بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 19

تصدير

الحمد لله الذي خلقني فهو يهدين، و الّذي يطعمني و يسقين، إذا مرضت فهو يشفين، الّذي يميتني ثم يحيين، و الّذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، و الصلاة على محمد خاتم النبيّين و رسوله الصادق الأمين، أرسله رحمة للعالمين، و على إله الطيّبين الطاهرين المعصومين، الهداة المهديّين.

إنّ الله تعالى قد أنزل على رسوله الكريم قرآنه المجيد، و كتابه الخالد تبياناً لكلّ شي‌ء، ناصحاً لا يغشّ، و هادياً لا يضلّ، لا يأتيه الباطل من بين يديه، و لا من خلفه، و إنّه تعالى قد تكفّل بحفظه.

و لم تكن العصمة و الخلود لمجرّد تعبّد الناس بتلاوته، و تبركّهم بكرامته، و إنّما كان هذا و ذاك عن حكمة أسمى، و رحمة أشمل، و هي أن تجعل الأُمّة الإسلاميّة تحت ظلاله أبد الدهر، منتفعين به في جميع شؤونهم و أحوالهم، و أن تبقى الحجّة به قائمة على صدق رسوله و حقّيّة شريعته.

و ما دام للمسلمين عقول تفكّر و قلوب تفقّه، فلا بدّ لهم من النظر في كتاب ربّهم ليعرفوا أحكامه و حلاله و حرامه و سننه و فرائضه و رخصه و عزائمه خاصّه و عامّه و ناسخه و منسوخه، و إلا كانوا منتسبين إلى القرآن بالاسم و الميراث، دون أن تكون منهم فرقة متفقّهة في الدين ينفرون إليه بعقولهم و قلوبهم و أجسامهم، قائمين راحلين، فحصاً و علماً و درساً و عرفاناً.

ثمّ إنّه تعالى جلّت حكمته قد أودع عند رسوله العظيم جميع أحكامه، و عرّفها له بالوحي و الإلهام، و نصبه علماً للعالمين شارعاً للدين، فكانت سنّته عليه الصلاة و السلام هي الثاني بعد


صفحه 20

كتابه الكريم؛ فإنّها البيان له و التفصيل. فكان يدأب في بثّ شريعته، و نشر دعوته من يوم بعثته إلى يوم رحلته سرّاً و جهاراً و ليلًا و نهاراً، و أودع النّبي الكريمُ هذه الأحكام الإلهية، و الشرائع الكافلة للسعادة الإنسانية عند أهل بيته الطيّبين، و عترته المعصومين(صلوات الله عليهم أجمعين)، فقد صدع بذلك في نصوص محكمة، و كلمات جامعة متواترة.

و لا يخفى أنّ صحابتهُ كانوا مختلفين في فهم نصوص الكتاب و السنّة حسب اختلافهم في الأفهام و القرائح؛ اقتضاءً للطبيعة البشريّة، و قد يسمع صحابي حكماً من الشارع في واقعة فقد سمع صحابي آخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصيّة في إحدى الواقعتين تقتضي تغاير الحكمين، و غفل أحدهما عن الخصوصيّة، أو التفت و غفل عن نقلها مع الحديث، فيقع التعارض في الأحاديث ظاهراً، و لا تنافي واقعاً.

و لمثل ذلك احتاج الأصحاب أنفسهم في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد، و النظر في الأحاديث، و ضمّ بعضها إلى بعضها، و الالتفات إلى القرائن الحاليّة، فقد يكون للأحكام ظاهر و مراد الشارع خلافه؛ اعتماداً على قرينة كانت في المقام، و لكنّ الحديث نقل و القرينة لم تنقل.

و كان الصحابي الذي من أهل الفتوى و الرواية تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال رأو محدّث، و تارة أُخرى يذكر الحكم الذي استفاده من حديث، أو من الأحاديث حسب نظره، و اجتهاده، فهو في هذا الحال مفت و صاحب رأي، و أهل هذه الملكة هم المجتهدون، و سائر المسلمين الذين لم يبلغوا هذه المرتبة إذا أخذوا برأيه هم المقلّدون، و كلّ ذلك قد جرى في زمن صاحب الرسالة(صلوات الله و سلامه عليه)، و بمرأى منه و مسمع.

و من يعط النظر حقّه في تأريخ فقه الإسلام و مبدئه يتّضح له أنّ باب الاجتهاد كان مفتوحاً منذ عصر النبوّة، و بين الأصحاب فضلًا عن غيرهم، و فضلًا عن سائر الأزمنة، فلا فقه إلا بالاجتهاد، و المجتهد هو الفقيه. و القول بسدّ باب الاجتهاد بين الصحابة يلازم القول بنفي الفقاهة عنهم، و من المعلوم أنّه كان بينهم فقهاء علماء.

