الأُمور العاديّة.
الحجّة الثامنة: إجماع صحابة الرسولُ
. قال الشهيد الثاني(قده)في المسالك في شرح قول المصنّف: «و هل يجوز العدول إلى المفضول؟ فيه تردّد، و الوجه الجواز»[1].
قال الشهيد:
لاشتراك الجميع في الأهليّة، و لما اشتهر من أنّ الصحابة كانوا يفتون مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضليّة، و مع تكرّر الإفتاء لم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فيكون إجماعاً منهم على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل.[2]
الحجّة التاسعة: الإطلاق الأحوالي في إرجاعات المعصومين «إلى فضلاء صحابتهم حاكم
بجواز الرجوع إلى ذلك الشخص، سواء أ كان غيره أفضل منه أم لا. و سواء أ كان مختلفاً معه في الفتوى أم لا.
قال في المستمسك:
إنّ الإرجاع على نحو الخصوص كالإرجاع إلى نحو العموم إنّما يقتضي الحجّيّة في الجملة، و لا يشمل صورة الاختلاف، و إلا تعارض مع ما دلّ على الإرجاع إلى غيره بالخصوص.[3]أقول: قد عرفت أنّ الإرجاعات الواردة من المعصومين «سواء أ كانت على نحو العموم، أو على نحو الخصوص إنّما تفيد الحجّيّة الإرشاديّة؛ و لا تعارض في جعل حجج إرشاديّة متعدّدة بعنوان عامّ أو بعنوان خاصّ؛ لأنّ من لوازم الحجّة الإرشاديّة تخيير من له الحجّة في الرجوع إلى أي الحجج، و هذا التوهّم نشأ من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة خبر الثقة.
[1]مسالك الإفهام، ج 2، ص 353.
[2]ذكرى الشيعة، ص 2، سطر 18.
[3]المستمسك، ج 1، ص 28.
الحجّة العاشرة: لو كان تقليد المفضول حراماً عند الشرع لوردت من ناحية الشرع إلى ذلك إشارة
أو دلالة، كما وردت لبيان حرمة تقليد من لا يصلح للإفتاء؛ و عدم الورود أية عدم الوجود.
و لو كان تقليد المفضول حراماً عند الشرع لحكم الشرع بوجوب الفحص لمعرفة الأفضل و عدم وصول أمر منه بالفحص حجّة على عدم الحرمة.
و استدلّ على جواز تقليد المفضول بوجوه لا تخلو من ضعف:
منها: أنّ في وجوب الرجوع إلى الأعلم عسراً.
و فيه أوّلًا: أنّ مفروض الكلام فيما إذا لم يوجب العسر.
و ثانياً: أنّ سيرة متشرّعة المعاصرين، و من قارب عصرنا على ذلك، و لم نشاهد من ذلك عسراً عليهم.
و منها: أنّ وجوب الرجوع إلى الأفضل مستلزم لوجوب الرجوع إلى الأئمّة «، و ذلك خلاف السيرة.
و فيه: أنّ محلّ البحث العلماء العارفون بأقوال الأئمّة المعصومين و أفعالهم و تقاريرهم «، و إلا فلو كان البحث عامّاً لوجب التقليد عن الله عزّ و جلّ بلا واسطة، فالأئمّة «خارجون عن البحث موضوعاً، و الدليل ساقط من أصله.
و منها: استصحاب جواز تقليد غير الأعلم فيما لو تجدّدت أعلميّة أحدهما بعد تساويهما في الفضل، و الاستصحاب وارد على قاعدة الاشتغال، و يتمّ في غير هذه الصورة بعدم القول بالفصل.
و فيه أوّلًا: أنّ ذلك يفيد لمن حكم بوجوب تقليد الأعلم؛ استناداً إلى قاعدة الاشتغال، و لا يفيد لمن حكم به؛ اعتماداً على الدليل الاجتهادي.
و ثانياً: أنّه معارض باستصحاب عدم جواز تقليد المفضول إذا حدث له الاجتهاد عند سبق تقليد الأفضل.
و ثالثاً: أنّ تعدّي الحكم من مورد إلى مورد آخر بسبب عدم القول بالفصل يختصّ بما إذا كان ثبوته في المورد الأوّل بدليل اجتهادي لا بالأصل، فإذا كان ثابتاً بالأصل
فالمورد الثاني محكوم بالأصل الجاري فيه، لا بالأصل الجاري في غيره.
