بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 93

شعره: مما يؤثر من شعره منقولا من خطّ صاحبنا أبي الحسن بن الحسن:
[البسيط]
رحماك رحماك في قلب يقلّبه ... شوق يكاد بلفح الوجد يذهبه
هام الفؤاد بمعنى للجمال بدا ... عليك في السّرّ للأرواح أعجبه
ولاح منك لذي الإشراف جوهرة ... ألاحت الحسن عمّا كان يحجبه
فلو هم الصّحب أن الرّوح تيّمها ... ماضي الجفون برود الثّغر أشنبه
يظلّ معتقلا من خوط قامته ... بأسمر غالني منه مؤرّبه
وذي فرند يدبّ الموت في شطب ... منه ويوحش في جنح تلهّبه
يخاله ذو الصّدا ماء فيبصره ... يودّ في الحال أن لو كان يشربه
بالهندوانيّ والذي «1» توشّجه ... وبالصّبابة والأرواح ملعبه
كساه سرّ الجمال المحض حلّته ... إذ جاده من نكوب الجود صيّبه
وقام يرفل فيها وهي ضافية ... فأقبلت نحوه الأرواح تطلبه
هيهات من دونه باب بظاهره ... يجر الفناء «2» وجند الروح يرهبه
فمرنا والموت فيه عين عيشته ... فأوج مرقى حياة الروح مرقبه
نيدت لوائحه من بحر جوهره ... برقا يغير على الغيران خلّبه
وتستعير له روحا مظاهره ... سرّ الجمال بها يبدو تحجّبه
بدر وفي أفق الأرواح مطلعه ... مهما أفاقت وإلّا فهي مغربه
بخاطر منه سرّ لا يفارقه ... وإن غدا بغرام الشوق يلهبه
لي هواه والبعد ينهاني ويصدقني ... في نصحه وصريح الوجد يكذبه
سرّ الغرام غريب ليس يعلمه ... إلّا الذي قد غدا يرضيه مغضبه
وللصّبابة أقوام وموردهم ... بها من الأنس أحلاه وأعذبه
وليس يعرف هذا حقّ معرفة ... إلّا الذي قد تجلّى عنه غيهبه
وأبصر الحسن قد لاحت لوائحه ... وغرّ مستبشر الأضواء كوكبه
بذات أهيف من سرّ الحياة «3» ... طرس يغالبه طورا فيغلبه


صفحه 94

وفي لجين الجمال المحض قد فعلت ... فعلا يردّ لها في الحكم مذهبه
أروم إعجامه هونا وتطمعني ... فيه النّفاسة والأنفاس تعرفه
فمن لمثلي بكتمان ومن نفسي ... أخو بيان مع الساعات يسهبه
لبانة السّرّ أن تحظى بمرقبة ... إلى سبيل من الزّلفى تقرّبه
تسمو على منكب الجوزاء ذروتها ... عن رقّة بشهود الفرق تسلبه
وفي مصافّات سرّ القبض يبسطه ... لدى الوجود الذي قد عزّ مطلبه
فيرتقي في مراقي الجمع مختطفا ... إلى المقام الذي إليه «1» بغيته
فذاك أعظم ما يرجوه أن سبقت ... عنّا يد نحو باب العزّ تجذبه
ومن منظومه في النسيب قوله: [الكامل]
لمحمد البرقاء حسن باهر ... كلّ الورى حلف الصّبابة فيه
السّحر مفتون بغنج لحاظه ... والشّهد ممزوج بريق «2» فيه
فسحره أضنى المتيّم في الهوى ... حتى يكاد سقامه يخفيه
ولو انه بالشّهد جاد ورشفه ... لصد لكان من الصّدا يشفيه
بصدوده قلبي يقطّع في الهوى ... يا ليته بوصاله رافيه
وصدّر كتابا بقوله يخاطبني»
: [الوافر]
أنسيانا فديتك يا حياتي ... لمن لم ينس «4» حبّك للممات
ورجما بالظنون أخا حنين ... إليك رهين «5» شوق وانبتات
يمينا بالنهار إذا تجلّى ... وبالقمر المنير وبالآيات «6»
لقد أحللت حبّك من فؤادي ... محلّ الروح من بثّ الجهات «7»
وشعره بديع، وإدراكه عجيب، وعارضته قوية.


