بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 320

وفاته: توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد العصر، لثمان خلت من رجب عام سبعة وستين وثلاثمائة.
يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري «1»
يكنى أبا عامر.
حاله: العالم الجليل، المحدّث الحافظ، واحد عصره، وفريد دهره، كان، رحمه الله، علما من أعلام الأندلس، ناصرا لأهل السنة، رادعا لأهل الأهواء، متكلّما دقيق النظر، سديد البحث، سهل المناظرة، شديد التّواضع، كثير الإنصاف، مع هيبة ووقار وسكينة. ولّي قضاء الجماعة بقرطبة ثم بغرناطة «2» ، وأقرأ بغرناطة لأكابر علمائها ونبهائها الحديث والأصلين وغير ذلك، بالمسجد الجامع منها وبغيره.
مشيخته: حدّث «3» عن والده العالم المحدّث أبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع، وعن الشيخ الأستاذ الخطيب أبي جعفر أحمد بن يحيى الحميري، وعن الراوية المحدّث أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، وعن الحافظ المسن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجدّ الفهري، والقاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، والزاهد الورع أبي الحجاج يوسف بن محمد البلوي المالقي، عرف بابن الشيخ، وأبي زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم الأصبهاني الواعظ، والفقيه القاضي أبي محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي.
وفاته: بمالقة سنة سبع وثلاثين وستمائة «4» .
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الأنصاري
أوليته: تقدمت في اسم عمّه أبي إسحاق، فلينظر هنالك.
حاله: من أهل العدالة والزّكاء والسّلف في الخطط الشرعية، سكون، متفنّن في العلوم الشرعية من فقه وأحكام، وله التقدم في الوقت في علم الفرائض والحساب.
حبس على الزاوية التي اتّخذتها بالحضرة موضوعات في ذلك الغرض نبيهة، لم يقصر


صفحه 321

فيها عن الإجادة. وتولّى قضاء مواضع من الأندلس، ثم استعمل في النّيابة عن قاضي الحضرة العلية، وهو الآن قاض بمدينة وادي آش، وخطيب بمسجدها الأعظم، تنتابه الطّلبة للأخذ عنه، والقراءة عليه.
مشيخته: روى مع الجملة ممن هو في نمطه، وأخذ بالإجازة عن الشيخ الأستاذ الصالح أبي إسحاق بن أبي العاصي، والخطيب أبي علي القرشي، وعن الفقيه الخطيب أبي عبد الله البيّاني، وعن الأستاذ شيخ الجماعة أبي عبد الله بن الفخّار، وأخذ عن والده وعمه أبي إسحاق. وأجازه الشيخ القاضي الخطيب أبو البركات ابن الحاج، والخطيب الصالح أبو محمد بن سلمون، والكاتب الجليل أبو بكر بن شبرين، ورئيس الكتاب أبو الحسن بن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم الشريف، والخطيب أبو عبد الله القرشي، وهو الآن بالحال المذكورة.
يوسف بن الحسن بن عبد العزيز بن محمد ابن أبي الأحوص القرشي الفهري
يكنى أبا المجد، ويعرف بابن الأحوص.
حاله: كان من أهل العلم والعدالة والنزاهة. ولّي كثيرا من القواعد، فظهر من قصده الحق، وتحرّيه سبيل الصواب، ما يؤثر عن الجلّة.
مشيخته: قرأ على والده وروى عنه، واستدعى له بالإجازة من أعلام زمانه، فأجازه الراوية أبو يحيى بن الفرس، وأبو عمر بن حوط الله، وأبو القاسم بن ربيع، وأبو جعفر أحمد بن عروس العقيلي، وأبو الوليد العطار، والخطيب أبو إسحاق الأوسي القرطبي، والقاضي أبو الخطاب بن خليل، وأبو جعفر الطبّاع، وغيرهم.
قال القاضي أبو المجد شيخنا، رحمه الله: أنشدني أبو علي الحسن قال:
أنشدني الخطيب أبو الربيع بن سالم قال: أنشدنا أبو عمرو السّفاقي قال: أنشدنا أبو نعيم الحافظ قال: أنشدنا عبد الله بن جعفر الجابري قال: أنشدنا ابن المعتز:
[الطويل]
ألم تر أنّ الدّهر يوم وليلة ... يكرّان من سبت عليك إلى سبت؟
فقل لجديد العيش: لا بدّ من بلى ... وقل لاجتماع الشّمل: لا بدّ من شتّ
وبالسند المذكور إلى أبي الربيع بن سالم قال: أنشدنا أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة قال: أنشدنا أبو بكر غالب بن عطية الحافظ
الإحاطة في أخبار غرناطة/ ج 4/م 12


