أنّ مورد الإطلاق هو الرواية دون الفتوى حتّى أنّ الرواية الموجودة فيها مادّة الإفتاء و الاستفتاء غير ظاهرة في الفتوى المصطلح عليها المتقوّمة بإعمال الرأي و النظر.
مع أنّ الإفتاء في الصدر الأوّل في مقام نشر الأحكام كان بنقل الروايات؛ لا بإظهار الرأي و النظر بجعل الرواية المحكيّة مستنداً لرأيه، و عليه فالإطلاقات غير متكفّلة لحال الفتوى حتّى يتمسّك بإطلاقها.[1]و فيه، أنّ دعوى اختصاص دلالة النصوص بالروايات عجيبة! فإنّ ما دلّ منها على النهي عن الفتوى بغير علم، أو على النهي عن الفتوى بالرأي، أو بالقياس صريح في الفتوى الاصطلاحي.
و كذا قول أبي جعفر(عليه السلام)لأبان: «اجلس في مسجد المدينة، و أفت الناس، فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك».[2]ظاهر في الفتوى المصطلح، و إلا فإن كان مقصود المعصوم(عليه السلام)التحديث لكان قائلًا له: اجلس في مسجد المدينة و حدّث عنّا، كما أنّ ظاهر قوله(عليه السلام)في صحيحة الحذّاء: «و لحقه وزر من عمل بفتياه».[3]و قوله(عليه السلام)في مرفوعة إبراهيم بن هاشم: «لم أفتوك بثمانية عشر يوماً»؟[4]هو الفتوى بالمعنى المصطلح المخالف للتحديث، فمادّة الإفتاء و الاستفتاء في أمثال هذه النصوص ظاهرة في الفتوى المصطلح عليه.
و أمّا كون الإفتاء عند قدماء الأصحاب بلسان نقل الرواية فلا ينافي شمول الإطلاق للفتوى؛ لأنّ بيان الفتوى كما يكون بذكر نفس الحكم كذلك يكون بذكر مستنده إتقاناً في الجواب، و إشارة إلى أنّ دليل الفتوى هو النصّ، لا الرأي أو القياس و نحو ذلك.
و قد اعترف صاحب الكفاية في ابتداء البحث عن التقليد «بدلالة بعض الأخبار
[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 408.
[2]وسائل الشيعة، ج 30، ص 291، باب الهمزة أحوال الرجال.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 20، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، ح 1.
[4]وسائل الشيعة، ج 2، ص 384 385، الباب 3 من أبواب النفاس، ح 7.
عليه بالمطابقة، أو بالملازمة»[1]أضف إلى ذلك، أنّ وقوع الفتوى في بعض النصوص في قبال الحديث، كقوله(عليه السلام): «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا». دليل على أنّ كلا الأمرين كانا معمولين، و متداولين بين الأصحاب في عصر الحضور.
الوجه الثاني: ما صرّح بقوله: «إنّ الإطلاقات إنّما تكون بصدد بيان أصل جواز الأخذ بقول العالم، لا في كلّ حال من غير تعرّض أصلًا لصورة معارضته بقول الفاضل».[2]أقول: تقرير كلامه الموجز أنّه يعتبر في الإطلاق كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، و لا يكون في مقام أصل التشريع حتّى يكون كلامه مهملًا، و مجملًا، لا إطلاق فيه.
و ذلك هو الحال في الأخبار الدالّة على التقليد، فإنّ المتكلّم فيها في مقام أصل تشريع التقليد في الشرع، و ليس في مقام بيان جميع أحكام التقليد حتّى يكون عدم ذكره قيداً يدلّ على عدم اعتبار ذلك القيد.
فلا إطلاق فيها حتّى يكون شاملًا لصورة تعارض آراء المفتين، و يكون الإطلاق دليلًا على عدم اعتبار الأفضليّة في المفتي عند التعارض.
و يرد عليه أوّلًا: أنّه إذا لم يكن إطلاق لقوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم» فيجب أن لا يكون لقوله(عليه السلام): «و أنا حجّة الله» إطلاق. أ فترى أنّه(قده)و من يقول بقوله يلتزم بذلك؟! و ثانياً: إن تمّت دعوى عدم الإطلاق لأخبار التقليد فيجب أن لا تدلّ على التخيير بين المتّفقين في الفتوى، و كذا بين المتساوين في الفضل.
و قد عرفت هناك تماميّة دلالتها على التخيير بين المتساوين المختلفين في الفتوى، فضلًا عن المتّفقين فيها.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 436.
