بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 126

الحي؛ لليقين معه ببراءة الذمّة دون الاستناد إلى الميّت، فلا محالة يتعيّن تقليد الحي.[1]و فيه أنّ الاستصحاب حاكم بجواز الاستناد إلى الميّت أيضاً، فلا يدور الأمر بين الاستناد إلى الميّت و إلى الحي، فإنّ حكم العقل بتعيّن الاستناد إلى الحي من جهة حصول اليقين معه ببراءة الذمّة مختصّ بمورد لم يكن للشارع إرشاد إلى كفاية الاستناد إلى الميّت كما في المقام، فإنّ اليقين بالبراءة بالاستناد إليه حاصل بسبب حكم الشارع بالاستصحاب.

و قرر الأصل في المستمسك بما يقرب من ذلك و هو:

إنّ العقل عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير حاكم بالاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجّيّة، و هو قول الحي، فإنّ جواز الرجوع إلى الميّت غير معلوم.[2]و فيه أوّلًا: أنّه لا يدور الأمر بين التعيين و التخيير بعد ثبوت حجّيّة قول الميّت بالاستصحاب، فاحتمال التعيين مندفع به؛ لأنّ قول الميّت أيضاً معلوم الحجّيّة.

و ثانياً: أنّ الحكم بالاحتياط بالرجوع إلى معلوم الحجّيّة في باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير إنّما هو فيما إذا كان التخيير المحتمل من قبيل التخيير الشرعي بأن يكون محتمل التخيير بحسب الطبيعة مبايناً لمحتمل التعيين؛ لرجوع الشكّ حينئذ إلى اتّحاد المتباينين في الأثر، كما لو شكّ في حجّيّة الشهرة عدلًا لخبر الثقة.

و أمّا لو كان من قبيل التخيير العقلي بأن يكون الأمران مصداقين لطبيعة واحدة فيكون التخيير في محلّه؛ لرجوع الشكّ فيه إلى اعتبار أمر زائد على الطبيعة و هو مرفوع بأصالة البراءة، و محلّ البحث من قبيل الثاني؛ لأنّ الشكّ في كون الميّت عدلًا للحي ينشأ من الشكّ في اشتراط الحياة للمفتي.

و بعبارة أُخرى: إنّ الشك في حجّيّة قول الميّت مسبّب عن الشكّ في اشتراط الحياة في المفتي عند الشارع، و حكم الشارع بعدم اشتراطها موجب لارتفاع الشكّ في الحجّيّة،

[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 415.

[2]المستمسك، ج 1، ص 22.


صفحه 127

فتقرّر أنّ الأصل الأوّلي في هذا الباب هو أصل شخصي حاكم بجواز تقليد الميّت.

نظرة إلى أدلّة التقليد

إنّ المعاصرين و من قارب عصرنا بعد تأسيس أصالة عدم الجواز في المسألة ادّعوا: عدم دلالة أدلّة أصل التقليد على جواز تقليد الميّت.

أمّا الآيتان الكريمتان فقد قال صاحب الفصول ب:

عدم صحّة الاستدلال بهما؛ لأنّ أية السؤال ظاهرة في الأحياء من أهل الذكر بقرينة الأمر بالسؤال، و مثلها أية الحذر، فإنّ المفهوم منها وجوب حذر الفرقة عند الإنذار لهم، و ذلك لا يكون إلا حال حياة المنذرين‌[1].

ول: الإنصاف عدم صحّة هذا الكلام؛ لأنّ الظاهر من أية السؤال و الله أعلم هو الأمر برجوع الجاهل إلى العالم؛ فإنّ السؤال لا موضوعيّة له، بل الأمر به؛ لكونه من طرق رفع الجهل و تحصيل العلم، و أنّ رفع الجهل كما يحصل بالسؤال من العالم و سماع الجواب عنه، كذلك يحصل بسماع حكاية جواب العالم من الراوي عنه، و كذلك يحصل بقراءة كتابة العالم، فكلّ ذلك من مصاديق الرجوع إلى العالم، فإنّ العقل بل و العرف لا يفرّقان في الصورتين الأخيرتين بين كون العالم حيّاً أو ميّتاً.

و هل يستباح القول بأنّ الآية الكريمة لا تتناول صورة السؤال عن عالم توفّي عقيب جوابه بلا فصل؟! و أمّا أية الإنذار فنقول: إنّ الظاهر منها و الله أعلم كون الإنذار مقدّمة سببيّة للحذر، و حصول الحذر كما يمكن بسماع الإنذار من نفس المتفقّه في الدين، كذلك يمكن بالسماع ممّن يحكي إنذاره، أو بقراءة إنذاره المكتوب؛ فإنّ الإنذار كما يمكن بالخطاب و المشافهة، كذلك يمكن بالرسالة و الكتاب، فالنبي الكريمُ كما يكون منذراً في حياته، فهُو منذر في مماته بحكاية إنذاره ممّن روى عنهُ الإنذار،

[1]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.


صفحه 128

فهُو منذر ما بقي الليل و النهار.

و إليك قوله تعالى‌إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ[1].

ثمّ إنّ الحذر إذا حصل بعد فصل زمان بعيد من الإنذار فهل يستباح لك القول بأنّه لم يحصل من الإنذار؟ فلا دلالة في الآية الكريمة على وجوب الحذر مقارناً لزمان الإنذار، أو كونه واقعاً في زمان حياة المنذر، بل الإطلاق حاكم بعدمه.

و أورد صاحب الكفاية على الاستدلال بالآيتين لجواز تقليد الميّت بعدم إطلاق لهما على تقدير الدلالة؛ لكونهما مسوقين لبيان أصل التشريع.

أقول: قد عرفت في البحث عن أصل التقليد صحّة دلالة الآيتين على جواز التقليد. نعم، دعوى الإطلاق لكلّ منهما لا تخلو من إشكال.

و إن كان إطلاق مفهوم الحذر بالنسبة إلى وقوع الحذر مقارناً للإنذار، أو متأخّراً عنه لا يمكن إنكاره، كما لا سبيل إلى إنكار شمول مفهوم الإنذار للشفاهي منه و الكتبي، و لا سبيل إلى إنكار شمول مفهوم الحذر للحذر الحاصل من الإنذار الكتبي.

و قد مرّ بأنّ القول بعدم شمول الآية لصورة وقوع الإنذار في حياة المنذر، و حصول الحذر بعد وفاته خلاف الإنصاف، و مثله الكلام في أية السؤال. هذا تمام الكلام في دلالة الآيات.

و أمّا البحث عن دلالة أخبار الباب فقد أورد في الكفاية على الاحتجاج بالإطلاقات الواردة فيها لجواز تقليد الميّت:

بأنّها واردة في مقام أصل التشريع، فلا ينعقد لها الإطلاق حتّى يعمّ الميّت، مع إمكان دعوى الانسباق إلى حال الحياة فيها.[2]أقول: أمّا قوله(عليه السلام): «من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه» الحديث‌

[1]الرعد (13) الآية 7.

[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 445.


صفحه 129

فليس في مقام أصل تشريع التقليد، بل الظاهر أنّه في مقام تعيين المرجع المفتي. و عليك بالنظر إلى ما قبل هذا القول من الحديث حتّى يتبيّن لك صدق كلامنا.

و مثل ذلك الإرجاعات الخاصّة إلى فضلاء صحابتهم، فإنّها ليس بواردة في مقام أصل تشريع التقليد، سيّما ما ورد منها جواباً للسؤال عن معرفة المرجع.

و أمّا دعوى انسباق دلالة الأخبار إلى حال الحياة فقد قرّره بعض الأساطين:

بأنّ عنوان الفقيه، و راوي الحديث، و الناظر في الحلال و الحرام الوارد في الروايات الإمرة بالرجوع إلى هؤلاء لا يصدق على الميّت؛ لأنّ ظاهرها تحقّق هذه العناوين حال الأخذ و الرجوع لا قبلهما، كما هو قضيّة كلّ عنوان أُخذ موضوعاً للحكم مشتقّاً كان أم غير مشتقّ؟

فظاهر قول القائل: «لا تصلّ خلف الفاسق، أو لا تشرب الخمر» هو عدم جواز الصلاة خلف من هو فاسق فعلًا لأمن كان فاسقاً، و حرمة شرب ما هو خمر حين الشرب، لا ما كان خمراً سابقاً.[1]أقول: إنّ ظهور أوصاف العنوانيّة في زمان الحال ممّا لا يمكن إنكاره فقد اخترنا في صناعة المنطق أنّ الحقّ مع الشيخ ابن سيناء حيث قال: «إنّ عقد الوضع في القضايا إنّما يكون بالفعل لا بالإمكان»[2]كما قال به الفيلسوف أبو نصر الفارابي.

و لكن هناك فرق بين الأوصاف العنوانيّة التي تكون لها موضوعيّة للحكم كالفاسق و الخمر، و بين الأوصاف العنوانيّة التي أُخذت طريقاً إلى معنى آخر كالفقيه و الراوي و الناظر عند الأمر بالرجوع إليهم، فإنّ المراد من الإرجاع إلى من كان موصوفاً بهذه الصفات هو الرجوع إلى إرشاده ورائه، لا الرجوع إلى نفسه و شخصه. إنّ العمل برسالة فقيه أو بفتوى مفت رجوع إلى ذلك الفقيه و المفتي و إن لم يكن الفقيه مشاهداً حين العمل بفتواه.

[1]انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 43.

[2]حاشية ملّا عبد اللّه في المنطق، ص 104


صفحه 130

فالمقصود من ظهور هذه العناوين في الحال هو أن يكون المرجع عند إصدار الفتوى و استنباط الرأي موصوفاً بتلك الأوصاف العنوانيّة بالفعل، كما أنّ المراد من الفتوى الفعلي هي التي لم يرجع عنها المفتي و لم يتبدل نظره فيها.

ثمّ إنّ بعض المدقّقين من المعاصرين قرّر انصراف الأخبار إلى الأحياء بتقرير آخر و هو:

أنّ أدلّة وجوب الرجوع إلى العلماء مثل قوله(عليه السلام): «و أمّا الحوادث» إلخ، و قوله(عليه السلام)في المقبولة: «فإنّي قد جعلته حاكماً»[1]. منصرف إلى الأحياء؛ لأنّ الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين.[2]أقول: كون الأموات عند العرف بمنزلة المعدومين من كلّ جهة و حيثيّة ممنوع، فالعلماء الأموات من حيث البحث عن أنظارهم، و من حيث الرجوع إلى آرائهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.

و الحكماء الميّتون من حيث الاستدلال بأقوالهم، و من حيث الإرشاد بقصصهم موجودون عند العرف، كالأحياء منهم.

و الشعراء الأموات من حيث نقل أشعارهم موجودون عند العرف كالأحياء.

فإذا قيل: كذا قال الأطبّاء، أو الفقهاء يشمل الأموات منهم يقيناً، و لا تجد انصرافاً في هذا الكلام إلى الأحياء.

و مثل ذلك إذا قيل: هذا رأي طبيب، أو شعر شاعر، أو نظر خبير، أو فتوى فقيه، و قصد منه الميّت فهل ترى يحكم العرف بكذب القائل؟ كِ.

فإذا قال الأُستاذ لتلاميذه: احفظوا شعر شاعر مجيد، أو اقرأوا كتاب كاتب بارع، أو ائتوني برأي متخصّص خبير، فحفظ التلاميذ شعر شاعر ميّت، أو قرأوا كتاب كاتب لاحي، أو أتوه برأي من خبير ماض فهل الأُستاذ يرى أنّ التلامذة لم يطيعوا أمره؟! كلا.

[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

[2]انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 44.


