بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 116

تقليد المتجزّي في الاجتهاد، لكنّك قد عرفت عند البحث عن الاجتهاد جواز التقليد عن المتجزّئ؛ فإنّ إطلاقات الباب شاملة له، و السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز تقليده.

و نزيدك هنا دليلًا و هو مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بغير علم، و مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان؛ فإنّ هذه المفهومات حاكمة بجواز الفتوى عن علم، و جواز الفتوى بغير الرأي، و القياس، و الاستحسان. و هو الذي لا يخرج عن نطاق الكتاب و السنة، و من المعلوم أنّ فتوى عن العلم، و غير خارج عن نطاق الكتاب و السنّة جائزة بحكم هذه المفاهيم. و لا يخفى أنّ جواز الإفتاء ملازم لجواز الاستفتاء.

هذا كلّه بناء على القول بتحقّق الإطلاق كما هو التحقيق، و إلا بناء على القول بعدمه فاستفادة الجواز منها صعب. اللهمّ إلا أن يقال بأنّها تدلّ على إمضاء سيرتهم الشرعيّة في اجتهاداتهم من الكتاب و السنّة، و الردع عن سيرتهم في اجتهاداتهم بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان.

طرؤ النسيان على المفتي‌

إذا طرأ النسيان على المفتي لكبر أو مرض فهل يجوز تقليده أم لا؟ أم هل يجوز البقاء على تقليده؟ السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز التقليد عنه مطلقاً، سواء أ كان التقليد عنه ابتدائيّاً أم بقائيّاً، كما أنّ الاستصحاب حاكم بذلك أيضاً.

و قال بعض الأساطين ب:

عدم الجواز؛ لظهور الأدلّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه، و لا يصدق الفقيه و العالم على الناسي؛ فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء النسيان عليه‌[1].

أقول أوّلًا: هذا الكلام مناف لقوله بجواز البقاء على تقليد الميّت و وجوبه.

و ثانياً: أنّ ظهور الأدلّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه لا يوجب ظهورها في‌

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 169.


صفحه 117

كون الفقيه حائزاً لجميع شرائط الإفتاء عند عمل المستفتي بفتواه؛ و إلا يجب أن يصدق على العامل بفتواه حال طروء النسيان عليه أنّه رجع إلى عامّي، و فساده واضح.

و ثالثاً: أنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه هو الإرجاع إلى فقهه و أخذ رأيه، لا الإرجاع إلى شخصه الموصوف بالفقاهة.

و بيان ذلك: أنّ الظهور العرفي للمشتقّات على نحوين:

فقد يطلق المشتقّ و يقصد منه تعريف الموصوف، فيكون له ظهور في التلبّس في الحال كقولك: «أرسل حكيماً، أو جاءني طبيب، أو يزورك عالم».

و قد يطلق و يقصد منه تعريف نفس الصفة، و إنّما جي‌ء بالمشتقّ؛ لقيام الوصف به، كقولك: «اتّبع حكيماً، أو ارجع إلى طبيب، أو أقتد بعالم» فيكون له ظهور في التلبّس في الجملة، و يتناول الظهور لمن انقضى عنه البدء؛ إذ المقصود في مثل هذا الإطلاق اتّباع حكمة الحكيم، و الرجوع إلى طبّ الطبيب، و الاقتداء بعلم العالم.

فإذا اتّبع حكيماً طرأ عليه الجنون حال الاتّباع يصدق عليه أنّه اتّبع حكيماً، أو إذا عمل بإرشاد طبيب حال نسيانه الطبّ، يصدق عليه أنّه رجع إلى الطبيب، و كذلك الحال في صدق الاقتداء بعالم عند نسيانه علمه.


صفحه 118

تقليد الميّت‌

[التقليد الابتدائي عن الميت‌]

و من الأوصاف التي اشتهر اشتراطها بين الشيعة الإماميّة في المفتي الحياة، فلا يجوز تقليد الميّت عند التمكّن من تقليد الحيّ، و إلا فلا إشكال في جواز تقليده. قد صرّح بذلك صاحب الفصول. إنّ الثمرة العمليّة لهذا البحث تختصّ بصورة اختلاف الحي و الميّت في الفتوى. و إنّما تكون في المسائل التي تقع محلّا لابتلاء العامّي بها في مقام العمل حتّى يكون العمل صحيحاً على قول أحدهما، و فاسداً على قول الآخر، و لا فرق في ذلك أ يعرّف التقليد بنفس العمل بقول الغير، أو يعرّف بالالتزام في العمل على قول الغير؟

نعم، تترتّب الثمرة لهذا النزاع عند موافقة الحيّ و الميّت في الفتوى؛ بناء على تعريف التقليد بالالتزام؛ لأنّ صحّة العمل على هذا القول موقوف على الالتزام الصحيح، و هو موقوف على حجّيّة رأى الميّت. و يمكن أن يجرى عليه حكم من عمل بلا تقليد و اجتهاد إن كان عمله موافقاً لقول من يجوز تقليده من الأحياء.

و أمّا بناء على كون التقليد هو العمل فلا ثمرة عمليّة للبحث عن الجواز و عدمه؛ لكون العمل صحيحاً حتّى على القول بعدم جواز تقليد الميّت، فإنّ المفروض أنّ عمله مطابق لرأي الحي. و يثمر النزاع حينئذ في حجّيّة رأى الميّت من حيث جواز البناء عليه حتّى لا يكون تشريعاً محرّماً.

و إذا قيل بعدم حجّيّة قول الميّت فلا يجوز الالتزام به، فيكون تشريعاً محرّماً، لكنّ‌


صفحه 119

ذلك أمر أجنبي عن مقام العمل الذي هو محلّ البحث. و كيف كان فقد استدلّ على اعتبار الحياة في المفتي و على عدم جواز تقليد الميّت ابتداء بأُمور

[الاجماع‌]

أوّلها: الإجماع‌قد حكي عن المحقّق الثاني في شرح الألفيّة أنّه: «لا يجوز الأخذ عن الميّت مع وجود الحي بلا خلاف بين الإماميّة[1]».

و حكي مثل هذه الدعوى عن الشهيد الثاني في المسالك لكنّي لم أجد فيه بالرغم من الفحص عن مظانّه.

و قال صاحب المعالم:

يظهر اتّفاق العلماء على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الإجماع فيه صريحاً بعض الأصحاب‌[2].

و حكي عن الفوائد للبهبهاني: «أنّهم أجمعوا على أنّ الفقيه لو مات لا يكون قوله حجّة».[3]و قد اشتهر بين أصحابنا المتأخّرين و المعاصرين تحقّق الإجماع على عدم جواز التقليد الابتدائي عن الميّت، بل كاد أن يكون ذلك أمراً قطعيّاً بينهم، بحيث يكون هو المعتمد عند بعضهم؛ للقول بعدم الجواز، أو هو المانع عند آخر؛ للقول بالجواز.

أقول: ظاهر الإضراب في كلام صاحب المعالم وجود الفرق بين إجماع الأصحاب و بين اتّفاقهم، فالإجماع يكون دليلًا تعبّديّاً يجب متابعته، لكنّ الاتّفاق ليس من الأدلّة، فلا بأس بمخالفته عند مساعدة الدليل، فإنّ المجتهد لا يجوز له التقليد عن غيره.

[1]مقاصد العليّة، ص 28 و 29 و الهامش.

[2]معالم الدين في الأُصول، ص 242.

[3]ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد، ص 360. حكاه عنه العلامة الأنصاري في: مجموعة رسائل، ص 59.


صفحه 120

و لا يخفى أنّه قد يقع الالتباس بين الإجماع و الاتّفاق، فلا تغفل.

نظرة إلى الإجماع‌

إنّ المسألة الإجماعيّة يجب أن تكون محلّا للبحث بين الأصحاب، و مورداً لأنظارهم، و إلا فلا يمكن تحقّق الإجماع فيها.

فإذا لم تكن مسألة مبحوثاً عنها بين القوم فلا سبيل إلى تحصيل الإجماع فيها. و لعلّ البحث عن تقليد الميّت من هذا القبيل، فكيف تصحّ دعوى الإجماع فيها.

و إذا أحببت أن يظهر لك صدق هذا الكلام فعليك بالفحص عن البحث عن هذه المسألة في كتب القوم؛ فإّني لم أجد منها عيناً أو أثراً في كتب قدماء الأصحاب. و إن كان البحث عن أصل مسألة التقليد و عن فروعها موجوداً لديهم.