و عرفت أيضاً، أنّ دلالة النصوص على التخيير من حاقّ دلالتها، و إنّ شمول النصوص لجميع المجتهدين إنّما يكون بالإطلاق.
و ثالثاً: أنّ الأسئلة الواردة في النصوص، مثل سؤال أحمد بن إسحاق: من أعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ و نحوه تدلّ على أنّ أصل جواز التقليد، و مشروعيّته كان أمراً مفروغاً منه بين السائل و المجيب، فالسؤال إنّما وقع لطلب معرفة من يرجع إليه.
مضافاً إلى ذلك، أنّ بعض الأقوال الابتدائيّة الصادرة عنهم «يدلّ على أنّ مشروعيّة التقليد و جوازه كان أمراً قد قضى، و إنّما المعصوم في مقام تعريف من يجب الرجوع إليه في التقليد.
و إليك قول أبي الحسن الهادي(عليه السلام): «إذا أشكل إليك شيء من أمر دينك بناحيتك فاسأل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، و أقرئه منّي السلام».[1]و مثل ذلك بقيّة ما ورد في هذا الباب.
فتبيّن صحّة الاحتجاج بترك الاستفصال الوارد في النصوص، و بالإطلاقات الواردة فيها، و لعلّه لذلك قال المدقّق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية:
إنّ شمول هذه الأخبار لصورة التفاوت، و الاختلاف في الفتوى ممّا لا وجه لإنكاره؛ لكثرة التفاوت في الفضيلة، و شيوع الاختلاف في الفتوى، بل لا بدّ من القول بشمولها لصورة الاختلاف، و إلا لم يكن دليل على حجّيّة شيء من المتعارضين.[2]و نحن نقول تأييداً لكلامه(قده):
إنّ أسئلة الرواة في باب الأخبار العلاجيّة عن حكم الخبرين المتعارضين كاشفة عن شمول دليل حجّيّة الخبر بإطلاقه للمتعارضين، فإنّه لو لم يكن شاملًا لهما لم يكن محلّا لهذه الأسئلة، فإنّ المفروض عدم حجّيّتهما.
و لو فرض عدم شمول أدلّة التقليد اللفظيّة لصورة اختلاف المجتهدين في الفتوى
[1]مستدرك وسائل الشيعة، ح 17، ص 321، أبواب صفات القاضي، ح 32.
[2]نهاية الدراية، ج 6، ص 406.
فلا سبيل لدعوى إحراز قيام السنّة اللفظيّة على جواز التقليد؛ لندرة وجود مجتهدين متّفقين في الفتيا في جميع المسائل المبتلى بها. نعم، إنّ لدعوى عدم الإطلاق فيما دلّ على جواز التقليد بالمفهوم، ثمّ إنّه استدلّ بعضهم لجواز تقليد المفضول عند وجود الأفضل بإطلاق آيتي النفر و السؤال، بتقريب أنّ حملهما على صورة تساوي النافرين في الفضيلة حمل على فرد نادر.
و أورد عليه في المستمسك:
أنّ ندرة تساوى النافرين و المسؤولين مسلّمة، لكنّها غير كافية، إلا مع ندرة الاتّفاق في الفتوى و هي ممنوعة.
ثمّ قال دام بقاؤه:
بل ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا على جواز الرجوع إلى غير الأعلم.[1]أقول: إنّ ندرة الاتّفاق في الفتوى مسلّمة أيضاً؛ فإنّ وجود مجتهدين متّفقين في الفتوى في جميع المسائل المبتلى بها في زمان واحد بعيد جدّاً، بل لو وقع ذلك لكان اجتهاد أحدهما مورداً لسوء الظنّ، و محلًا للتعجّب.
كيف و كلّ نفس مختلفة عن الأُخرى في قوى الفهم و الحافظة و سرعة الانتقال و بطئه، و سرعة حصول الوثوق و بطئه.
و كذا استحضار النظائر، و الذوق العرفي، و أحوال الاستنباط مختلفة في النفوس. مع أنّ وجود الاختلاف في الفتوى في الجملة بين النافرين، و المسؤولين كاف لإثبات المطلوب، و ذلك ممّا لا يجوز نفيه بحسب العادة. هذا بالنسبة إلى مجتهدين معاصرين فضلًا عن مجتهدين غير معاصرين.
و أمّا قوله دام ظلّه: «ما لم يحرز الاختلاف لا تصلح الآيتان دليلًا» إلخ فلا يخلو من خفاء؛ فإنّ إحراز الاختلاف في الفتوى بين فقهاء أصحاب الأئمّة المعصومين «سهل يسير، فإنّ كثيراً ما وقع الاختلاف في الفتوى بينهم في مسائل حتّى اشتهرت عدّة منهم
[1]المستمسك، ج 1، ص 27.