صفحه 322

لنفسه: [الطويل]
جفوت أناسا كنت إلفا لوصلهم «1» ... وما بالجفا عند الضرورة من ناس
بلوت فلم أحمد فأصبحت يائسا ... ولا شيء أشفى للنفوس من الياس
فلا تعذلوني في انقباضي فإنني ... وجدت جميع الشّرّ في خلطة الناس
وفاته: في اليوم التاسع عشر من شهر رجب الفرد عام خمسة وسبعمائة.
يوسف بن موسى بن سليمان بن فتح بن أحمد ابن أحمد الجذامي المنتشاقري «2»
من أهل رندة، يكنى أبا الحجاج.
حاله: هذا الرجل حسن اللقاء، طرف في التخلّق والدماثة، وحسن العشرة، أديب ذاكر للأخبار، طلعة، يكتب ويشعر، سيال الطبع معينه. ولّي القضاء ببلده رندة، ثم بمربلّة. وورد غرناطة في جملة وفود من بلده وعلى انفراد منهم.
وجرى ذكره في «التاج المحلّى» بما نصّه «3» : حسنة الدهر الكثير العيوب، وتوبة الزمان الجمّ الذنوب، ما شئت من بشر «4» يتألّق، وأدب تتعطّر به النّسمات وتتخلّق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقطف بحرها بدرر «5» الغرائب، إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، وممن «6» يمتّ إلى أهل الدّيانة والعبادة بسبب، سبق بقطرة الحلبة، وفرع «7» من الأدب الهضبة، ورفع الراية، وبلغ في الإحسان الغاية، فطارت قصائده كل المطار، وتغنّى بها راكب الفلك وحادي القطار. وتقلّد خطّة القضاء ببلده، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه، وحسن مقصده. وله شيمة في الوفاء تعلّم


صفحه 323

منها الآس «1» ، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكواس «2» . وقد أثبتّ من كلامه ما تتحلّى به ترائب «3» المهارق، ويجعل طيبه فوق المفارق. وكنت أتشوّق إلى لقائه، فلقيته بالمحلّة من ظاهر «4» جبل الفتح لقيا لم تبلّ صدا، ولا شفت كمدا، وتعذّر بعد ذلك لقاؤه فخاطبته بقولي «5» : [الطويل]
حمدت «6» على فرط المشقّة رحلة ... أتاحت لعينيّ اجتلاء محيّاكا
وقد كنت في التّذكار بالبعد «7» قانعا ... وبالريح أن هبّت بعاطر ريّاكا
فجلّت «8» لي النّعمى بما أنعمت به ... عليّ فحيّاها الإله وحيّاكا
أيها «9» الصّدر الذي بمخاطبته يبأى «10» ويتشرّف، والعلم الذي بالإضافة إليه يتعرّف، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضّة يتحف. دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن، وتروي «11» للرواة ما يصحّ من أنبائك ويحسن، طالما مالت إليك النفوس منّا وجنحت، وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلّما سنحت. فالآن اتّضح البيان، وصدّق الأثر العيان. ولقد كنّا للمقام بهذه الرّحال نرتمض «12» ، ويجنّ الظّلام فلا نغتمض، هذا يقلقه إصفار كيسه، وذا يتوجّع لبعد أنيسه، وهذا تروّعه الأهوال، وتضجره بتقلّباتها الأحوال. فمن أنّة لا تنفع، وشكوى إلى الله تعالى ترفع.
فلمّا ورد بقدومك البشير، وأشار إلى ثنيّة «13» طلوعك المشير، تشوّفت النفوس الصّديّة «14» إلى جلائها وصقالها، والعقول إلى حلّ عقالها «15» ، والألسن المعجمة «16» إلى فصل مقالها. ثم إنّ الدهر راجع التفاته، واستدرك ما فاته، فلم يسمح من لقائك


