بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 3

[المجلد الرابع]
[تتمة قسم الثانى]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
ومن الغرباء
عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن بن محمد ابن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد الحضرمي «1»
يكنى أبا محمد، شيخنا الرئيس، صاحب القلم الأعلى بالمغرب.
حاله: من «عائد الصلة» : كان، رحمه الله، خاتمة الصّدور، ذاتا وسلفا وتربية وجلالة. له القدح المعلّى في علم العربية، والمشاركة الحسنة في الأصلين، والإمامة في الحديث، والتّبريز في الأدب والتاريخ واللغة، والعروض والمماسة في غير ذلك.
نشأ فارس الحلبة، وعروس الوليمة، وصدر المجلس، وبيت القصيد، إلى طيب الأبوّة، وقدم الأصالة، وفضل الطّعمة، ووفور الجاه، والإغراق في النّعمة، كثير الاجتهاد والملازمة، والتفنّن والمطالعة، مقصور الأوقات على الإفادة والاستفادة، إلى أن دعته الدولة المرينيّة بالمغرب إلى كتابة الإنشاء، فاشتملت عليه اشتمالا، لم يفضل عنه من أوقاته ما يلتمس فيه ما لديه. واستمرت حاله، موصوفا بالنّزاهة والصّدق، رفيع الرّتبة، مشيد الحظوة، مشاركا للضيف فاضلا، مختصر الطّعمة والحلية، يغلب عليه ضجر يكاد يخلّ به، متصل الاجتهاد والتّقييد، لا يفتر له قلم، إلى أن مضى بسبيله.


صفحه 4

وجرى ذكره في «الإكليل الزاهر» من تأليفنا بما نصّه «1» : تاج المفرق، وفخر المغرب على المشرق، أطلع منه نورا أضاءت الآفاق «2» ، وأثرى «3» منه بذخيرة حملت أحاديثها الرّفاق. ما شئت من مجد سامي المصاعد والمراقب، عزيز عن لحاق المجد الثاقب، وسلف زيّنت سماؤه بنجوم المناقب. نشأ بسبتة بين علم يفيده، وفخر يشيده، وطهارة يلتحف مطارفها، ورياسة يتفيّأ وارفها، وأبوه رحمه الله قطب مدارها، ومقام حجّها واعتمارها، فسلك الوعوث من المعارف والسّهول، وبذّ على حداثة سنّه الكهول، فلمّا تحلّى من الفوائد العلمية بما تحلّى، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلّى، تنافست فيه همم الملوك الأخاير، واستأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذّخائر، فاستقلّت بالسياسة ذراعه، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه، وكان عين الملك التي بها يبصر، ولسانه الذي به يسهب أو يختصر. وقد تقدّمت له إلى هذه البلاد الوفادة، وجلّت به عليها الإفادة، وكتب عن بعض ملوكها، وانتظم في عقودها الرّفيعة وسلوكها، وله في الأدب «4» الرّاية الخافقة، والعقود المتناسقة.
مشيخته: قرأ ببلده سبتة على الأستاذ الإمام أبي إسحاق الغافقي المديوني، وعلى الأستاذ المقرئ أبي القاسم محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن الطيّب، والأستاذ النحوي أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وعلى الأستاذ العارف أبي عبد الله محمد بن عمر بن الدّراج التلمساني، وعلى ابن خال أبيه الأمير الصالح أبي حاتم العزفي، والعدل الرّضا أبي فارس عبد الرحمن بن إبراهيم الجزيري.
وقرأ بغرناطة على الشيخ العلّامة أبي جعفر بن الزبير، وروى عن الوزير الراوية أبي محمد عبد الله المرادي ابن المؤذن، وعلى الأستاذ أبي بكر القللوسي، وأخذ عن الشيخ الوزير أبي الوليد الحضرمي القرطبي. وبمالقة عن الإمام الولي أبي عبد الله الطّنجالي. وببلّش عن الخطيب الصالح أبي جعفر بن الزيات، وعن الخطيب أبي عبد الله بن شعيب المروي، والعلّامة أبي الحسين بن أبي الربيع، وأبي الحكم بن منظور، وابن الشّاط، وابن رشيد، وابن خميس، وابن برطال، وابن ربيع، وابن البنّاء، وسميّه ابن البنّاء المالقي، وابن خميس النحوي، وأبي أمية بن سعد السّعود بن عفير الأمدي. هؤلاء كلهم لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له ما عندهم. وممن أجاز له مشافهة أو مكاتبة من أهل المغرب، الأستاذ أبو عبد الله محمد بن عمر الأنصاري التّلمساني ابن الدراج، والكاتب أبو علي الحسين بن عتيق، وتناول تواليفه، والأديب