صفحه 95

علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي «1»
يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الضّائع، من أهل إشبيلية.
حاله: قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: بلغ «2» الغاية في الفنّ النحوي، وفاق أصحاب الأستاذ أبي علي الشلوبين بأسرهم، وله في مشكلات الكتاب العجائب، وقرأ ببلده أيضا علم الكلام، وأصول الفقه، وكان متقدما في هذه العلوم الثلاثة، متصرّفا فيها. وأما فنّ العربية، وعلم الكلام، فلم يكن في وقته من يقاربه في هذين العلمين.
وأما فهمه وتصرفه في كتاب سيبويه، فما أراه يسبقه في ذلك أحد. وله إملاء على طائفة كبيرة من إيضاح الفارسي. وكان له اعتناء كبير بكلام الفارسي على الجملة، وبحسب ذلك استقضى اعتراضات أبي الحسين بن الطراوة على أبي علي بالردّ، واستوفى ما وقع له في ذلك حتى لم يبق بيده شيء على طريقة من الإنصاف ودليل الهدى، لم يسبق إليها، وكذا فعل في رد أبي محمد بن السيد على أبي القاسم الزجّاجي. وكذا فعل في اعتراضات أبي الحسين بن الطراوة على كتاب سيبويه. وكان بالجملة إماما في هذا كله لا يجارى. وأما اختيارات أبي الحسن بن عصفور في مغربه وغير ذلك من تعاليقه وما قيّد في ذلك، فردّ عليه معظمها أو أكثرها. ولم يلق بالأندلس والعدوة، ولا سمعنا بأنبه منه، ممن وقفنا على كلامه أو شاهدناه، ولا رأيت مختلفا عليه من أهل بلده من أترابه، ومن فوقهم. وكان إذا أخذ في فن أتى بعجائب. قال الأستاذ: لازمته، وأخذت عليه كتاب سيبويه في عدة سنين، وأكثر كتاب الإيضاح، وجمل الزجّاجي، إلى غير ذلك، وجميع التلقيحات للسّهروردي، وطائفة كبيرة من إرشاد أبي المعالي، ومن كتاب الأربعين لابن الخطيب، وغير ذلك.
مشيخته: أجاز «3» له من أهل بلده الراوية المسنّ أبو الحسن «4» بن السّراج، والقاضي أبو الخطاب بن خليل. ومن غيرهم، القاضي أبو بكر بن محرز، والمقرئ المعمّر أبو بكر الشّماتي المعروف بالشريشي، وأبو عبد الله الأزدي، وأبو عبد الله بن جوبر، وآخرين. وقرأ ببلده، ولازم الأستاذ أبا علي الشلوبين، حتى كمل عليه إيضاح


صفحه 96

الفارسي، وكتاب سيبويه. وسمع جمل الزجّاجي، وغير ذلك من كتب العربية، ممن كان يقرأ في المجلس، وقرأ عليه طائفة كبيرة من تذكرة الفارسي مما يتعلّق بمسائل الكتاب، بعد أن جرّدها من التذكرة. وبلغ الغاية في الفن النحوي، وفاق أصحاب أبي علي بأسرهم.
وفاته: توفي، رحمه الله، في شهر ربيع الآخر «1» من سنة ثمانين وستمائة، وقد قارب التسعين «2» . [قلت: العجب من الشيخ الخطيب، رحمه الله، كيف لا يذكر للمترجم به، رحمه الله، شرحه لجمل الزجّاجي، بل شرحه الصغير والكبير؟ ولم يكن اليوم على الزجّاجي أجدى منها، ولا أنفع، ولا أقلّ فضولا، ولا أفصح عبارة، ولا أوجز خطابة، ولا أجمل إنصافا، ولا أجود نظرا «3» ] .
الكتاب والشعراء وأولا الأصليون منهم
علي بن محمد بن عبد الحق بن الصباغ العقيلي «4»
يكنى أبا الحسن، من أهل غرناطة.
حاله: صاحبنا أبو الحسن، من «5» أهل الفضل والسّراوة والرّجولة والجزالة. فذ في الكفاية، ظاهر السذاجة والسلامة، مصعب لأضداده، شديد العصبة «6» لأولي ودّه، في أخلاقه حدّة، وفي لسانه نبالة، أخلّا به، مشتمل على خلال من خطّ بارع، وكتابة حسنة، وشعر جيد، ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة، ومحاضرة ممتعة. ناب عن بعض القضاة، وكتب الشروط، وارتسم في ديوان الجند، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى «7» بن عمر على عهده. ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة «8» وخمسين وسبعمائة، فارتسم في الكتابة السلطانية منوّها به، مستعملا في خدم مجدية، بان غناؤه فيها، وظهرت كفايته.


صفحه 97

وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه «1» : اللّسن العارف، والنّاقد «2» الجواهر المعاني كما يفعل بالسّكة الصّيارف، الأديب المجيد، الذي تحلّى به للعصر «3» النّحر والجيد، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه «4» الطّرر تحت المفارق. وإن جلا أبكار أفكاره، وأثار طير البيان «5» من أوكاره، وسلب الرّحيق المفدّم «6» فضل أبكاره «7» ، إلى نفس لا يفارقها ظرف، وهمّة لا يرتدّ إليها طرف، وإباية «8» لا يفلّ لها غرب ولا حرف. وله أدب غضّ، زهره عن «9» مجتنيه مرفضّ «10» . كتبت إليه أنتجز «11» وعده في الالتحاف «12» برائقه، والإمتاع بزهر هواتفه «13» ، وهو قولي «14» : [الكامل]
عندي لموعدك افتقار محوج «15» ... وعهودك افتقرت إلى إنجازها
والله يعلم فيك صدق مودّتي ... وحقيقة الأشياء غير مجازها
فأجابني بقوله: [الكامل]
يا مهدي الدّرّ الثمين منظّما ... كلما حلال السّحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانيا ... ورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضمار خصل سباقها ... ولأنت أسبقهم إلى إحرازها
حلّيت بالسّمطين مني عاطلا ... وبعثت من فكري متات 1» مفازها
فلأنجزنّ مواعدي مستعطفا ... فاسمح وبالإغضاء منك مجازها
ومن مقطوعاته قوله «17» : [المديد]
ليت شعري والهوى أمل ... وأماني الصّبّ لا تقف


صفحه 98

هل لذاك الوصل مرتجع ... أو لهذا الهجر «1» منصرف؟
ومن ذلك: [الطويل]
وظبي سبى «2» بالطّرف والعطف والجيد «3» ... وما حاز من غنج ولين ومن غيد
أتيت «4» إليه بالدّنوّ مداعبا ... فقال: أيدنو الظّبي من غابة الأسد؟
وقال من مبدإ قصيدة مطولة فيما يظهر منها «5» : [الطويل]
حديث المغاني بعدهنّ شجون ... وأوجه أيام التباعد جون «6»
لحا الله أيام الفراق فكم شجت ... وغادرت الجذلان وهو حزين
وحيّا ديارا في ربى أغرناطة ... وإنّي بذاك القرب فيه «7» ضنين
ليالي أنفقت الشباب مطاوعا ... وعمري لدى البيض الحسان ثمين «8»
فأرخصت «9» فيها من شبابي ما غلا ... وغرمي «10» على مال العفاف أمين
خليليّ، لا أمر، بأربعها قفا ... فعندي إلى تلك الرّبوع حنين
ألم ترياني كلّما ذرّ شارق ... تضاعف عندي عبرة وأنين؟
إذا لم يساعدني أخ منكما فلا ... حدت نحو «11» قرن بعد ذاك أمون
أليس عجيبا في البريّة من لنا ... إلى عهد إخوان الزمان «12» ركون؟
فلا تثقن من ذي «13» وفاء بعهده ... فقد أجن السّلسال وهو معين
لقلبي «14» عذر في فراق ضلوعه ... وللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنه ... لعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامها ... فإنّ مكاني في الوفاء مكين