و رابعاً: أنّ المعتبر في ذلك الباب هو عدم الفصل بمعنى نفيه، لا عدم القول بالفصل، و إلا فكلّ قول ثالث حدث في مسألة يعدّ قولًا بالفصل، و الحال أنّ مثل ذلك لم يعدّ حرفاً للإجماع المركّب، و أنّ نفي الفصل غير موجود في المقام، فالإجماع المركّب غير حاصل.
[فرعان]
وظيفة العامّي
هذا تمام الكلام في البحث عن أصل هذه المسألة.
و لننقل البحث إلى وظيفة العامّي؛ تبعاً للقوم و إن كان قليل الجدوى. و نقصد من العامّي في هذا المقام من لم يجتهد في مسألة البحث عن تقليد الأعلم، أنّ الواجب عليه العمل على مقتضى عقله.
فإن كان عقله حاكماً بوجوب الاحتياط، و بالعمل بأحوط الأقوال من جهة علمه باشتغال ذمّته بتكاليف معلومة بالإجماع، و من جهة وجوب تحصيل براءة الذمّة عنها فليعمل على طبقه.
و إن كان حاكماً بوجوب الرجوع إلى الأفضل، أو كان حاكماً بالتخيير بينه و بين الرجوع إلى المفضول فهو الوظيفة له.
فإنّ التقليد في هذه المسألة غير واجب من جهة أنّها ليست من المسائل التقليديّة؛ فإنّ وجوب التقليد فيها مستلزم للدور أو الخلف.
قال في الكفاية:
إذا علم المقلّد اختلاف الأحياء في الفتوى مع اختلافهم في العلم فلا بدّ من الرجوع إلى الأفضل إذا احتمل تعيّنه؛ للقطع بحجّيّته، و الشكّ في حجّيّة غيره.[1]و قال تلميذه المدقّق الأصفهاني:
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 438.
توضيحه: أنّ الحجّة العقلائية عبارة عن تنجيز الواقع، و المعذّريّة ظنّ الخطإ. و فتوى الأفضل منجّزة و معذّرة قطعاً؛ لأنّها حجّة إمّا تعييناً، أو تخييراً دون فتوى المفضول؛ إذ ليس فيها إلا احتمال الحجّيّة تخييراً، فيجوز، الاقتصار على فتوى الأفضل في الخروج عن تبعة الواقع و إن أخطأت، و لا يجوز الاقتصار على فتوى المفضول.[1]أقول: إنّ هذا الكلام غير تامّ إلا بعد انسداد احتمال لزوم الاحتياط بالعمل بأحوط الأقوال، و سدّه موقوف على اجتهاد في الجملة، فيخرج عن كونه عامّيّاً.
و الحال هذه إذا استند العامّي إلى بناء العقلاء. فإنّ ذلك اجتهاد منه أيضاً في هذه المسألة، فالاجتهاد في أمثال هذه المسائل يتحقّق بالاعتماد على بناء العقلاء و سيرتهم، فلا يكون عامّيّاً في المسألة و هو خلف الفرض.
ثمّ قال في الكفاية:
و لا وجه لرجوعه إلى الغير في تقليده، إلا على نحو دائر.
نعم لا بأس برجوعه إليه إذا استقلّ عقله بالتساوي، و جواز الرجوع إليه أيضاً، أو جوّز له الأفضل بعد رجوعه إليه، هذا حال العاجز عن الاجتهاد في تعيين ما هو قضيّة الأدلّة في هذه المسألة.[2]و يرد على قوله: «أو جوّز له الأفضل بعد رجوعه إليه» أنّه لا يجوز له الرجوع إلى الأفضل إلا بعد علمه بعدم وجوب الاحتياط، كي يصحّ له جواز الرجوع إلى الأفضل، و قد قلنا: إنّه لا سبيل إلى الحكم بعدم وجوب الاحتياط، إلا باجتهاد في ذلك.
و إذا حصل له هذا الاجتهاد فلا يجوز له التقليد؛ لصيرورته مجتهداً في هذه المسألة. هذا كلّه على ما سلكه القوم.
و لا يكاد ينقضي تعجّبي من هؤلاء الأساطين، فإنّهم عند البحث عن وظيفة العامّي
[1]بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 45 و 46.
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 438.
و عن مقتضى عقله يأتون بأدلّة لم يصلوا أنفسهم إليها إلا بعد أن قضوا أعمارهم في تحصيل العلوم العقليّة منها و النقليّة.
و من المعلوم: أنّ العالم لا يستطيع أن يتفكّر مثل الجاهل، سيّما في الأُمور الشرعيّة، و أنّ الخوض في المسائل الدقيقة، و تعميق النظر فيها يجعل المدقّق خارجاً عن الذوق العرفي.