إنّ الاجتهاد في ذلك اليوم كان خفيف المئونة جدّاً؛ لقرب العهد، و توفّر القرائن، و إمكان السؤال المفيد للعلم القاطع.

ثمّ كلّما بعد العهد من زمن الحضور، و تكثّرت الآراء، و صعب الفهم للكلام العربي على حاقّ‌


صفحه 21

معناه، و تكثّرت الأحاديث و الروايات، و دخل فيها الدسّ و الوضع، و توفّرت دواعي الكذب على النبي عليه الصلاة و السلام أخذ الاجتهاد، و معرفة الحكم الشرعي يصعب، و يحتاج إلى مزيد مئونة، و استفراغ وسع، و جمع بين الأحاديث، و تمييز الصحيح عن السقيم، و ترجيح بعضها على بعض.

و من مفاخر الشيعة الإماميّة الذين يتمسّكون بالثقلين أنّ باب الاجتهاد بالمعنى الذي يقولون به لا يزال عندهم مفتوحاً، و لن يزال إن شاء الله تعالى حتى تقوم الساعة، بخلاف المشهور عند جمهور أهل السنّة من أنّه قد سُدّ و أغلق على ذوي الألباب، و لست أدري في أيّ زمان قد انسدّ هذا الباب؟ و بأيّ نحو كان ذلك الانسداد؟ و لعلّه من ثمرات مداخلة سلطان الحكم في هذه الشؤون.

و قد بيّن كثير من حذّاق العلماء في مذاهب أهل السنّة أنّ هذا زعم باطل، و تضييق لا دليل عليه، و أنّ هذا إنّما حدث في عصور الضعف الفقهي، و يبدو من تفسيرهم للاجتهاد أنّه لم يعدّ بين المسلمين من يصلح هذا المنصب؛ لقصور الباع و قلّة المتاع، لا لأنّ باباً قد أُقفل، أو واسعاً قد حجّر.

و لعلّ هذا الكلام نشأ من حسن الظنّ بالسلف، و سوء الظنّ بالخلف.

و البحث العلمي يجب أن يكون منزّهاً عن كليهما، فكلّ من الأمرين يحجب الباحث من الوصول إلى غايته المرموقة، و إنّ قوام البحث بالحياد، و إلا فليس ببحث.

إنّ حسن الظنّ الممدوح هو وضع فعل الأخ على وجه أحسن، و ليس من حسن الظنّ جعل فعله حجّة للمذهب، و مشعلًا يستنار به.

إنّ الحقائق المجهولة تنكشف لدى الباحث إذا لم يؤثّر في بحثه حبّ، أو بغض؛ فإنّ لتأثير الحبّ و البغض و العداوة و الصداقة مكان آخر، و العلم أشرف و أغلى من أن يكون مكاناً له.

إنّ التعصّب في كلّ شي‌ء قبيح، لكنّ التعصّب في البحث أقبح، و البحّاثة من لا يكون متعصّباً و ذلك هو المجتهد، و من لا يتيح له مثل هذا البحث هو المقلّد تنبّه أم لم يتنبّه.

إنّ الإسلام عقيدة و عمل، و هو مشتمل على أُصول و فروع: فالأُصول: هي المعتقدات التي فرض الإسلام الإيمان بها، و من لم يكن مؤمناً بها فليس بمسلم. و المتكفّل لبيان أُصول عقائد الدين الإسلامي، و إثباتها بالحجج، و البراهين هو الفلسفة الإسلاميّة و علم الكلام.

و أمّا الفروع: فهي الأحكام المتعلّقة بأفعال المكلّفين العباديّة منها، أو الصادرة عنهم في سبيل‌


صفحه 22

معايشهم، و حوائجهم.

و يفرض الإسلام على كل مسلم العمل بأحكامه، و من لم يعمل بها فليس بمطيع لله و لرسوله. و المتكفّل لبيان الأحكام الفرعيّة الإسلاميّة علم الفقه.

و من البديهي أنّ العمل بكلّ حكم موقوف على العلم به؛ فإنّ الجهل بالحكم يسدّ طريق الوصول إليه، فالعلم مقدّم على العمل و مقدّمة للعمل.

و تحصيل المعرفة بالأحكام الفرعيّة الإسلاميّة بطريقين: الاجتهاد لمن طلب و تمكّن، و التقليد لمن لم يتمكّن أو لم يطلب.