صفحه 324

إلّا بلمحة، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة، فما زاد أن هيّج الأشواق فالتهبت، وشنّ غاراتها على الجوانح فانتهبت، وأعلّ القلوب وأمرضها، ورمى ثغرة الصّبر فأصاب غرضها. فإن رأيت أن تنفّس عن نفس شدّ الشوق مخنّقها، وكدّر مشارب أنسها وأذهب رونقها، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى، وروضة طيّبة الجنى، فليست ببدع في شيمك، ولا شاذّة في باب كرمك. ولولا شاغل لا يبرح، وعوائق أكثرها لا يشرح، لنافست هذه السّحاءة «1» في القدوم عليك، والمثول بين يديك، فتشوّفي «2» إلى اجتلاء أنوارك شديد، وتشيّعي فيك «3» على إبلاء الزمان جديد. فراجعني بقوله «4» : [الطويل]
حباك فؤادي نيل بشرى وأحياكا «5» ... وحيد بآداب نفائس حيّاكا
بدائع أبداها بديع زمانه ... فطاب بها يا عاطر الرّوض ريّاكا
أمهديها أودعت قلبي علاقة ... وإن لم يزل «6» مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فرنده «7» ... فإيّاك أعني «8» بالإشارة إيّاكا
لأتحفني لقياك أسمى «9» مؤمّلي ... وهل تحفة في الدهر إلّا بلقياكا؟
وأعقبت إتحافي فرائدك التي ... وجوب ثناها يا لساني أعياكا
خصصتني «10» أيها الحبر «11» المخصوص بمآثر أعيا عدّها وحصرها، ومكارم طيّب أرواح الأزاهر عطرها، وسارت الركبان بثنائها، وشملت الخواطر محبة علائها، بفرائدك الأنيقة، وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة، ومعارفك التي زكت حقّا وحقيقة، وهدت الضالّ عن سبيل الأدب مهيعه «12» وطريقه، وسبق تحفتك عندي أعلى التحف «13» ، وهو مأمول لقائك، والتمتّع بالتماح سناك الباهر وسنائك، على حين امتدت لذلك «14» اللقاء أشواقي، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي،


صفحه 325

وتردّد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك، وما شاده فكرك الوقّاد من مبانيك، وما أهلّت به بلاغتك من دارسه، وما أضفت «1» على الزمان من رائق ملابسه، وما جمعت من أشتاته، وأحيت من أمواته، وأيقظت من سناته «2» ، وما جاد به الزمان من حسناته.
فلترداد هذه المحاسن من أنبائك، وتصرّف الألسنة بثنائك، علقت النفس من هواها بأشدّ علاقة، وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة، والحوادث الجارية تصرفها، والعوائق الحادثة كلما عطفت بأملها «3» إليه لا تتحفها به ولا تعطفها، إلى أن ساعد الوقت، وأسعد البخت، بلقياكم «4» هذه السفرة الجهادية، وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتي بأسنى هديّة، فلقيتكم لقيا خجل، ولمحت أنواركم لمحة على وجل، ومهجتي «5» في محاسنكم الرائقة، ومعاليكم الفائقة، على ما يعلمه ربّنا عزّ وجلّ.
وتذكرت عند لقائكم المأمول، إنشاء قائل يقول: [البسيط]
كانت محادثة «6» الركبان تخبر عن ... محمد بن خطيب «7» بأطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري
قسما «8» لعمري أقوله وأعتقده، وأعتدّه وأعتمده، فلقد بهرت منك المحاسن، وفقت من يحاسن، وقصر عن شأوك كلّ بليغ لسن، وسبقت فطنتك النّارية النّوريّة بلاغة كلّ فطن، وشهد لك الزمن «9» أنك وحيده، ورئيس عصبته الأدبية وفريده. فبورك لك فيما أنلت من الفضائل، وأوتيت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة هائل «10» ، ولا زلت مرقّى «11» في مراتب المعالي، موقّى صروف الأيام والليالي.
ومن شعره يمدح الجهة النّبوية، مصدّرا بالنسيب لبسط الخواطر النّفسانية «12» :
[الكامل]
لما تناهى الصّبّ في تشويقه ... درر الدموع اعتاضها بعقيقه


