وأربعمائة ورابهما الأمر، كما تقدّم في ذكر المعتمد بن عباد، فتعجّلا الرجوع إلى وطنهما بحيلة دبّراها.
نكبته ووفاته: ولمّا اشتدّ خوفة من أمير لمتونة، ورأى أنه أسوة ابن عباد في الخلع عن ملكه، وضيّقت الخيل على أطرافه وانتزعتها داخل طاغية الرّوم، وملّكه من مدينة الأشبونة رغبة في دفاعه عنه، فاستوحشت لذلك رعيته، وراسلت اللّمتونيين، واقتحمت عليه مدينة بطليوس، واعتصم بالقصبة، وخانه المحاربة، فدخلت عليه عنوة، وتقبّض عليه وعلى بنيه وعبيده، وتحصّلوا في ثقاف قائد الجيش اللّمتوني.
وبادر إعلام الأمير سير بن أبي بكر، فلحق بها. واستخرج ما كان عند المتوكل من المال والذّخيرة، وأزعجه إلى إشبيلية مع ابنين له، فلمّا تجاوز وبعد عن حضرته، أنزل وقيل له: تأهّب للموت، فسأل أن يقدّم ابناه يحتسبهما عند الله، فكان ذلك، وقتلا صبرا بين يديه، ثم ضرب عنقه، وذلك صدر سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وانقرضت دولة بني الأفطس.
وممن رثاهم، فبلغ الأمد وفاء وشهرة وإجادة، أبو محمد عبد المجيد بن عبدون بقصيدته الفريدة «1» : [البسيط]
الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور؟
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة «2» ... عن نومة بين ناب اللّيث والظّفر
فالدّهر «3» حرب وإن أبدى مسالمة ... والبيض والسّمر «4» مثل البيض والسّمر «5»
ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضّراب وبين الصّارم الذّكر
فلا تغرّنك «1» من دنياك نومتها ... فما صناعة «2» عينيها سوى السّهر
ما للّيالي، أقال الله عثرتنا ... من اللّيالي وخانتها «3» يد الغير
في كلّ حين لها في كل جارحة ... منّا جراح وإن زاغت عن البصر «4»
تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ به «5» ... كالأيم «6» ثار إلى الجاني من الزّهر
كم دولة وليت بالنّصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك من خبر
هوت بدارا وفلّت غرب قاتله ... وكان «7» عضبا على الأملاك ذا أثر «8»
واسترجعت من بني ساسان «9» ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر
وأتبعت «10» أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض «11» المرر «12»
وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
ومزّقت سبأ في كلّ قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر
وأنفذت في كليب حكمها «1» ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر «2»
ولم تردّ «3» على الضّلّيل صحّته ... ولا ثنت أسدا عن ربّها حجر
ودوّخت آل ذبيان وإخواتهم «4» ... عبسا «5» وعضّت «6» بني بدر على النهر «7»
وألحقت بعديّ بالعراق «8» على ... يد ابنه أحمر «9» العينين والشّعر «10»
وأهلكت أبرويزا بابنه ورمت ... بيزد جرد إلى مرو فلم يحر
وأشرفت بخبيب فوق فارعة «11» ... وألصقت «12» طلحة الفيّاض بالعفر
ومزّقت «13» جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظّلام للجزر
وبلّغت يزدجرد الصّين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع التّرك والخزر
ولم تردّ «1» مواضي رستم وقنا ... ذي حاجب عنه سعدا «2» في ابنة الغير
وخضّبت «3» شيب عثمان دما وخطت ... إلى الزبير ولم تستحي من عمر
وما «4» رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوّده إلّا الضّيح في الغمر
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن ... وأمكنت من حسين راحتي شمر
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّا بمن شاءت من البشر
وفي ابن «5» هند وفي ابن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة «6» الألباب والفكر
فبعضنا قائل: ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
وعمّمت «7» بالرّدى «8» فودي أبي أنس ... ولم تردّ الرّدى عنه قنا زفر «9»
وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر
وأنزلت مصعبا من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وزر
ولم تراقب مكان ابن الزّبير ولا ... راعت «1» عياذته بالبيت «2» والحجر
ولم تدع لأبي الذّبّان «3» قاضبه «4» ... ليس اللّطيم «5» لها عمرو بمنتصر
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر
حبابة حبّ رمّان ألمّ بها «6» ... وأحمر قطّرته نفحة القطر
ولم تعد قضب السّفّاح نابية ... على رأس مروان أو أشياعه الفجر
وأسبلت دمعة الروح الأمين على ... دم يثجّ «7» لآل المصطفى هدر
وأشرقت جعفرا والفضل ينظره ... والشيخ يحيي بريق الصّارم الذّكر «8»
وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد «9» الغدر
وروّعت كلّ مأمون ومؤتمن ... وأسلمت «1» كلّ منصور ومنتصر
وأعثرت آل عبّاس لعا لهم ... بذيل زبّاء «2» من بيض ومن سمر
ولا «3» وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكّد للمعتزّ من مرر
وأوثقت في عراها كلّ معتمد ... وأشرقت بقذاها كلّ مقتدر
بني المظفر والأيام ما برحت «4» ... مراحلا «5» والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما وما «6» حملت ... بمثله ليلة في سالف «7» العمر
من للأسرّة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثّغر
من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسّماحة أو للنّفع والضّرر
من للظّبا وعوالي الخطّ قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعيّ والحصر
وطوّقت «8» بالمنايا السّود بيضهم ... أعجب بذاك وما منها سوى ذكر «9»
أو رفع كارثة أو دفع حادثة ... أو قمع آزفة تعيي على القدر «1»
ويح السّماح وويح الجود «2» لو سلما ... وحسرة الدّين والدّنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعباس هامية ... تعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما ارتقى «3» النّسران حيث رقوا ... وكلّ ما طار من نسر ولم يطر
ثلاثة كذوات الدهر منذ نأوا ... عني مضى الدهر لم يربع ولم يحر
ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبه ... حتى التمتّع بالآصال والبكر
من للجلال «4» الذي عمّت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزّهر
أين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عزّ ومن ظفر
أين الوفاء «5» الذي أصفو شرائعه ... فلم يرد أحد منهم «6» على كدر
كانوا رواسي أرض الله مذ نأوا «7» ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر
كانوا مصابيحها دهرا فمذ خبوا ... هذي الخليقة تالله في سدر «1»
كانوا شجى الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الخضر «2»
من لي «3» ولا من بهم إن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر
من لي ولا من بهم إن طبّقت «4» محن ... ولم يكن وردها «5» يفضي «6» إلى صدر
من لي «7» ولا من بهم إن عطّلت سنن ... وأخفيت ألسن الآثار «8» والسّير
ويلمّه من طلوب الثأر مدركه ... لو كان دينا على الأيام ذي عسر «9»
على الفضائل إلّا الصّبر بعدهم ... تسليم «10» مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى وله في أختها طمع «11» ... والدّهر ذو عقب شتّى وذو غير