بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 227

فوافاهم في جيش عظيم، ودخل إلبيرة، وناهض سوّارا، وعنده رجالات عرب الكور الثلاث؛ إلبيرة وجيّان، وريّه، واشتدّ القتال، وجال جيش ابن حفصون جولة جرح فيها جراحات صعبة، وكاد سوّار يأتي عليه لولا رجال صدقوه الكرّ واستنقذوه، وتمّت عليه الهزيمة، فانقلب على عقبه، ونالت الحضرة معرّته، فأغرم أهلها الذين استجلبوه ما تشعّث من عسكره، واستعمل عليهم قائده حفص بن المرّة، وانصرف، ونجح سوّار بما تهيّأ له على أعدائه، فاعتلت همّته، وأجلّته العرب، وعلا في الناس ذكره، وقال الأشعار الجزلة فيما تهيّأ له على المولدين، وأكثر الافتخار بنفسه، فشهر، من قوله في ذلك «1» : [الكامل]
صرم الغواني، يا هنيد، مودّتي ... إذ شاب مفرق لمّتي وقذالي
وصددن عنّي، يا هنيد، وطالما ... علقت حبال وصالهنّ حبالي «2»
وهي طويلة، أكثر فيها الفخر، وألمّ بالمعنى.
وفاته: ولما انصرف عمر بن حفصون وترك قائده بإلبيرة، جهّز معه طائفة من خيله، وأقرّه لمغاورة سوّار ودرك النيل لديه، وأعمل حفص جهده وطلب غرّته، فأمكنه الله منه، وأنه دنا إليه يوما، وقد أكمن أكثر خيله، وظهر له مستغيرا بجانب من حصنه، فخرج سوّار مبادرا من غرناطة لأول الصّيحة في نفر قليل، لم يحترس من الحيلة التي يحذرها أهل الحزم، فأصحر لعدوه، وخرجت الكمائن من حوله، فقتل وجيء بجثّته إلى إلبيرة، فذكر أن الثّكالى من نسائهم قطّعن لحمه مرقا، وأكلنه حنقا لما نالهنّ من الثّكل. وكان قتل سوّار في سنة سبع وسبعين ومائتين، وقتلت العرب بقتل سوّار، وكلّ حدّها بما نزل بها.
سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله الخليفة بقرطبة «3»
المكنى بأبي أيوب، الملقب من الألقاب الملوكية بالمستعين بالله.


صفحه 228

أوّليّته: معروفة.
حاله: كان أديبا شاعرا، مجموع خلال فاضلة، أصيل الرأي، راجح العقل، ثبتا. ولي الخلافة غلابا، وقعصا، ومنازعة، وأوقع بأهل قرطبة وقائع أبادتهم.
وخلع ثم عادت دولته، وجرت له وعليه الهزائم، على قصر أمد خلافته، لقيام البربر بدعوته، وتدويخ البلاد باسمه، في أخبار فيها عبرة، دخل في بعض حركاتها وهو لاتها المبيرة، إلى أن طحنته رحى الفتنة، وشيكا عن دنيا غير هنيّة، وصبابة ليست بسنيّة.
شعره: من شعره يعارض المقطوعة الشهيرة المنسوبة للرشيد «1» : [الكامل]
عجبا يهاب اللّيث حدّ سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع «2» الأهوال لا متهيّبا ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملّكت نفسي ثلاث كالدّمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظّلماء لحن لناظري ... من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك أخت «3» المشتري ... حسنا، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهنّ السّلوّ إلى الهوى ... فقضى بسلطان على سلطاني «4»
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عزّ ملكي كالأسير العاني «5»
لا تعذلوا ملكا تذلّل للهوى «6» ... ذلّ الهوى عزّ وملك ثان
مقتله: قتله علي بن حمّود، المتقدم الذكر، متولّي الأمر بعده، صبرا بيده، بدم هشام المؤيد، وقال لما زحف إليه: لا يقتل الزّلطان إلّا الزّلطان، يعني السّلطان، إذ كان بربري اللسان، وذلك في أخريات المحرم من سنة سبع وأربعمائة.