العدول عن الحيّ إلى الحيّ
إنّ في جواز العدول عن مفت حي إلى مفت حي آخر قولين:
حكي الجواز عن المحقّق و الشهيد الثانيين(قدس سرهما)في الجعفريّة[1]، و المقاصد العليّة[2]؛ تبعاً للمحكي عن العلامة في النهاية[3]، و اختاره المدقّق الأصفهاني[4].
و حكي عدم الجواز عن التهذيب و شرحه، و الذكرى[5]، و عن العلامة الأنصاري في رسالة الاجتهاد و التقليد[6].
و الأقوى هو القول بالجواز؛ لأنّ إطلاق أدلّة التقليد اللفظيّة حاكم بذلك، فكما دلّ على تخيير العامّي في الرجوع الابتدائي إلى أيّ مفت من المفتين، كما عرفت.
فإنّ لسانها إثبات حجّيّة إرشاديّة لقول المفتي، و مقتضاها التخيير بين الأخذ بها أو بمثلها، فكذلك يدلّ على تخييره استمراراً في الرجوع إلى أيّ مفت، فإنّ لازم الحجّيّة الإرشاديّة رفع اليد عنها، و الأخذ بالأُخرى.
[1]رسائل المحقق الكركي، ج 1، ص 80، الجعفريّة، ص 20.
[2]المقاصد العليّة، ص 29.
[3]نهاية الأحكام، ج 1، ص 398.
[4]نهاية الدراية، ج 6، ص 409 و مابعدها.
[5]ذكرى الشيعة، ص 3.
[6]مجموعة رسائل رسالة الاجتهاد و التقليد، ص 77.
و بعبارة أُخرى: إنّ لسان دليل وجوب التقليد هو الحكم بوجوب الاستمرار عليه في كلّ واقعة متجدّدة، و لا يكفي مجرّد الرجوع إلى المفتي في واقعة واحدة، و إنّ هذا الحكم بوجوب التقليد في الواقعة الأُولى لم يكن تعييناً، فكذلك وجوبه في جميع الوقائع؛ لاتّحاد الدلالة و اتّحاد الحكم.
ثمّ إنّ سيرة العقلاء قائمة على ذلك، فالمريض الذي عدل عن طبيبه إلى طبيب آخر غير مؤاخذ عندهم، هذا في الواقعة الواحدة، فكيف في الوقائع المتعدّدة. هذا كلّه على ما سلكناه في هذا الباب.
و أمّا على ما سلكه القوم من قياس حجّيّة الفتوى بحجّيّة الخبر فاصغ لما يتلو عليك المدقّق الأصفهاني في رسالته في هذا الباب، قال:
إنّ حجّيّة الفتوى إمّا من باب الطريقيّة، أو من باب الموضوعيّة، فإن كان من باب الطريقيّة فهي منجّزة للواقع على تقدير الإصابة، و معذّرة عنه عند الخطإ.
و مع فرض التعارض لا معنى لمنجّزيّة كلّ منهما؛ لعدم احتمال الإصابة في كليهما، لكن لا مانع من معذّريّة كلّ منهما، بل لا بدّ من القول به هنا؛ للإجماع و غيره على عدم تساقط الفتويين، و الرجوع إلى غير فتوى المجتهد، مع فرض انحصار الطريق للمقلّد في اتّباع فتوى المجتهد، كما نقول بعدم التساقط في الخبرين المتعارضين للأخبار العلاجيّة الإمرة بالأخذ بأحدهما تعييناً تارة و تخييراً أُخرى، بل إنّ هذا المعنى بعد فرض معقوليّته لا مانع من استفادته من نفس دليل الحجّيّة؛ لأنّ التعارض يمنع عن تصديق دليل الحجّيّة من حيث منجّزيّة الطريقين للواقع، حيث لا واقع في الاثنين.
و لكن لا مانع عن تصديقه من حيث معذّريّة كلّ منهما؛ فإنّ صفة المعذّريّة لكلّ منهما تخييراً بمعنى القناعة عن الواقع بموافقة أحدهما.
و عليه فإن كان معنى حجّيّة كلّ من الفتويين، كون كلّ منهما معذّرة مع دوران عقاب الواقع مدار مخالفتهما معاً؛ فإذا شكّ بعد العمل بإحدى الفتويين في تعيّن ما أخذ به عليه، أم كلّ منهما على ما كانت عليه من المنجّزيّة، و المعذّريّة شرعاً، كان مقتضى
الاستصحاب بقاءها على تلك الصفة المجعولة شرعاً.