و إليك هذه الرسالة التي تبحث عن الاجتهاد و التقليد، و عمّا يترتّب عليهما من الوظائف الشرعيّة، و المناصب الإسلاميّة.

رضا الصدر طهران شوّال المكرّم 1389


صفحه 23

الاجتهاد


صفحه 24

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 25

الاجتهاد

قيمة الاجتهاد

إنّ الإسلام شريعة صالحة لكلّ زمان و مكان، فهو الدين عند الله دون سواه، و هو دين البشريّة لا غير، دين متكفّل للحياة السعيدة للإنسان، فرده و مجتمعه.

و إنّ للإسلام في كلّ شي‌ء نظر، و لكلّ موضوع حكم، فما من فعل أو قول يصدر من مكلّف إلا و للإسلام له حكم من الأحكام. و للإسلام أحكام إرشاديّة سمحة سهلة بل كلّ أحكامه سمحة سهلة.

و أحكام الإسلام على أصناف: تكليفيّة أو وضعيّة، واقعيّة أو ظاهريّة، مولوّية أو إرشاديّة، نفسيّة أو غيريّة.

و لمّا كانت أعمال الناس و أقوالهم غير محدودة، و وجوه تصرّفاتهم غير متصوّرة، بل هي متجدّدة بتجدّد الأفكار و الأزمان، مختلفة باختلاف البقاع و الأقوام، فقد يحدث موضوع لحكم في جيل جديد ما لم ير مثله في جيل بائت.

و قد يخلق قوم أعمالًا لم يطّلع عليها قوم آخرون، و حينئذ تظهر صلاحيّة هذا الدين لكلّ زمان و مكان، فإنّ فقهاء المسلمين من كلّ عصر، و المفتين منهم من كلّ جيل يستقبلون كلّ حادثة تتجدّد، و كلّ قضيّة تعرض، و يستخرجون حكمها من الأدلّة في إطار الأُصول المحكمة التي هي أساس الشريعة، و يدخلون بالفقه الإسلامي كلّ مجال، يطرقون به كلّ باب، و يحملون عليه الأُمّة الإسلاميّة حملًا، لا بالقوّة و لا بالثورة، بل بالجهاد و الإرشاد، و بالإقناع و التوجيه، و بإبراز محاسنه للفرد و المجتمع،


صفحه 26

و بالتخلّص من الجمود و التعصّب.

و لعلّ ذلك هو المقصود من دعوى صلاحيّة هذا الدين القويم الصراط المستقيم لجميع الأعوام و الأقوام، و يتجلّى للناس فضل الفقه الإسلامي، و سعة أُفقه، و مدى طواعيّته، و حسن تقبّله لكلّ ما يفيد المجتمع الإنساني مدى الدهور و الأحقاب.

ذلك قيمة الاجتهاد، و هذا قيمة المجتهد، و ما أغلى هذا الثمن فهو المنفّذ لما يضمن سعادة الإنسان و كرامته، فلا ثمن أغلى منه و إن غلا.

إنّ الاجتهاد أهمّ موضوع حي له صلة وثيقة بالفقه الإسلامي؛ لأنّ عليه يترتّب أهمّ وصف يوصف به فقه الإسلام من حيث صلاحيّته لكفالة الحياة السعيدة لجميع أولاد آدم في كلّ عصر و زمان.

الاجتهاد عند الشيعة و السنّة

الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة عبارة عن: استقصاء طرق كشف الأحكام من الكتاب و السنّة، فهو استنباط الفروع من الأُصول المأثورة في الدين. و قد بني الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة على قاعدتين: الكتاب و السنّة: و السنّة محكيّة بواسطة الأئمّة المعصومين من أهل البيت «، أو بنقل ثقات صحابة النبي كلامه أو فعله أو تقريرهُ، و أمّا الإجماع عندنا معاشر الإماميّة فليس بحجّة مستقلّة تجاه السنّة، بل يعدّ حاكياً لها؛ إذ منه يستكشف رأي المعصومين «، و لذا تختصّ حجّيّة الإجماع بالمسائل الأصليّة المتلقّاة من المعصومين(عليه السلام)دون المسائل التفريعيّة التي احتاج الاجتهاد فيها إلى إعمال رويّة و فكر؛ و ذلك معنى تعبّديّة الإجماع عندنا.

قال الفقيه الهمداني(قده)في مصباح الفقيه:

إنّ المدار على حجّيّة الإجماع على ما استقرّ عليه رأي المتأخّرين ليس على اتّفاق الكلّ، بل و لا على اتّفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة، و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد