وابن عروس «1» ، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي جعفر بن حكم. وإلى قرطبة، فأخذ بها عن ابن بشكوال، وأبي القاسم المشراط. وإلى إشبيلية، فأخذ بها عن أبي بكر بن الجدّ، وأبي عبد الله بن رزق، وابن خير، وابن صاف. وأخذ بسبتة عن ابن عبيد الله. وبالجزيرة الخضراء عن القاضي أبي جعفر بن عزرة «2» . هؤلاء جملة من أخذ عنهم باللقاء والمشافهة. وأجازه جماعة من أهل المشرق كبيرة، ذكرهم في برنامجه، كالخشوعي، والأرحي، والحرشاني «3» ، وحدّث عن السلفي الحافظ بإجازته العامة.
تواليفه: شرح جمل أبي القاسم الزّجاجي، وردّ على ابن خروف، منتصرا بشيخه أبي زيد السهيلي في مسألة نحوية ردّ فيها ابن خروف على السّهيلي، وقيّد فيما جرى بينه وبين الأستاذ أبي محمد القرطبي، جزءا سماه ب «الحقبي، في أغاليط القرطبي» ، لم يخل فيه عن حمل وتعسّف. وألّف برنامجا جامعا. روى عنه أبو عبد الله بن عسكر القاضي، والشيخ أبو عبد الله بن عبيد الأوسي، وأبو عبد الله الطّنجالي، والخطيب ابن أبي ريحانة.
مولده: سنة سبع وأربعين وخمسمائة.
وفاته: توفي سحر يوم الجمعة الموفي عشرين لشهر ربيع الثاني سنة عشر وستمائة «4» .
عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد الأموي «5»
المقرئ، الحافظ المعروف بابن الصّيرفي، قرطبي الأصل، يكنى أبا عمرو، ويشتهر بالدّاني؛ لاستيطانه دانية. ودخل إلبيرة، وقرأ على أبي عبد الله بن أبي زمنين، فوجب ذكره لذلك.
حاله: كان أحد الأئمة الأعلام في علم القرآن، وآياته، وتفسيره، ومعانيه وإعرابه، وجمع في ذلك كله التواليف العجيبة التي يكثر تعدادها، ويطول إيرادها، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته. وكان حسن الخطّ، جيد الضبط، آية في الحفظ والعلم، والذكاء والفهم، ديّنا عارفا، ورعا سنيّا. قال المغامي «1» :
وكان أبو عمرو مجاب الدعوة. وذكره الحميدي فقال «2» : محدّث مكثر، مقرئ متقدّم.
مشيخته: روى «3» عن أبي المطرف عبد الرحمن بن عثمان القشيري بقرطبة، وعن أبي بكر حاتم بن عبد الله البزاز «4» ، وأبي عبد الله محمد بن خليفة، وأحمد بن فتح بن الرّهان «5» ، وأبي بكر بن خليل، ويونس بن عبد الله القاضي، وخلف بن يحيى، وغيرهم. وبإلبيرة عن محمد بن أبي زمنين كثيرا من رواياته وتواليفه.
وسمع بأستجّة وبجّانة وسرقسطة «6» من بلاد الثغر. ورحل إلى المشرق «7» ، فلقي «8» أبا الحسن بن أحمد بن مراس العنقي. وسمع بمصر من أبي محمد بن النحاس، وأبي القاسم بن ميسّر، وخلف بن إبراهيم بن خاقان، وفارس بن أحمد، وطاهر بن عبد المنعم، وبالقيروان من أبي الحسن القابسي «9» . وقدم الأندلس فاستوطن دانية.
شعره: قال أبو القاسم بن بشكوال: ومما يذكر من شعره قوله «10» :
[البسيط]
قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري «11» على كل من يعزى إلى الأدب
لا شيء أبلغ من ذلّ يجرّعه «1» ... أهل الخساسة أهل الدّين والحسب
القائمين «2» بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزّيغ والرّيب
مولده: قال أبو عمرو «3» : سمعت والدي يقول: إني ولدت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأت طلب العلم بعد خمس وثمانين.
وفاته: من خط أبي الحسن المقرئ «4» : يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة بدانية، ودفن عصر اليوم المذكور ببقيعها. ومشى السلطان «5» راجلا أمام نعشه.
علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح ابن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد «6»
الإمام أبو محمد بن حزم.
أوليته: أصله من الفرس، وجدّه الأقصى في الإسلام اسمه يزيد، مولى ليزيد بن أبي سفيان. قال أبو مروان بن حيان: وقد كان من عجائبه، انتماؤه في فارس وأتباع أهل بيته، له في ذلك بعد حقبة من الدهر تولّى فيها الوزير، المفضّل في زمانه، الراجح في ميزانه، أحمد بن سعيد بن حزم، لبني أمية أولياء نعمته، لا عن صحة ولاية لهم عليه، فقد عهده الناس مولّد الأرومة من عجم لبلة، جدّه الأدنى حديث عهد بالإسلام، لم يتقدّم لسلفه نباهة. فأبوه أحمد، على الحقيقة، هو الذي بنى بيت نفسه في آخر الدهر برأس رايته، وعمره بالخلال الفاضلة، من الرّجاحة والدّهاء والمعرفة والرجولة والرأي، فأسدى جرثومة شرف لمن نماهم، أغنتهم عن الرسوخ في أولى السابقة، فما من شرف إلّا مسبوق عن خارجته، ولم
يكن إلّا كلّا ولا، حتى تخطّى على هذا أوليته لبلة، فارتقى قلعة إصطخر من أرض فارس. فالله أعلم كيف ترقّاها، إذ لم يكن يؤتى من خطل ولا جهالة، بل وصله بها وسع علم، ووشجة رحم معقومة، فلها يستأخر الصلة، فتناهت حاله مع فقهاء عصره إلى ما وصف، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم الناس مثقال ذرّة، عزّت قدرته.
حاله: قال الحميدي «1» : كان حافظا، عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنّة، متفنّنا في علوم جمّة، عاملا بعلمه، زاهدا في الدنيا بعد الرّئاسة التي كانت له ولأبيه من قبله، في الإدارة «2» وتدبير الممالك، متواضعا، ذا فضائل جمّة. قال: وما «3» رأينا مثله فيما اجتمع له، مع الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتّديّن. قال أبو مروان بن حيان: كان أبو محمد حامل فنون، من حديث وفقه ونسب، مع المشاركة في كثير من أنواع التعاليم القديمة. وله في ذلك عدة تواليف.
وقد مال أولا به النّظر في الفقه إلى رأي أبي عبد الله الشافعي، وناضل عن مذاهبه، وانحرف عن مذهب غيره، حتى وسم به، واستهدف بذلك إلى كثير من الفقهاء، وعيب بالشّذوذ. ثم عدل في الآخر إلى قول أصحاب الظّاهر، مذهب داود بن علي، ومن تبعه من فقهاء الأمصار، فنقحه ونهجه، وجادل عنه، ووضع الكتب في بسطه، وثبت عليه إلى أن مضى بسبيله. وكان يحمل علمه، ويجادل عنه لمن خالفه فيه، على استرسال في طباعه، واستناد إلى العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبيّنه للناس، ولا يكتمونه، فآل أمره إلى ما عرف.
مشيخته: قال «4» : سمع سماعا جمّا، وأول سماعه من أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور قبل الأربعمائة.
تواليفه: قال «5» : بلغت تواليفه أربعمائة مجلد. وقال: حمل بعير، فمنها في علم الحديث كتاب كبير سمّاه «الإيصال إلى فهم كتاب «6» الخصال، الجامعة لجمل شرائع الإسلام، في الواجب والحلال والحرام، وسائر الأحكام، على ما أوجبه القرآن والسّنة والإجماع» ؛ أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين،
وبيان ذلك كله، وتحقيق القول فيه. وله كتاب «الإحكام لأصول الأحكام» في غاية التقصّي وإيراد الحجاج. وكتاب «الفصل في الملل والأهواء والنّحل» . وكتاب «الإجماع ومسائله» على أبواب الفقه. وكتاب «المجلّى والمحلّى» وكتاب «في مراتب العلوم وكيفية طلبها وتعلّق بعضها ببعض» . وكتاب «إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل، وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا «1» يحتمل التأويل» . وهذا ممّا سبق إليه، وكتاب «التقريب لحدّ المنطق والمدخل إليه» بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية؛ فإنه سلك في بيانه وإزالة سوء الظنّ عنه، وتكذيب المنحرفين «2» به طريقة لم يسلكها أحد قبله فيما علمنا «3» .
