذه النّصيحة المفرغة في قالب الجفا، لمن لا يثبت عين الصّفا، ولا يشيم بارقة «6» الوفا، ولا يعرف قاذورة الدنيا معرفة مثلي من المتدنّسين بها المنهمكين، وينظر عوّارها القادح «7» بعين اليقين، ويعلم أنها المومسة التي حسنها زور، وعاشقها مغرور، وسرورها شرور، تبيّن لي أني «8» قد كافيت «9» صنيعتك المتقدّمة، وخرجت عن عهدتك الملتزمة، وأمحضت «10» لك النّصح الذي يعزّ «11» بعزّ الله ذاتك، ويطيب حياتك، ويحيي مواتك، ويريح جوارحك من الوصب «12» ، وقلبك من النّصب «13» ، ويحقّر الدنيا وأهلها في عينك إذا اعتبرت، ويلاشي عظائمها لديك إذا اختبرت. كلّ من تقع عليه «14» عينك حقير قليل، وفقير ذليل، لا يفضلك بشيّ إلّا باقتفاء رشد أو ترك غيّ، أثوابه النّبيهة يجرّدها الغاسل، وعروة عزّه «15» يفصّلها الفاصل «16» ، وماله الحاضر الحاصل، يعيث فيه الحسام الفاصل، والله ما تعيّن للخلف إلّا ما تعيّن للسّلف، ولا مصير المجموع إلّا إلى التّلف، ولا صحّ من الهياط والمياط «17» ، والصّياح والعياط «18» ، وجمع القيراط إلى القيراط، والاستظهار بالوزعة والأشراط، والخبط والخبّاط، والاستكثار والاغتباط،


صفحه 94

والغلوّ والاشتطاط، وبنا الصّرح وعمل السّاباط، ورفع العماد «1» وإدارة الفسطاط، إلّا ألم «2» يذهب القوة، وينسي الآمال المرجوّة، ثمّ نفس يصعد، وسكرات تتردّد، وحسرات لفراق الدّنيا تتجدّد، ولسان يثقل، وعين تبصر الفراق الحقّ «3» وتمقل قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)
«4» . ثم القبر وما بعده، والله منجز وعيده ووعده، فالإضراب الإضراب، والتّراب التّراب. وإن اعتذر سيدي بقلّة الجلد، لكثرة الولد، فهو ابن مرزوق لا ابن رزّاق، وبيده من التّسبّب ما يتكفّل بإمساك أرماق، أين النّسخ الذي يتبلّغ الإنسان بأجرته «5» ، في كن حجرته؟ لا بل السؤال الذي لا عار عند الحاجة بمعرّته؟ السؤال والله أقوم طريقا، وأكرم فريقا، من يد تمتدّ إلى حرام، لا يقوم بمرام، ولا يومّن من ضرام، أحرقت فيه الحلل، وقلبت الأديان والملل، وضربت الأبشار، ونحرت العشار، ولم يصل منه على يدي واسطة السّوء المعشار.
ثم طلب عند الشّدّة ففضح، وبان سومه «6» ووضح، اللهمّ طهّر منها «7» أيدينا وقلوبنا، وبلّغنا من الانصراف إليك مطلوبنا، وعرّفنا بمن لا يعرف غيرك، ولا يسترفد إلّا خيرك، يا الله. وحقيق على الفضلاء إن جنح سيدي منها إلى إشارة، أو أعمل في احتلابها إضبارة «8» ، أو لبس منها شارة، أو تشوّف إلى خدمة إمارة، ألا يحسنوا ظنونهم بعدها بابن ناس، ولا يغترّوا بسمة «9» ولا خلق ولا لباس، فما عدا، عمّا بدا «10» ؟ تقضّى العمر في سجن وقيد، وعمرو وزيد، وضرّ وكيد، وطراد صيد، وسعد وسعيد، وعبد وعبيد، فمتى تظهر الأفكار، ويقرّ القرار، وتلازم الأذكار «11» ، وتشام الأنوار، وتتجلّى «12» الأسرار؟ ثم يقع الشّهود الذي تذهب معه الأفكار «13» ، ثم يحقّ الوصول الذي إليه من كلّ ما سواه الفرار، وعليه المدار. وحقّ الحقّ الذي ما سواه فباطل، والفيض الرّحماني الذي ربابه «14» الأبد «15» هاطل، ما شابت «16»


صفحه 95

مخاطبتي لك شائبة تريب «1» ، ولقد محضت لك ما يمحضه الحبيب إلى الحبيب «2» ، فيحمل جفاء «3» في الذي حملت عليه الغيره، ولا تظنّ بي غيره. وإن «4» أقدر قدري في مكاشفة سيادتك بهذا البثّ، في الأسلوب الرّث، فالحقّ أقدم، وبناؤه لا يهدم، وشأني معروف في مواجهة الجبابرة على حين يدي إلى رفدهم ممدودة، ونفسي في النّفوس المتهافتة عليهم معدودة، وشبابي فاحم، وعلى الشّهوات مزاحم، فكيف بي اليوم مع الشّيب، ونصح الجيب، واستكشاف العيب؟ إنما أنا اليوم على كلّ من عرفني كلّ ثقيل، وسيف العذل «5» في كفّي صقيل، أعذل أهل الهوى، وليست النّفوس في القبول سوا، ولا لكلّ مرض «6» دوا، وقد شفيت صدري، وإن جهلت قدري، فاحملني، حملك الله، على الجادّة الواضحة، وسحب عليك ستر الأبوّة الصّالحة، والسّلام.
ولمّا «7» شرح كتاب «الشّفا» للقاضي «8» أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، رحمه الله، واستبحر فيه، طلب أهل العدوتين بنظم «9» مقطوعات تتضمّن الثّناء على الكتاب المذكور، وإطراء مؤلّفه، فانثال عليه من ذلك الطّم والرّم، بما تعدّدت منه الأوراق، واختلفت في الإجادة وغيرها الأرزاق، إيثارا لغرضه، ومبادرة من أهل «10» الجهات لإسعاف أربه، وطلب مني أن ألمّ في ذلك بشيء، فكتبت في «11» ذلك:
[الطويل]
شفاء «12» عياض للصّدور «13» شفاء ... وليس «14» بفضل قد حواه خفاء
هديّة برّ لم يكن لجزيلها «15» ... سوى الأجر والذّكر الجميل كفاء
وفى لنبيّ الله حقّ وفائه ... وأكرم أوصاف الكرام وفاء