صفحه 99

ولم أر مثل الدهر أمّا عدوّه ... فخبّ وأمّا خلّه فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود يمينه «1» ... لما كان في عهد الزمان معين
ومن شعره قوله «2» : [الكامل]
زار الخيال ويا لها من لذّة ... لكنّ لذّات «3» الخيال منام
ما زلت ألثم مبسما منظومه ... درّ «4» ومورده الشّهيّ مدام
وأضمّ غصن البان من أعطافه ... فأشمّ «5» مسكا فضّ عنه ختام
مولده: عام ستة وسبعمائة.
وفاته: وتوفي بمدينة فاس، وقد تخلّفه السلطان كاتب ولده، عند وجهته إلى إفريقية، في شوال عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، فتوفي في العشرين لرمضان منه.
علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان ابن حسن الأنصاري «6»
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الجيّاب، شيخنا ورئيسنا العلّامة البليغ.
حاله: من عائد الصّلة: كان، رحمه الله، على ما كان عليه من التفنّن، والإمامة في البلاغة، والأخذ بأطراف الطلب، والاستيلاء على غاية الأدب، صاحب مجاهدة، وملازمة عبادة، على طريقة مثلى من الانقباض والنزاهة، وإيثار التقشف، محبّا في أهل الخير والصلاح، منحاشا إليهم، منافرا عن أضدادهم، شيخ طلبة الأندلس، رواية وتحقيقا، ومشاركة في كثير العلوم، قائما على العربية واللغة، إماما في الفرائض والحساب، عارفا بالقراءات والحديث، متبحرا في الأدب والتاريخ، مشاركا في علم التصوّف، فذّا في المسائل الأدبية البيانية، حامل راية المنظوم والمنثور، والإكثار من ذلك، والاقتدار عليه، جلدا على الخدمة، مغتبطا بالولاية، محافظا على الرّتبة، مراقبا


صفحه 100

لو ظائف الأبواب السلطانية، متوقد الذهن، ذلق الجوانب، مشغوفا بالأنس والمفاوضة في الأدب، محسنا للنادرة الظريفة، مليح الدّعابة، غزير الحفظ، غيورا على الخطّة، كثير النشاط إلى المذاكرة، مع استغراق الكلف، وعلو السن. طال به المرض حتى أذهب جواهر بدنه، وعلى ذلك فما اختلّ تميّزه، ولا تغيّر إدراكه.
بعثت إليه باكور رمّان، فقال لي من الغد، نعم بالهدنة زمانك، يعني نعمت الهدية رمّانك. فعجب الناس من اجتماع نفسه، وحضور فكره. وهو شيخي الذي نشأت بين يديه وتأدبت به، وورثت خطّته عن رضى منه. كتب عن الدول النصرية نحوا من خمسين سنة أو ما ينيف عليها، متين الجاه، رفيع المكانة، بعيد الصيت، وسفر إلى الملوك، واشتهر بالخير، والحمل على أهل الظلم، وجرى ذكره في التاج بما نصّه «1» :
صدر الصّدور الجلّة، وعلم أعلام هذه الملّة، وشيخ الكتابة وبانيها «2» ، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرياسة، فناء «3» بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة، فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه «4» ، فتفيّأ للعناية ظلّا ظليلا، وتعاقبت «5» الدول فلم تر به بديلا، من ندب على علوّه متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا تمرّ «6» مذاكرة في فنّ إلّا وله فيه التّبريز، ولا تعرض جواهر الكلام على محاكاة «7» الأفهام إلّا وكلامه الإبريز، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه، وناطقا بلسانه، وغرّب ذكره وشرّق، فأشام «8» وأعرق، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق، إلى نفس هذّبت الآداب شمائلها، وجادت الرياض خمائلها، ومراقبة لربّه، واستباق لروح الله من مهبّه، ودين لا يعجم عوده، ولا تخلف وعوده. وكلّ ما ظهر علينا- معشر «9» بنيه- من شارة تجلى «10» بها العين،