صفحه 229

سليمان بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان «1»
يكنى أبا أيوب.
حاله: كان شهما جريئا، أنوفا شجاعا، ديّنا فاضلا. ولما توفي أبوه بقصر قرطبة، وهشام وأبو أيوب هذا غائبان، وكّل ابنه عبد الله المعروف بالبلنسي، وقال:
من سبق إليك من أخويك، فارم إليه بالخاتم، فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة عليه، فإن سبق إليك سليمان، فله فضل دينه ونجدته، وحبّ الشاميين له. فقدم هشام من ماردة، وتولّى الخلافة قبل سليمان. واتصل ذلك بسليمان، فأخذ لنفسه البيعة بطليطلة، وما اتصل بها، ودعا إلى نفسه، وواضع أخاه الحرب غير ما مرة، تجري عليه في كلها الهزائم، إلى أن تبرّم بنفسه، وأجاز البحر عن عهد إلى ستين ألفا بذلت له، واستقرّ بأهله وولده ببلاد البربر. ولما صار الأمر للحكم بن هشام، عاد إلى الأندلس سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان اللقاء في شوال منها، فانهزم سليمان، ثم عاد للّقاء فانهزم. وفي سنة أربع وثمانين «2» حشد واحتلّ بجيّان ثم بإلبيرة، والتقى بها معه الحكم، ودام القتال أياما حتى همّ الحكم بالهزيمة، ثم انهزم سليمان وقتل في المعركة بشر كثير، وأفلت سليمان إلى جهة ماردة. وبالتقاء الحكم وعمّه سليمان بإلبيرة وأحوازها استحقّا الذكر هنا على الشرط المعروف.
وفاته: وبعث الحكم أصبغ بن عبد الله في طلب سليمان، فأسره وأتاه به، فأمر بقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة. قتل في سنة خمس وثمانين بعدها «3» .
سعيد بن سليمان بن جودي السّعدي «4»
حاله: كان سعيد بن سليمان صديق سوّار، فغصبت العرب الإمارة به بعده، وعلقت به، فقام بأمرها وضمّ نشرها، وكان شجاعا بطلا، فارسا مجرّبا، قد تصرف


صفحه 230

مع فروسيته في فنون من العلم، وتحقق بضروب من الآداب، فاغتدى أديبا نحريرا، وشاعرا محسنا، واتصل قيامه بأمر العرب إلى أن قتل.
شعره: ومن شعره في وقيعة سوّار بالمولدين قوله من قصيدة طويلة:
[الخفيف]
قد طلبنا بثأرنا فقتلنا ... منكم كلّ مارق وعنيد
قد قتلناكم بيحيى وما أن ... كان حكم الإله «1» بالمردود
هجتم يا بني العبيد ليوثا ... لم يكونوا لجارهم بقعود
فاصطلوا حرّها وحدّ سيوف ... تتلظّى «2» عليكم بالوقود
حاكم ماجد يقود إليكم ... فئة سادة كمثل الأسود
ورئيس «3» مهذّب من نزار ... وعميد ما مثله من عميد
يطلب الثأر بابن قوم كرام ... أخذوا بالعهود قبل المهود
فاستباح الحمى فلم «4» يبق منها ... غير عان وفقده «5» المصفود
قد قتلنا منكم ألوفا فما يع ... دل قتل الكريم قتل العبيد
مثّلوه لمّا أضاف إليهم ... لم يكن قتله برأي سديد
قتلته عبيد سوء لئام ... وفعال العبيد غير حميد
لم يصيبوا الرشاد فيما أتوه ... لا ولا كان جدّهم لسعود
قد غدرتم به بني اللؤم من بع ... د يمين قد أكّدت وعهود
فلئن كان قتله غدرة ما ... كان بالنّكس لا ولا الرّعديد
كان ليثا يحمي الحروب وحصنا ... وملاذا وعصمة المقصود
كان فيه التّقى مع الحلم والبأ ... س وجود ما مثله من «6» جود
عال مجد الأمجاد بعدكم «7» ... وقديما، وفتّ كل مجيد
فجزاك الإله جنة عدن ... حيث يجزي الثواب كلّ شهيد