هذا شيخ الطائفة(قده)قد تعرّض في كتاب العدّة لهذه المسألة، و صرّح باعتبار أوصاف في المفتي، لكنّه لم يعدّ منها الحياة.[1]و هذا علم الهدى(قده)في كتاب الذريعة[2]قد عقد فصلًا في صفة المفتي و المستفتي، و لم يذكر الحياة في الأوصاف المعتبرة في المفتي.

و هذان الكتابان أقدم الكتب في هذا الفنّ، و لعلّ للعدّة تقدّماً زمانياً على الذريعة، كما يظهر من كلام الشيخ في المقدّمة.

و هذا ابن زهرة(قده)مع كثرة اشتهاره بدعوى الإجماعات في المسائل قد تعرّض للبحث عن أحكام المفتي و المستفتي في كتاب الغنية، و قد ادّعى الإجماع على عدم جواز التقليد عن غير الإمامي‌[3]، لكنّه لم يجعل الحياة شرطاً للمفتي، بل لم يتعرّض لذلك أصلًا.

[1]العدّة، ص 292، صفات المفتي، الطبعة القديمة.

[2]الذريعة، ج 2، ص 796.

[3]غنية النزوع، ضمن الجوامع الفقهية، ص 485.


صفحه 121

و هذا المحقّق(قده)في المعارج‌[1]مع بحثه عن مسألة التقليد، و شرائط المفتي لم يجعل منها الحياة، بل لم يتعرّض لذكرها أصلًا.

و هذا العلامة(قده)في المبادئ‌[2]قد أتى على بحث التقليد، و لكنّه لم يتعرّض لاعتبار صفة الحياة في المفتي.

إنّ احتمال غفلة هؤلاء الأعاظم عن ذكر حكم إجماعي لمسألة مبتلى بها بين الناس بعيد جدّاً، سيّما مع اتّفاق أهل السنّة على الجواز، مع عملهم المستمرّ على ذلك. و من ذلك يحصل الوثوق بأنّ عدم تعرّض هؤلاء لمذهب إجماعي للإماميّة لم يكن عن غفلة منهم.

و أمّا احتمال عدم تعرّضهم لهذا الحكم من جهة كون عدم الجواز مقطوعاً لديهم مندفع بمثله، و هو احتمال كون الجواز مقطوعاً بينهم، مع أنّ سيرتهم في الأبحاث العلميّة هو التعرّض للمسائل الإجماعيّة أيضاً، سيّما إذا كانت الإماميّة تفترق عن غيرهم في المذهب.

و ممّا يوهن دعوى الإجماع على عدم جواز تقليد الميّت سيّما الابتدائي منه أنّ السيد المرتضى لم يذكره في الانتصار[3]، و لم يجعله في زمرة ما انفردت به الإماميّة.

أضف إلى ذلك: أنّ السيّد(قده)قد أفتى في أجوبة المسائل الميافارقيات بجواز العمل بكتابي ابن بابويه و الحلبي و رجّح العمل بهما على العمل بكتاب الشلمغاني.

و يظهر من السؤال عنه(قده)أنّ العمل بهذه الكتب كان أمراً متداولًا بين الطائفة في ذلك العصر، و الحال أنّ جميع أفراد الطائفة في ذلك العصر لم يكونوا مجتهدين بشهادة نفس هذه الأسئلة، و أمثالها التي كانت تأتي لفقهاء ذلك العصر.

مضافاً إلى أنّ تلك الكتب، سيّما كتاب الشلمغاني لم تكن مختصّة بنقل الروايات‌

[1]المعارج، ص 200.

[2]مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، ص 246، البحث الخامس.

[3]الانتصار، ص 236، مسائل القضاء و الشهادات.


صفحه 122

فقط، بل كانت مشتملة على الآراء و الروايات معاً. و يشهد لذلك كلام الشيخ حسين ابن روح(قده)حول كتاب الشلمغاني جواباً عمّا سئل عنه حول كتبه بعد ما ذمّ، و خرجت فيه اللعنة.