صفحه 326

متلهّف وفؤاده متلهّب ... كيف البقاء «1» مع احتدام حريقه؟
متموّج بحر الدموع بخدّه «2» ... أنّى خلاص يرتجى لغريقه
متجرّع صاب «3» النّوى من هاجر ... ما إن يحنّ للاعجات مشوقه
يسبي الخواطر حسنه ببديعه ... يصبي النّفوس جماله بأنيقه
قيد النواظر إذ يلوح لرامق ... لا تنثني «4» الأحداق عن تحديقه
للبدر لمحته كبشر ضيائه ... للمسك نفحته كنشر فتيقه «5»
سكرت خواطر لا محيه كأنّهم ... شربوا من الصّهباء «6» كأس رحيقه
عطشوا لثغر لا سبيل لريقه ... إلّا كلمحهم للمع بريقه
ما ضرّ مولى عاشقوه عبيده ... لو رقّ إشفاقا لحال رقيقه
عنه اصطباري ما أنا بمطيعه ... مثل السّلوّ ولا أنا بمطيقه
سجع الحمام يشوق ترجيع الهوى ... فأثار شجو مشوقه بمشوقه
وبكت هديلا راعها تفريقه ... ويحقّ أن يبكي أخو تفريقه
وبكاء أمثالي أحقّ «7» لأنني ... لم أقض للمولى أكيد حقوقه
وغفلت في زمن الشباب المنقضي ... أقبح بنسخ بروره بعقوقه
وبدا المشيب وفيه زجر ذوي النّهى ... لو كنت مزدجرا لشيم «8» بروقه
حسبي ندامة آسف ممّا جنى ... يصل النّشيج «9» لوزره بشهيقه
ويرمّ «10» ما خرم الهوى زمن الصّبا ... ويروم من مولاه رتق فتوقه
ويردّد الشكوى لديه تذلّلا ... علّ الرّضا يحييه «11» درك لحوقه
فيصحّ من سكر التّصابي صحوه «12» ... نسخا لحكم صبوحه بغبوقه «13»


صفحه 327

لو كنت يمّمت التّقى وصحبته ... وسلكت إيثارا سواء طريقه «1»
لأفدت منه فوائدا وفرائدا ... عرضت تسام لرابح في سوقه
لله أرباب القلوب فإنهم ... من حزب من نال الرّضا وفريقه
قاموا وقد نام الأنام فنورهم ... هتك الدّجا بضيائه وشروقه
وتأنّسوا بحبيبهم فلهم به ... بشر لصدق الفضل في تحقيقه
قصّرت عنهم عندما سبقوا المدى ... ولسابق فضل على مسبوقه
لولا رجاء تلمّحي «2» من نورهم ... يحيي الفؤاد بسيره وطروقه
وتأرّج يستاف من أرواحهم ... سبب انتعاش الرّوح طيب خلوقه «3»
لفتنت «4» من جرّا «5» جرائري «6» التي ... من خوفها قلبي حليف خفوقه
ومعي رجاء توسّل أعددته ... ذخرا لصدمات الزمان وضيقه
حبّي ومدحي أحمد الهادي الذي ... فوز الأنام يصحّ في تصديقه
أسمى الورى في منصب وبمنسب ... من هاشم زاكي النّجار عريقه
الحقّ أظهره عقيب خفائه ... والدّين نظّمه لدى تفريقه
ونفى هداه ضلالة من جائر ... مستوثق بنعوته ولعوقه «7»
سبحان مرسله إلينا رحمة ... يهدي ويهدى الفضل من توفيقه
والمعجزات بدت بصدق رسوله ... وحقيقه بالمأثرات خليقه
كالظّبي في تكليمه والجذع في ... تحنينه والبدر في تشقيقه
والنّار إذ خمدت بنور ولادة «8» ... وأجاج ماء قد حلا من ريقه
والزّاد قلّ فزاد من بركاته ... فكفى الجيوش بتمره وسويقه
ونبوع ماء الكفّ من آياته ... وسلام أحجار غدت بطريقه
والنخل لمّا أن دعاه مشى له ... ذا سرعة بعروقه وعذوقه «9»
والأرض عاينها وقد زويت له ... فقريب ما فيها رأى كسحيقه «10»