صفحه 231

مقتله: قال الملّاحي: كان من الأعلام، وعدّ في الشعراء والفرسان والخطباء والبلغاء، خطب بين يدي الخليفة «1» المنذر، وهو حدث، أول ما أفضت الخلافة إليه، وعليه قباء خزّ، وقد تنكّب قوسا عربية، والكنانة بين يديه. خطب خطبة بليغة، وصلها بشعر حسن، ولم يزل اللّواء يتردد عليه في العزّ والمقام، ويخطب في أعلى المنبر في المسجد الجامع بإلبيرة. وسجل له الخليفة «2» عبد الله على الكورة، إلى أن همّ بالقيام على بني أمية عندما اشتدّت شكيمته، وظهر على عمر بن حفصون إلى أن قتل بسبب امرأة، تمت عليه الحيلة لأجلها بدار يهودية، إذ كان منحطّا في هوى نفسه، فطاح في ذي قعدة سنة أربع وثمانين ومائتين «3» ، وصار أمر العرب بعده إلى محمد بن أضحى، حسبما يتقرّر في مكانه.
ومن ترجمة الأعيان والوزراء والأماثل والكبراء
سهل بن محمد بن سهل بن مالك بن أحمد بن إبراهيم ابن مالك الأزدي «4»
صدر هذا البيت، وياقوتة هذا العقد، يكنى أبا الحسن. قال أبو جعفر بن مسعدة: كان رأس الفقهاء وخطيب الخطباء البلغاء، وخاتمة رجال الأندلس.
تفنّن في ضروب من العلم، وبالجملة فحاله ووصفه في أقطار الدنيا، لا يجمله أحد، فحدّث عن البحر ولا حرج، ضنّ الزمان أن يسمح برجل حاز الكمال مثله.


صفحه 232

حاله: قال ابن عبد الملك «1» : كان من أعيان مصره، وأفضل أهل «2» عصره، تفنّنّا في العلوم، وبراعة في المنثور والمنظوم، محدّثا ضابطا، عدلا ثقة ثبتا، حافظا للقرآن العظيم، مجوّدا له، متقنا «3» في العربية، وافر النصيب من الفقه وأصوله، كاتبا، مجيدا «4» للنظم في معرب الكلام وهزله «5» ، ظريف الدعابة، مليح التّندير. له في ذلك أخبار مستظرفة «6» متناقلة، ذا جدة ويسار، متين الدين، تام الفضل، واسع المعروف، عميم الإحسان، تصدق عند القرب من وفاته بجملة كبيرة من ماله ورباعه، وله وفادة على مراكش.
مشيخته: روى ببلده عن خاله أبي عبد الله بن عروس، وخال أمّه أبي بكر يحيى بن محمد بن عروس «7» ، وأبي جعفر بن حكم، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي محمد عبد المنعم بن الفرس. وبمالقة عن أبي زيد السّهيلي، وأبي عبد الله بن الفخار. وبمرسية عن أبي عبد الله بن حميد، وأبي القاسم بن حبيش. وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبوي عبد الله العباس بن مضاء، والجراوي الشاعر، وأبي الوليد بن رشد. قرأ عليهم وسمع، وأجازوا له. وأجاز له من أهل الأندلس أبو محمد عبد الله نزيل سبتة، وعبد الحق بن الخراط، نزيل بجاية. ومن أهل المشرق جماعة، منهم إسماعيل بن علي بن إبراهيم الجراوي، وبركات بن إبراهيم الخشوعي أبو الطاهر، وعبد الرحمن بن سلامة بن علي القضاعي، وغيرهم ممن يطول ذكرهم.
من روى عنه: روى عنه أبو جعفر بن خلف، والطّوسي، وابن سعيد القزاز، وأبو الحسن العنسي، وأبو عبد الله بن أبي بكر البري، وابن الجنّان، وأبو محمد عبد الرحمن بن طلحية، وأبو محمد بن هارون، وأبو القاسم بن نبيل، وأبو يعقوب بن إبراهيم بن عقاب، وأبو جعفر الطّباع، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو الحسن الرّعيني، وأبو علي بن النّاظر، وغيرهم.
ثناء الأعلام عليه: والمجال في هذا فسيح، ويكفي منه قول أبي زيد الفزاري:
[مجزوء الرمل]
عجبا للناس تاهوا ... بثنيّات المسالك


صفحه 233

وصفوا بالفضل قوما ... وهم ليسوا هنالك
كثر النّقل ولكن ... صحّ عن سهل بن مالك
شعره: وشعره كثير مما ينخرط في سلك الجيد، فمن ذلك قوله: [الطويل]
نهارك في بحر السّفاهة يسبح ... وليلك عن نوم الرّفاهة يصبح
وفي لفظك الدّعوى وليس إزاءها ... من العمل الزّاكي دليل مصحّح
إذا لم توافق قولة منك فعلة ... ففي كل جزء من حديثك تفصح
تنحّ عن الغايات لست من اهلها ... طريق الهوينا في سلوكك أوضح
إذا كنت في سنّ البنا غير صالح ... ففي أيّ سنّ بعد ذلك تصلح؟
إلى كم أماشيها على الرّغم غاية ... يصيب المزكّى عندها والمجرّح
عليها «1» ألا تني وتنوي فتحسن ... في عين الشّباب «2» وتقبح
عسى وطر موقى «3» فألتمس الرّضا ... وأقرع أبواب الرّشاد فتفتح
فقد ساء ظنّي بالذي أنا أهله ... وفضلك يا مولاي يعفو ويصفح
وقال في تشييع بعض الفقهاء من غرض الأمداح: [البسيط]
يلقاك من كل من يلقاك ترحيب ... ومن خليفتها عزّ وتقريب
وتصطفيك إلى أحوازها رتب ... لها على مفرق الجوزاء ترتيب
تأتي إليك بلا سعي بلا سبب ... كأنّ تركك للأسباب تسبيب
من كلّ مشغوفة بالحسن دام لها ... إلى غنائك تصعيد وتصويب
يلقاك بالبشر والإقبال خاطبها ... وحظّها منك إعراض وتقطيب
ما زلت ترغب عنها وهي راغبة ... كأنّ زهدك فيها عنك ترغيب
فانهض إليها فلو تسطيع «4» كان لها ... إلى لقائك إرجاء وتقريب
يحيى وتحيى فللباغي مواهبها ... عذب الزّلال وللباغين تعذيب
سارت على العدل والإحسان سيرتها ... حتى تلاقى عليها الشّاة والذّيب
لم تصبها لذّة الدنيا وزخرفها ... ولا سبتها المطايا والجلابيب


صفحه 234

إذا أهمّ بني الدنيا نعيمهم ... فهمّها البيض والجرد السّلاهيب
فوق الكواكب مضروب سرادقها ... منها «1» على أفق الأفلاك تطنيب
كرعت في ظلّها الصافي بسلسلها ... كأنها لك في المشروب شرّيب
في قبية من بني الآمال قد قرعت ... سهم إلى طلب العليا طبابيب
إذا حضرنا طعاما فهو «2» مأدبة ... وإن سمعنا كلاما فهو تأديب
ومن يلذ بأبي إسحاق كان له ... أعلاق مال وأغلاق وتهذيب
يا مالك «3» السّرّ من قلبي ويا ملكا ... إن ناب خطب فمن جدواه تأنيب
هب القرار لآمال مسافرة ... وقد أضرّ بها بعد وتغريب
ففي يمينك وهّابا ومنتظما ... بسط وقبض وترغيب وترهيب
وما يصرّ كتابا راق منظره ... إن ناله من تراب الأرض تتريب
لك السّيادة لا يلقى لسؤددها ... مثل وإن طال تنقير وتنقيب
عزم كحدّ سنان الرّمح يصحبه ... عدل كما اعتدلت فيه الأنابيب
كمال نفسك للأرواح تكملة ... وذكر فضلك للأرواح تشبيب
وعرف ذاتك كاف في تعرّفنا ... بنفحة الطّيب يدري أنّه طيب
إذا ذكرت فللأشعار مضطرب ... رحب المجال وللألحان تطريب
سر حيث شئت موفّى من مكارمها ... يهابك الدهر والشّبان والشّيب
في غرّة تخلق الأيام جدّتها ... لها على أفق الأملاك تطنيب
ومن نمط النّسيب والأوصاف قوله وهو بسبتة بعد وصوله من مراكش، وهو مما طار من شعره «4» : [الكامل]
لمّا حططت «5» بسبتة قتب «6» النوى ... والقلب يرجو أن تحوّل «7» حاله
والجوّ مصقول الأديم كأنما ... يبدي الخفيّ من الأمور صقاله