صفحه 131

فإذا رجع العامّي في مسألة إلى رسالة مفت ميّت حتّى يعلم الحكم فيها فهل يرى العرف أنّه لم يرجع إلى أهل الذكر أو إلى الفقيه؟ كِ. فالانصراف في أمثال هذه الأوصاف إلى الأحياء ممنوع، و إذا توهّم الانصراف فهو بدوي يزول بأدنى تأمّل.

نعم قوله(عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» منصرف إلى الحي من جهة القرينة و هي القضاوة و الحكومة بين المتخاصمين، و هي لا تأتي إلا من الحي، كما أنّ في نصب أحد لمنصب ظهور في حياته، فظهر الفرق بين نصب القاضي و بين الإرجاع إلى الراوي، و قد وقع الخلط بينهما.

ثمّ قال دام بقاؤه:

إنّه لو شمل الأموات فإطلاق الحجّة عليهم بالفعل. إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم في السابق، و إمّا بلحاظ حجّيّة رأيهم فعلًا، و كلاهما خلاف الظاهر، فتعيّن أن يكون المراد الأحياء بلحاظ حجّيّة رأيهم حال الحياة.[1]أقول: لازم هذا الكلام عدم صدق إطلاق الحجّة على الأئمّة الأحد عشر «، و كذا عدم صحّة إطلاق النبي على جميع الأنبياء عليهم صلوات الله إلا بنحو من العناية و ذلك باطل قطعاً، فاتّصاف الأئمّة «بكونهم حجج الله يراد منه وجوب طاعتهم، و حرمة مخالفتهم، و أنّ أقوالهم منجّزة و معذرّة من غير فرق بين الحي منهم و الميّت.

و هذا هو المراد من الحجّيّة التي جعلوها للمفتي، فيجب على العامّي العمل بفتواه و لا يجوز له مخالفته. نعم، هناك فرق بين فتوى المفتي و بين كلام الإمام إن كان في مقام بيان الحكم الواقعي بأنّ الأُولى تصلح لأن ينكشف خلافها؛ لأنّها علم بشري.

و أمّا الثاني: فلا ينكشف خلافه، بل هو الحاقّ الواقع؛ لأنّه مأخوذ من العلم الربوبي، فظهر أنّ إطلاق الحجّة على الميّت من الفقهاء بلحاظ حجّيّة رأيه فعلًا؛ بناء على شمول الأدلّة للأموات، فصدق الحجّة عليهم تابع لتحقّق الإطلاق لا العكس، كما يظهر من كلامه دام ظلّه.

[1]انظر: دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 44.


صفحه 132

حجج عدم الجواز

احتجّ صاحب الفصول على عدم جواز تقليد الميّت ابتداء ب:

أنّ التقليد هو الأخذ بقول المفتي و هو إنّما يصدق حقيقة مع ثبوت الرأي حال الأخذ؛ لزوال المقيّد بزوال قيده؛ إذ لا يصدق أخذ مال زيد إلا على أخذ ماله حال الأخذ لا ما كان له قبل ذلك و لذا لا يجوز الأخذ بما رجع عنه المفتي، فإنّ الوجه فيه عدم صدق الأخذ بفتواه حينئذ حقيقة، و ثبوت الرأي عند طروّ الموت ممنوع لوجهين:

أحدهما: أنّ طريق إثباته منحصر في الاستصحاب و هو لا يجري في المقام لتغيّر الموضوع؛ فإنّه كان في حياته لاحقاً له و هو نوع مخصوص أعني كونه إنساناً. و بعد الموت تزول عنه هذه الحقيقة، و تصير حقيقة أُخرى؛ لزوال الحيوانيّة التي كانت من مقوّمات الحقيقة الإنسانيّة عنه، فلا يقصر هذا التغيّر عن المتغيّر من الأصل في سائر أنواع الاستحالة؛ فإذا ثبت تغيّر الموضع فلا سبيل إلى استصحاب وصفه الثابت قبل التغيّر.