بفتاوٍ خاصّة، و قد مرّت الإشارة إلى ذلك قبلًا.
و نزيدك هنا: أنّ الدليل المحرز كثرة وقوع الاختلاف في الفتوى بينهم، و أنّ النسبة بين الفروع التي كان حكمها مشهوراً عند قدماء الأصحاب، أو محلّا لإجماعهم؛ و الفروع التي لم يكن حكمها كذلك نسبة الآحاد إلى العشرات، بل إلى المئات.
فراجع نهاية الشيخ، و مراسم سلار، و الكافي لأبي الصلاح، و مقنعة المفيد، و مهذّب ابن البرّاج، حتّى ترى صحّة ما قلناه، بل نظرة إجماليّة إلى كتاب مختلف الشيعة للعِمة الحلّي تثبت ما ذكرناه.
تنبيه: قال المدقّق الأصفهاني في تقريب الاستدلال بإطلاقات الباب:
إنّ شمولها لصورة التفاوت في الفضيلة، و الاختلاف في الفتوى ممّا لا ينبغي إنكاره؛ لكثرة الاختلاف في الفتوى، و وضوح التفاوت بين العلماء، و إلا لم يكن دليل على حجّيّة أحد المتعارضين، سواء كانا متفاوتين في الفضل أم لا، و شمولها لصورة التعارض إنّما يستلزم محذوراً إذا كانت حجّيّة كلّ منهما تعيينيّة فعليّة، لا تخييريّة، و لو بحكم العقل. و مفاد الأدلة و إن كانت حجّيّة كلّ فتوى تعييناً لا تخييراً. إلا أنّ المعارضة و عدم إمكان الامتثال يمنع عن فعليّة حجّيّتها التعيينيّة لا التخييريّة.[1]أقول: هذا الكلام قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الخبر، و لذا قال: «إنّ التخيير في صورة المعارضة جاء من ناحية أمر خارج من دلالة نصوص الحجّيّة» و هو حكم العقل؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الموضوعيّة؛ لدخولها في باب التزاحم، أو النصوص العلاجيّة؛ بناء على حجّيّة الطرق من باب الطريقيّة؛ فإنّ مقتضى حكم العقل سقوط المتعارضين عن الحجّيّة.
لكنّ التحقيق خلاف ذلك؛ فإنّ لسان دليل حجّيّة الفتوى مغاير للسان دليل حجّيّة الخبر؛ إنّ دليل حجّيّة الفتوى بنفسه دالّ على التخيير بين المفتين إذا تعدّدوا.
فانظر إلى أية الذكر الحاكمة بوجوب السؤال عن أهل الذكر لدى الجهل، فإنّ
[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 407.
المتبادر منها أنّ الجاهل مختار في السؤال من أي واحد من أهل الذكر إذا كانوا متعدّدين، فالآية بنفسها دالّة على التخيير.
ثمّ انظر إلى نصوص الباب تجد صدق ما قلناه، فقوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» ظاهر في أنّ من قصد الرجوع له الخيار في تعيين المرجع، و كذا سائر النصوص، فظهر الفساد في قوله(قده): «و مفاد الأدلّة و إن كانت حجّيّة كلّ فتى تعييناً».
لما عرفت من أنّ مفادها حجّيّة كلّ فتوى تخييراً و إنّ توهّم التعيين قد نشأ من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة الخبر و توهّم اتّحاد لساني دليلي الحجّيّة. و كلّ واحد من التوهّمين باطل؛ فإنّ الخبر حجّة إلزاميّة، و الفتوى حجّة إرشاديّة، و أين إحداهما عن الأُخرى؟
و إن شئت التفصيل فاصغ لما نتلو عليك:
إنّ الحجّة عبارة عمّا يصحّ الاحتجاج بها عند العقلاء في مقام الجواب عن السؤال ب «لماذا».
فإذا قيل: لماذا اتّخذت هذا الرأي؟ و لماذا لم تتّخذ هذا الرأي؟ يسمّى الجواب المقنع لكلّ واحد من السؤالين بالحجّة.
و إذا قيل: لماذا فعلت؟ أو لماذا لم تفعل؟ فالجواب المقنع ما يصدّقه العقل، و هو الذي يسمّى بالحجّة.
ثمّ إنّ الحجّة تنقسم إلى عقليّة و شرعيّة: الحجّيّة العقليّة هي التي يصحّ التعويل عليها عن كلّ سؤال ب «لماذا» فهي الحجّة العامّة. و الحجّة الشرعيّة هي التي يصحّ الاحتجاج بها في الأُمور الشرعيّة.