فقيل للشيخ: كيف نعمل بكتبه و بيوتنا منها ملأى؟ فقال(قده): أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي(عليه السلام)، و قد سئل عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منها ملأى؟ فقال(عليه السلام): «خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا».[1]ثمّ إنّ العمل بالروايات المرويّة في تلك الكتب كان تقليداً عن مؤلّفيها؛ فإنّه من المظنون أنّ القوم كانوا يعملون بتلك الروايات من غير فحص عن صحّة سندها، و عن معارض لدلالتها، و عن مخصّص لعموماتها، و مقيّد لإطلاقاتها؛ فإنّ السائلين لأمثال هذه المسائل لم يكونوا جميعاً أهلًا لهذه الأبحاث، أو يكونوا ناصبين أنفسهم للاجتهاد.

و ممّا يوهن دعوى الإجماع أنّ حجّيّته عندنا معاشر الإماميّة من باب كونه كاشفاً عن رأي المعصوم(عليه السلام)الذي قد خفي علينا أصله، و ظهر علينا لازمه، و هو اتّباع الفرقة الناجية له، و عملهم به، و اتّفاقهم عليه، فقوامه بأمرين: كون المسألة مبحوثاً عنها بين قدماء الأصحاب، و هم الذين ينتهي عصرهم بزمان الشيخ المفيد(قده)، و اتّفاقهم على قول واحد غير معلوم لدينا مستند ذلك القول.

ثمّ إنّ خفاء رأي المعصوم(عليه السلام)في بعض المسائل الفقهيّة ممكن، لكن خفاؤه و نهيه(عليه السلام)عن تقليد الميّت غير ممكن بحسب العادة، فإنّ القول بالجواز كان محلّ اتّفاق لغير الإماميّة، بل كان عليه العمل عندهم سابقاً و لاحقاً بمرأى من المعصوم(عليه السلام)و مسمع منه و من أصحابه.

فإذا فرض صدور نهي عنه(عليه السلام)في هذا الباب فكيف يمكن اختفاؤه مع كثرة

[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 102، الباب 8 من أبواب وجوب العمل بأحاديث النبيّ، ح 79 و ص 142، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 13.


صفحه 123

الداوعي على نقله من جهة كثرة الابتلاء به، و قد نقل نهيه(عليه السلام)عن العمل بالقياس و بالرأي، بل تواتر نقله، كما نقل نهيه(عليه السلام)عن تقليد العلماء السوء الذي كان عليه العمل عند غير الإماميّة.

ثمّ إنّه لم يكن هناك داع لإخفاء أصحابه(عليه السلام)نهيه عن تقليد الميّت، و إنّ الخبير يعلم أنّه لم ينقل من أحد من فضلاء الأصحاب بحث في هذه المسألة المبتلى بها المشهور حكمها بين غيرهم مع أحد من العلماء القائلين بالجواز، كما نقل كثيراً بحوثهم مع غيرهم في المذاهب التي كانوا مختلفين فيها في القول.

ثمّ لو كان عدم جواز تقليد الميّت ثابتاً لديهم كيف لم يشر إليه هؤلاء الأكابر في كتبهم المعدّة للبحث عن أحكام التقليد؟ و كيف لم يصرّحوا بإجماع الإماميّة على عدم جواز تقليد الميّت؟ و كيف لم ينسب هذا القول في كتب غير الإماميّة القدماء إلى الإماميّة؟

و ممّا ذكرنا ظهر عدم ثبوت اتّفاق أيضاً بين قدماء الأصحاب على الجواز، و المظنون أنّ البحث عن هذه المسألة قد حدث بين الإماميّة بعد الشيخ الطوسي(قده)و طبقته و تلامذته، و إنّ عدم عثور المتأخّرين على الفتوى بالجواز من سابقيهم صار سبباً لزعمهم الإجماع في المسألة.

ثمّ إنّه على فرض تسليم تحقّق الإجماع في المقام فالمتيقّن منه عدم اعتبار قول الميّت من حيث إمكان تحقّق إجماع على خلافه، بخلاف المجتهد الحي، فإنّه إذا كان مخالفاً مع معاصريه في مسألة فلا يمكن تحقّق الإجماع على خلافه في تلك المسألة. و الشاهد على ذلك كلام العلامة(قده)في المبادئ حيث قال:

«لا قول للميّت، فإنّ الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيّاً و ينعقد بعد موته»[1].

و ذلك ممّا لا شكّ فيه، و لا شبهة تعتريه، و لا يبعد أنّ الإجماع القائم على عدم اعتبار قول الميّت من هذه الجهة صار سبباً لتوهّم إطلاق في معقد الإجماع.

[1]مبادئ الوصول إلى علم الأُصول، ص 248.