و إن كانت حجّيّة الفتوى من باب الموضوعيّة بجعل الحكم المماثل على طبق كلّ من الفتويين فحال الحكمين حال الواجبين المتزاحمين، فإنّ فرض تخيير من قبل الشارع مولويّاً لا إرشاديّاً إلى ما حكم به العقل فالصحيح منه جعل الحكم المماثل على كلّ منهما بنحو التخيير.
و إن لم يكن تخيير من الشارع فلا مجال لاستصحاب التخيير العقلي.
لكن استصحاب الحكم المأخوذ غير مانع عن ثبوت الآخر؛ لأنّ حكم العقل بالتخيير بين تطبيق العمل بين هذا و ذاك لا يوجب تصرّفاً في الحكم الشرعي، فكلّ منهما ثابت نحو ثبوت لا ينافي ثبوت الآخر على الفرض.[1]انتهى بتلخيص و تحرير.
و أورد تلميذه الجليل على شقّ الطريقيّة من هذا الكلام، فقال:
إنّ المستصحب قد يكون حجّيّة الفتوى المختارة، و قد يكون الحكم الفرعي الذي أفتى به المجتهد الأوّل، كوجوب القصر، و على كلا التقديرين فالمعارضة ثابتة.
أمّا الأوّل: فلما حقّقنا من أنّ المعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الطريقيّة لكلّ من المتعارضين منوطاً بالالتزام به بحيث يكون الالتزام بالعمل على طبقها محقّقاً لموضوع الحجّيّة الفعليّة في المختار.
و لا معنى لأن يكون المجعول الشرعي على الطريقيّة هو التنجيز و التعذير؛ لأنّهما من الأحكام العقليّة بمعنى استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع و عدمه، فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبّداً، و يلزمه عقلًا التعذير و التنجيز، و لا معنى لجعل الطريقيّة للجامع، و لا لأحدهما المبهم، بل الطريق كلّ واحد منهما بشرط اختيار المكلّف له.
فإذا اختار أحدهما يكون هو الحجّة الفعليّة في حقّه. و يتنجّز عليه الحكم الذي يؤدّي إليه المختار.
[1]بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 148.
و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع بقاء الأُخرى على الحجّيّة التخييريّة؛ فبعد رفع اليد عن الالتزام بالأُولى، و الالتزام بالثانية يشكّ في بقاء الحجّيّة الفعليّة للأُولى، فاستصحابها يكون معارضاً لاستصحاب الحجّيّة التخييريّة للثانية.[1]أقول: و في كلامه دام ظلّه مواقع للأنظار.
أحدها: في قوله: «إنّ المعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الطريقيّة.» فإنّه غير معقول؛ إذ الطريقيّة ذاتيّة لكلّ طريق، و الذاتيّات غير قابلة للجعل من جهة كون جعلها تحصيلًا للحاصل.
فالمعقول من الحجّيّة التخييريّة هو جعل الحجّيّة الشأنيّة للطريق، فتكون فعليّة الحجّيّة له منوطة بالالتزام به، فالالتزام بالحجّة الشأنيّة و يجعلها حجّة فعليّة؛ لأنّ فعليّتها موقوفة على الالتزام بها، و تدور مداره.
ثانيها: في قوله: «لأنّها من الأحكام العقليّة هما من لوازم الحجّيّة؛ فإذا كانت الحجّيّة مجعولة شرعاً، كما في قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» فلا بأس من ترتيب هذين الأثرين عليها.
ثالثها: في قوله: «فالمجعول الشرعي على الطريقيّة هو إحراز الواقع تعبّداً» فإنّ ذلك عبارة أُخرى عن التعذير اللازم للحجّيّة، و ليس بشيء غيره.
رابعها: في قوله: «و عليه فلا يعقل بقاء الفتوى المختارة على الحجّيّة الفعليّة مع» إلخ. فإنّ في ذلك خلط بين الفعليّة المطلقة و الفعليّة المشروطة؛ لأنّ منافاة الحجّيّة الفعليّة مع الحجّيّة التخييريّة المعارضة لها إنّما تتحقّق في صورة كون الفعليّة مطلقة، و أمّا إذا كانت مشروطة بالتزام المكلّف بها فلا منافاة بينهما؛ لأنّ الفتوى المختارة حجّة فعليّة بمعنى كونها منجّزة، أو معذّرة ما دام الالتزام بها باقياً، و غير المختارة حجّة شأنيّة بمعنى صيرورتها منجّزة أو معذّرة إن حصل الالتزام بها.
فإذا زال الالتزام بهذه الحجّة الفعليّة فهي تعود شأنيّة؛ لفقدان المشروط بفقد
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 66.