و بعبارة أُخرى: ما يصحّ تعويل الفقيه عليها في فتياه، و ما يصحّ التعويل عليها في العمل بالأحكام الشرعيّة هي حجّة شرعيّة، فهي حجّة خاصّة، فإنّ كلّ حجّة شرعيّة عقليّة أيضاً. فإنّ الحاكم بصحّة الحجّة هو العقل دون سواه.
و تنقسم الحجّة إلى حجّة إلزاميّة، و إلى حجّة إرشاديّة: فالحجّة الإلزاميّة ما يجب
عند العقل التعويل عليه، و الإلزام ممّا يقتضيه نفس الحجّة، و الحجّة الإرشاديّة ما يجوز التعويل عليه، و الإرشاد من خواصّها. و يجمع الحجّتين ما يصحّ التعويل عليه عند العقل.
فالحجج الإلزاميّة العقليّة كالبراهين الدالّة على المبدإ، و على المعاد، و على التوحيد، و على النبوّة و نحو ذلك.
و الحجج الإرشاديّة العقليّة كإخبار العالم، و رأي المتخصّص، و قول الخبير. و الحجّة الإرشادية تصير إلزاميّة عند الرجوع إليها و التعويل عليها.
ثمّ إنّ الحجج الإلزاميّة الشرعيّة كالأنبياء و أوصيائهم، فإنّهم حجج الله على العباد، فيجب الأخذ بأقوالهم و أفعالهم، و لذا قال(عليه السلام): «أمّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر فلا يجوز لي ردّه»[1]و قال(عليه السلام): لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، و نحمّلهم إيّاه إليهم، و عرّفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله»[2].
و لمّا كانت حجّيّة خبر الثّقة إلزاميّة وقع من يعوّل عليه في المشكلة عند تعارض الخبرين، فإنّ التعويل على المتعارضين ليس بجائز عند العقل، و لذا وقع السؤال عن حلّها عن المعصوم(عليه السلام)، فتفضّل(عليه السلام)بالجواب.
و الحجّة الإرشادية الشرعيّة و هي التي يجوز التعويل عليها في الشرع. هي: الفقهاء، و أهل الذكر، و رواة الأحاديث، و الناظرون في الحلال و الحرام. فيجوز الأخذ بآرائهم و أقوالهم و فتاواهم.
فإذا أخذ برأي فقيه، أو رجع إلى قول مجتهد تصير حجّة إلزاميّة له. و إذا رجع عنه إلى آخر يصير قول من رجع إليه حجّة إلزاميّة، و يعود قول من رجع عنه إلى حجّة إرشاديّة.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 143، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 17.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 149، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.
و من المعلوم: عدم وقوع المعارضة بين الحجج الإرشاديّة؛ لعدم وجوب الأخذ بكلّ منها، و لذلك لم يقع سؤال عن المعصوم(عليه السلام)عن حكم اختلاف فقيهين في الفتوى مع كثرة اختلاف فقهائنا في الفتيا، كما مرّ.
عود إلى ذكر حجج القول بالتخيير في تقليد الأعلم.
الحجّة الثالثة: ما رواه الكشّي بسنده عن جميل بن درّاج
، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول:
«بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَبالجنّة: بريد بن معاوية العجلي، و أبا بصير ليث بن البختري المرادي، و محمّد بن مسلم، و زرارة، أربعة نجباء، أمناء الله على حلاله و حرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة و اندرست»[1].
و ما رواه بسنده عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا و أحاديث أبي إلا زرارة، و أبا بصير ليث المرادي، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط، هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا و الآخرة»[2].
و تقريب الاستدلال بهما: أنّ ظاهر قوله(عليه السلام): «هؤلاء حفّاظ الدين، و أمناء أبي على حلال الله و حرامه». هو الإرجاع إلى كلّ واحد من الأربعة على سبيل التخيير، و من المعلوم بعد تساوي العلماء الأربعة في الفضيلة، بل ربّما يكون من المستحيلات العاديّة.
و إنّ إطلاق قوله(عليه السلام)متناول لصورتي اتّفاق هؤلاء الأربعة في الفتيا، و اختلافهم فيها، بل اتّفاقهم في جميع الفتاوى في جميع المسائل ممّا لا يقبله فاضل، و لعلّه مناف لاجتهاد كلّ واحد منهم الذي به صرّح النصّ.
و لا يخفى ما في قوله(عليه السلام): «ما كان أحد يستنبط» من الدلالة على الاجتهاد. و من
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 142، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 14.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 21.