صفحه 96

وجاء به بحرا يقول بفضله ... على البحر طعم طيّب وصفاء
وحقّ رسول الله بعد وفاته ... رعاه، وإغفال الحقوق جفاء
هو الذّخر يغني في الحياة عتاده ... ويترك منه لليقين «1» رفاء
هو الأثر المحمود ليس يناله ... دثور ولا يخشى «2» عليه عفاء «3»
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده لو ساعدتني فاء
واستزاد «4» من هذا الغرض الذي لم يقنع منه «5» بالقليل، فبعثت إليه من محلّ انتقالي بمدينة «6» سلا حرسها الله «7» : [مجزوء الرمل]
أأزاهير رياض ... أم شفاء لعياض
جدّل الباطل للحقّ ... بأسياف مواض
وجلا الأنوار برها ... نا بحقّ «8» وافتراض
وشفى «9» من يشتكي الغلّ ... ة في زرق الحياض
أيّ بنيان معار «10» ... آمن فوق «11» انقضاض
أيّ عهد ليس يرمى ... بانتكاث «12» وانتقاض
ومعان في سطور ... كأسود في غياض
وشفاء لصدور «13» ... من ضنى الجهل مراض
حرّر القصد فما شي ... ن بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أدر أنّ «14» ... الله عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللّ ... هـ برجحان القراض «15»


صفحه 97

وجبت عزّ «1» المزايا ... من طوال وعراض «2»
لك يا أصدق راو «3» ... لك يا أعدل قاض
لرسول الله وفّي ... ت بجدّ «4» وانتهاض
خير خلق الله في حا ... ل وفي آت وماض
سدّد الله ابن مرزو ... ق إلى تلك المراضي
زبدة العرفان معنى ... كلّ نسك وارتياض
فتولّى بسط ما أج ... ملت من غير انقباض
ساهر «5» لم يدر في استخ ... لاصه طعم اغتماض
إن يكن دينا على الأي ... ام قد حان التّقاضي
دام في علوّ ومن عا ... داه يهوي في انخفاض
ما وشى الصّبح الدّياجي ... في سواد بيياض «6»
ثم «7» نظمت له أيضا في الغرض المذكور، والإكثار من هذا النمط، في هذا الموضع، ليس على سبيل التّبجّح بغرابته وإجادته «8» ، ولكن على سبيل الإشادة بالشّرح المشار إليه، فهو بالغ غاية الاستبحار «9» : [السريع]
حيّيت يا مختطّ سبت بن نوح ... بكلّ مزن يغتدي أو يروح
وحمل الرّيحان ريح الصّبا ... أمانة فيك «10» إلى كلّ روح
دار أبي الفضل عياض الذي ... أضحت بريّاه رياضا تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلا في العلم جري الجموح
طرفك في الفخر «11» بعيد المدى ... طرفك للمجد شديد الطّموح
كفاك إعجازا كتاب الشّفا ... والصبح لا ينكر عند الوضوح
لله ما أجزلت فينا به من ... منحة تقصر عنها المنوح
روض من العلم همى فوقه ... من صيّب الفكر الغمام السّفوح


صفحه 98

فمن بيان الحقّ زهر ند «1» ... ومن لسان الصّدق طير صدوح
تأرّج العرف وطاب الجنى ... وكيف لا يثمر «2» أو لا يفوح
وحلّة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعلم للدين «3» شيّدته ... فهذه الأعلام منه «4» تلوح
فقل لهامان كذا أو فلا ... يا من أضلّ الرّشد تبني الصّروح
في أحسن التّقويم أنشأته ... خلقا جديدا بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضي ... إذا تقضّى عمر سام ونوح
كأنّه في الحفل ريح الصّبا ... وكلّ عطف فهو غضّ «5» مروح
ما عذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذّكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النّزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هنّ أكباد ولكن جروح
يا سيّد الأوضاع يا من له ... بسيّد الإرسال فضل الرّجوح
يا من له الفخر على غيره ... والشّهب «6» تخفى عند إشراق يوح
يا خير مشروح وفي واكتفى ... منه ابن «7» مرزوق بخير الشّروح
فتح من الله حباه به ... ومن جناب الله تأتي الفتوح
مولده: بتلمسان عام أحد عشر وسبعمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن سعد التّميمي التّسلي «8» الكرسوطي «9»
من أهل فاس، نزيل مالقة، يكنى أبا عبد الله.
حاله: الشيخ «10» الفقيه المتكلّم أبو عبد الله، غزير الحفظ، متبحّر الذّكر، عديم القرين، عظيم الاطّلاع، عارف بأسماء الأوضاع، ينثال منه على المسائل كثيب مهيل، ينقل الفقه منسوبا إلى أمانة، ومنوطا برجاله، والحديث بأسانيده ومتونه،