شعره: قال»
: وكان له في الأدب «5» والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه. وشعره كثير، وقد جمع على حروف المعجم. ومنه قوله «6» : [الطويل]
هل الدّهر إلّا ما عرفنا وأدركنا ... فجائعه تبقى ولذّاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرّة ساعة ... تولّت كمرّ الطّرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في الحساب «7» وموقف ... نودّ لديه أننا لم نكن كنّا
حصلنا على همّ وإثم وحسرة ... وفات الذي كنّا نلذّ «8» به عنّا «9»
حنين لما ولّى، وشغل لما «10» أتى ... وغمّ لما يرجى، فعيشك لا يهنا
كأنّ «11» الذي كنّا نسرّ بكونه ... إذا حقّقته النّفس لفظ بلا معنى
ومن ذلك قوله من قصيدة في الفخر «12» : [الطويل]
أنا الشّمس في جوّ العلوم منيرة ... ولكنّ عيبي أنّ مطلعي الغرب
ولو أنّني من جانب الشّرق طالع ... لجدّ على ما ضاع من ذكري النّهب
ولي نحو أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصّبّ
فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسّف والكرب
فكم قائل: أغفلته وهو حاضر ... وأطلب ما عنه تجيء به الكتب
هنالك يدري أنّ للبعد قصة ... وأنّ «1» كساد العلم آفته القرب
ومنها في الاعتذار عن المدح لنفسه:
ولكنّ لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من سار «2» سيرته ذنب
يقول، وقال الحقّ والصّدق، إنني ... حفيظ عليم، ما على صادق عتب
ومن شعره قوله فيما كان يعتقده من المذهب الظاهري «3» : [الطويل]
وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول:
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل «4» ؟
فقلت له: أسرفت في اللوم ظالما ... وعندي ردّ، لو أردت، طويل «5»
ألم تر أنّي ظاهريّ وأنني ... على ما بدا «6» حتى يقوم دليل؟
ومن ذلك قوله «7» : [الطويل]
أبن وجه قول الحقّ في نفس سامع ... ودعه فنور الحقّ يسري ويشرق
سيؤنسه رفقا فينسى نفاره ... كما نسي القيد الموثّق مطلق
ومن ذلك قوله «1» : [الوافر]
لئن أصبحت مرتحلا بشخصي «2» ... فروحي «3» عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له «4» طلب «5» المعاينة الكليم
وفي المعنى «6» : [الوافر]
يقول أخي: شجاك رحيل جسم ... وروحك ما له عنّا رحيل
فقلت له المعاين مطمئنّ ... لذا طلب المعاينة الخليل
دخوله غرناطة: وصل في جملة الإمام المرتضى، ولمّا جرت عليه الهزيمة واستولى باديس الأمير بغرناطة على محلّته، كان أبو محمد من عداد أسراه مع مثله، إلى أن أطلقه بعد لأي، وخلّصه الله منه.
محنته: قال ابن حيان: استهدف إلى فقهاء وقته، فتألّبوا على بغضه، وردّ قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا أعوامهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به، منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي غير راجع إلى ما أرادوا، به يبثّ علمه فيمن ينتابه بباديته من عامّة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يحسّون فيه الملامة بحداثتهم، ويفقّههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنّفاته في فنون العلم وقر بعير، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية، وفي ذلك يقول «7» :
[الطويل]
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمّنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلّت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويدفن في قبري
مولده: سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بقرطبة.
وفاته: توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة «1» .
علي بن إبراهيم بن علي الأنصاري المالقي «2»
يكنى أبا الحسن، صاحبنا حفظه الله.
حاله: آية الله في الحفظ، وثقوب الذهن، والنجابة في الفنون، وفصاحة الإلقاء، خريج طبعه، وتلميذ نفسه، ومبرز اجتهاده. إمام في العربية، لا يشقّ فيها غباره حفظا وبحثا وتوجيها واطلاعا وعثورا على سقطات الأعلام، ذاكر للغات والآداب، قائم على التفسير، مقصود للفتيا، عاقد للوثيقة، مشارك في الفنون، ينظم وينثر، فلا يعدو الإجادة والسّداد، سليم الصدر، أبيّ النفس، كثير المشاركة، مجدي الصّحبة، بعيد عن التّسمّت. رحل عن بلده مالقة بعد التبريز في العدالة والشهرة بالطلب، واستقرّ بالمغرب، فأقرأ بمدينة أنفا، منوّها به، ثم بسلا، واستوطن بها، رئيس المدرسة بها، مجمهرا بكرسيّها، فارعا بمنبرها بالواردة السلطانية، يفسر كتاب الله بين العشاءين، شرحا كثير العيون، محذوف الفضول، بالغا أقصى مبالغ الفصاحة، مسمعا على المحال النّابية، ويدرس من الغدوات بالمدرسة، دولا في العربية والفقه، أخذه بزمام النبل، مترامية إلى أقصى حدود الاضطلاع. وحضر المناظرة بين يدي السلطان، فاستأثر بشقص «3» من رعيه، وأعجب بقوة جأشه، وأصالة حفظة، فأنمى جراياته، ونوّه به.
مشيخته: قرأ ببلده على الأستاذين، علمي القطر؛ القاضي العالم أبي عبد الله ابن تبر، والقاضي النظار أبي عمرو بن منظور. وتلا القرآن على المقرئ أبي محمد بن أيوب. وذاكر بغرناطة إمام العربية أبا عبد الله بن الفخّار ورئيس الكتاب شيخنا أبا الحسن ابن الجيّاب. وبالمغرب كثيرا من أعلامه، كالرئيس أبي محمد الحضرمي، والقاضي أبي عبد الله المقرئ وغيرهما «4» . وهو الآن بحاله الموصوفة قاضيا بشرقي مالقة، وأستاذا بها متكلما، معجز من مفاخر قطره.