صفحه 5

الشهير أبو الحكم مالك بن المرحّل، والشريف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي الشرف الحسيني، وأبو بكر بن خليل السّكوني، وأبو العباس المطري، والجزّاري، وشرف الدين بن معطي، وابن الغمّاز، وابن عبد الرفيع القاضي، وأبو الشمل جماعة بن مهيب، وأبو عبد الله محمد بن أحمد التجاني وأبناء عمّه عمر وعلي، وابن عجلان، ومحمد بن إبراهيم القيسي السلولي، ومحمد بن حماد اللبيدي، وابن سيد الناس، وابنه أبو الفتح، وابن عبد النور، والمومناني، والخطيب ابن صالح الكتّاني، وابن عياش المالقي، والمشدالي، وابن هارون، والخلاسي، والدبّاغ، وابن سماك، وابن أبي السّداد، وابن رزين، وابن مستقور، وأبو الحسن بن فضيلة، وأبو بكر بن محزز. وكتب له من أهل المشرق جماعة منهم: الأبرقيشي، وابن أبي الفتح الشيباني، وابن حمادة، وابن الطاهري، وابن الصابوني، وابن تيمية، وابن عبد المنعم المفسر، وابن شيبان، وابن عساكر، والرضي الطبري، وابن المخزومي، وابن النحاس. قلت: من أراد استيفاءهم ينظر الأصل، فقد طال على استيفاء ما ذكره الشيخ رحمه الله. وقد ذكر جماعة من النساء، ثم قال بعد تمام ذلك: ولو قصدنا الاستقصاء لضاق عن مجاله المتبع.
شعره: وشعره متخلّ عن محلّه من العلم والشهرة، وإن كان داخلا تحت طور الإجادة.
فمن ذلك قوله «1» : [الطويل]
تراءى سحيرا والنسيم عليل ... وللنجم طرف بالصباح كليل
وللفجر بحر «2» خاضه الليل فاعتلت ... شوى أدهم الظلماء منه حجول «3»
بريق بأعلى الرّقمتين كأنه ... طلائع شهب في السواد «4» تجول
فمزّق ساجي الليل منه شرارة ... وخرّق ستر الغيم منه نصول
تبسّم ثغر الروض عند ابتسامه ... وفاضت عيون للغمام همول
ومالت غصون البان نشوى كأنها ... يدار عليها من صباه شمول
وغنّت على تلك الغصون حمائم ... لهنّ حفيف فوقها وهديل


صفحه 6

إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت ... يطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعا لا تزال تشوقني ... إليه رسوم دونه وطلول
جاد رباه «1» كلما ذرّ شارق ... من الودق هتّان أجشّ هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعي ... سفوح على تلك العراص «2» همول
وعاذلة ظلّت «3» تلوم على السّرى ... وتكثر من تعذالها وتطيل
تقول: إلى كم ذا فراق وغربة ... ونأي على ما خيّلت ورحيل
ذريني أسعى للتي تكسب العلا ... سناء وتبقي الذّكر وهو جميل
فإمّا تريني من ممارسة الهوى ... نحيلا فحدّ المشرفيّ «4» نحيل
فوق أنابيب اليراعة صفرة «5» ... تزين، وفي قدّ القناة ذبول
ولولا السّرى لم يجتل البدر كاملا ... ولا بات منه للسّعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا ... لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال «6» ابن الحكيم محمد ... لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السّماك جلالة ... وليس له إلّا النجوم قبيل
من القوم، أمّا في النّديّ «7» فإنهم ... هضاب وأمّا في النّدى فسيول
حووا شرف العلياء إرثا ومكسبا ... وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطّالة ذات هيدب ... مرتها شمال مرجف وقبول «8»
لها زجل من رعدها ولوامع ... من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت ... شقاشقها عند الهياج فحول
بأجود من كفّ الوزير محمد ... إذا ما توالت للسّنين محول
ولا «9» روضة بالحسن طيبة الشّذا ... ينمّ عليها إذخر وجليل
وقد أذكيت للزهر فيها مجامر ... تعطّر منها للنسيم ذيول


صفحه 7

وفي مقل النّوار للطلّ «1» عبرة ... تردّدها أجفانها وتحيل
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّما ... تفاقم خطب للزمان يهول
حويت أبا عبد الإله مناقبا ... تفوت يدي «2» من رامها وتطول
فغرناطة مصر وأنت خصيبها ... ونائل يمناك الكريمة نيل «3»
فداك رجال حاولوا درك العلا ... ببخل، وهل نال العلاء بخيل؟
تخيّرك المولى وزيرا وناصحا ... فكان له ممّا أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوّضا ... إليك فلم يعدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيّد ... نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أروع «4» باسل ... مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنما ... على وجنتيه للنّضار مسيل
تهيم به العلياء حتى كأنها ... بثينته في الحبّ وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاءها ... حسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقين فأصبحت ... إليه قلوب العالمين تميل
وأعدى قريضي جوده وثناؤه ... فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أيا فخر الوزارة أرقلت ... برحلي هو جاء النّجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا ... بأيدي ركاب سيرهنّ ذميل «5»
تسدّدني سهما لكلّ ثنيّة ... ضوامر أشباه القسيّ نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى ... ذراك برحلي «6» هوجل وهجول
فقيّدت أفراسي به وركائبي ... ولذّ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّة ... عليها لأحداث الزمان ذحول «7»
ويهوى «8» العلا حظّي ويغرى «9» بضدّه ... لذاك اعترته رقّة ونحول


صفحه 8

وتأبى لي الأيام إلّا إدالة ... فصونك لي إنّ الزمان مديل
فكلّ خضوع في جنابك عزّة ... وكلّ اعتزاز قد عداك «1» خمول
وهي طويلة. ومن شعره «2» : [السريع]
سقى ثرى سبتة بين البلاد ... وعهدها المحبوب صوب العهاد
وجاد منهل الحيا ربعها ... بوبله تلك الرّبى والوهاد
وكم لنا في طور سينائها ... من رائح للأنس في إثر غاد
وعينها البيضاء كم ليلة ... بيضاء فيها قد خلت لو تعاد
وبالمنارة التي نورها ... لكلّ من ضلّ دليل وهاد
نروح منها مثلما نغتدي ... للأنس والأفراح ذات ازدياد
في فتية مثل نجوم الدّجى ... ما منهم إلّا كريم جواد
ارتشفوا كأس الصفا بينهم ... وارتضعوا أخلاف محض الوداد
ويالأيام ببنيولش «3» ... لقد عدت عنها صروف العوادي
أدركت من لبنى بها كلّما ... لبانة وساعدتني سعاد
ونلت من لذّات دهري الذي ... قد شئته وللأماني انقياد
منازل ما إن على مبدل ... هاء مكان اللام فيها انتقاد
سلوتها مذ ضمّني بعدها ... نادي الوزير ابن الحكيم الجواد
ومن المقطوعات قوله «4» : [المتقارب]
أبت همّتي أن يراني امرؤ ... على الدهر يوما له ذا خضوع
وما ذاك إلّا لأني اتّقيت ... بعزّ القناعة ذلّ القنوع «5»
ومن ذلك في المشط والنشفة من آلات الحمّام: [الكامل]
إني حسدت المشط والنّشف الذي ... لهما مزايا القرب دوني مخلصه
فأنامل من ذا تباشر صدغه ... ومراشف من ذا تقبّل أخمصه «6»


صفحه 9

نثره: وقع هنا بياض مقدار وجهة في أصل الشيخ.
مولده: ولد ببلده سبتة في عام ستة وسبعين وستمائة.
وفاته: وتوفي بتونس في الثاني عشر لشوال من عام تسعة وأربعين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، بعد أن أصابته نبوة من مخدومه السلطان أبي الحسن «1» ، ثم استعتبه وتلطف له. وكانت جنازته مشهورة، ودفن بالزّلاج من جبانات خارج تونس، رحمه الله.
عبد المهيمن بن محمد الأشجعي البلّذوذي
نزيل مراكش.
حاله: من كتاب «المؤتمن» «2» ، قال: كان شاعرا مكثرا، سهل الشعر، سريعه، كثيرا ما يستجدي به، وكان يتقلّد مذهب أبي محمد علي بن حزم، الفقيه الظاهري، ويصول بلسانه على من نافره. دخل الأندلس وجال في بلادها بعد دخوله مراكش.
وكان أصله من بلّذوذ. ورد مالقة أيام قضاء أبي جعفر بن مسعدة، وأطال بها لسانه، فحمل عليه هنالك حملا أذاه، إلى أن كان مآل أمره ما أخبرني به شيوخ مالقة، وأنسيته الآن، فتوصّل إلى مآل أمره من جهة من بقي بها الآن من الشيوخ، نقلت اسمه ونسبه من خطّه.
شعره: [مجزوء الرجز]
أما على ذي شرك ... في صيدنا من درك؟
تصيدنا لواحظ ... وما لها من حرك
والبدر إن غاب فمن ... يجلو ظلام الحلك؟
قد تاب للقلب «3» فما ... يدري إن لم تدركي «4»
عدا السقام أو عدا ... وعد الذي لم يأفك
أو لم «5» يكن حلّ دمي ... فلتبطلي «6» أو أترك


صفحه 10

حاربت من لا قدرة ... لديه في المعترك
يفلّ غرب سيفه ... سيف لحاظ فتّك
يا لفتى يا قبلتي ... يا حجّتي يا نسكي «1»
إن عظم الحزن فما ... أرجل حسن الفلك «2»
أو أهديت الحيّ ... فلابن عبد الملك «3»
خطيب ومران للّذي ... سلك على سلك «4»
ركن التّقى محمد ... ذو النّبل والطبع الزكي «5»
منفرد في جوده ... بماله المشترك
يا نوق، هذا بابه ... فهو أجلّ مبرك
وأنت يا حادية، ... قربت، ما أسعدك!
فبرّكي وكبّري ... وأبركي «6» وبرّك
فقد أتينا بشرا ... له صفات الملك
كفّك يهمي ملكت ... كأنّها لم تملك
قصيدتي لو لم تنل ... منك حلّى لم تسبك
أبكيت ديمة النّدى ... فزهرها ذو ضحك
لكنني يا سيدي ... من فاقتي في شرك
وشعره على هذه الوتيرة. حدّثني أبي، قال: رأيته رجلا طوالا، شديد الأدمة، حليق الرأس، دمينه، عاريه، كثير الاستجداء والتّهاتر مع المحابين من أدباء وقته، يناضل عن مذهب الظاهرية بجهده.
وفاته: من خط الشيخ أبي بكر بن شبرين: وفي عام سبعة وتسعين وستمائة توفي بفاس الأديب عبد المهيمن المكناسي، المكتنى بأبي الجيوش البلّذوذي، وكان ذا هذر وخرق، طوّافا على البلاد، ينظم شعرا ضعيفا يستمنح به الناس، وآلت حاله إلى أن سعي به لأبي فارس عزّوز الملزوزي الشاعر، شاعر السلطان أبي يعقوب وخديمه، وذكر له أنه هجاه، فألقى إلى السلطان ما أوجب سجنه، ثم ضربت عنقه صبرا، نفعه الله.