و هذه الكلام متّخذ من الوحيد البهبهاني(قده).

ثانيهما: أنّ أكثر معتقدات المجتهد ظنّيّة الظنّ من خواصّ هذه النشأة، يزول بالموت، فيصير إمّا جاهلًا بالحكم بالكلّيّة، أو ينكشف له الواقع، إمّا مطابقاً لظنّه، أو مخالفاً له.[1]أقول: و فيه أوّلًا: أنّ توقّف صدق الأخذ بقول المفتي على ثبوت الرأي حال الأخذ مصادرة، فإنّه نفس الدعوى. و للمجوّز أن يقول بإلغاء هذا القيد، و بكفاية ثبوت رأيه حال الاستنباط، و زمان الاجتهاد ما لم يرجع المجتهد عنه.

نعم، ظاهر الإضافة هو الانصراف إلى زمان الحال، لكنّ الأمر ليس بتابع لذلك، بل هو تابع لما أُريد من مفهوم التقليد، فدعوى كون الرأي المستمرّ مقوّماً لمفهوم التقليد ممنوعة إن أُريد من الاستمرار غير ما يقابل التبدّل.

[1]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 139.


صفحه 133

و ثانياً: أنّ العرف و العقلاء لا يرون نسبة الرأي إلى صاحبه كنسبة العرض إلى المعروض، بل نسبة الرأي إلى ذي الرأي عندهم كنسبة الشعر إلى الشاعر، فهم يرون الرأي حادثاً بإيجاد صاحبه، لكنّه باق بنفسه حتّى بعد وفاة صاحب الرأي.

و العقلاء يرتّبون الأثر على الرأي عند موت صاحبه، كما كانوا يرتّبونه عند حياته. فإن كان الرأي عمليّاً يعمل به، كرأي بقراط في الطبّ، أو رأي الكسائي في النحو، و إن كان علميّاً محضاً يبحثون عن صحّته و فساده.

و بعبارة أُخرى: إنّهم يرون للرأي وجوداً في عالم الاعتبار، كسائر الموجودات الاعتباريّة التي يكون وضعها و رفعها بيد من له الاعتبار، و من المعلوم أنّ الموجود الاعتباري ليس بتابع لبقاء جاعله و إن كان لجاعله حقّ رفع ذلك الموجود.

بل التحقيق: أنّ العلل و المعلولات في الأُمور الحقيقيّة عند الناس أيضاً كذلك، فهم يرون المعلول من قبيل البناية و الكتابة، و يرون العلّة من قبيل البنّاء و الكاتب، فالعلّيّة التامّة الحقيقيّة في مصطلح الفلسفي أجنبيّة عن أفكارهم و هي التي تلازم معلولها دائماً، فالمعلول يحدث بحدوثها، و يبقى ببقائها، و يفنى بفنائها.

و أمّا عدم جواز الأخذ بما رجع عنه المفتي من فتياه فليس من جهة زوال الرأي عن ساحة الوجود عند العرف، بل من جهة سقوط الرأي عن الحجّيّة بسبب كشف فساده عند موجده فضلًا عن غيره. و حجّيّة الحجّة مشروطة بعدم كشف خطئها.

و ثالثاً: سلّمنا كون نسبة الرأي إلى صاحبه كنسبة العرض إلى المعروض، لكن معروض الرأي لا يزول بالموت حتّى يزول الرأي.

أمّا على مذهب الفلاسفة فلبقاء النفس بعد بوار الجسد، و اتّحاد الملكات مع النفس.

و أمّا عند غيرهم، فإنّهم يرون ميّت الإنسان إنساناً كما يرون حيّه إنساناً، فالموت عند غير الفيلسوف لا يخرج ميّت الإنسان عن الإنسانيّة، بل الموت و الحياة من الأحوال العارضة للإنسان، مثل الشباب و الهرم.

و يشهد لذلك أنّ الولد يرى أباه الميّت أباه، و الزوج يرى زوجه الميّت زوجه،