بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 225

ثمّ نسب(قده)القول بالجواز إلى صاحب المناهل.[1]أقول: لا ريب في أنّ سيرة العقلاء قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، و ليست بقائمة على رجوع العالم إلى العالم.

و لا ريب في أنّ المأمور بالحذر و السؤال في الآيتين الكريمتين من ليس بمتفقّه، و لا من أهل الذكر.

و لا ريب في أنّ من أمر بالرجوع إلى الرواة، و إلى من عرف الأحكام، و نظر في الحلال و الحرام هو غير الراوي، و غير العارف، و غير الناظر.

إنّما الكلام في أنّ الواجد للملكة إذا لم يكن مستنبطاً للحكم فعلًا داخل في أيّ الطائفتين؟ و أيّ المفهومين الإيجابي، و السلبي صادق عليه؟ إذ لا واسطة بين النقيضين.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّه يصحّ سلب جميع هذه الأوصاف عن مثل هذا الشخص، فهو ليس بعالم بالفعل، و ليس بمتفقّه في الدين، و ليس من أهل الذكر، كما أنّه ليس بعارف للأحكام، و لا بناظر في الحلال و الحرام، و لا براوٍ للحديث و إن كان مستطيعاً لأن يجعل نفسه مصداقاً لهذه العناوين في زمان قصير.

فحال هذا الشخص حال المسافر الذي قرب إلى المقصد، لكنّه لم يصل بعد، و هو مشترك في صفة عدم الوصول مع المسافر الذي بعد عن مقصده غاية البعد و هناك فرق بين القريب إلى شي‌ء، و بين لاحق به، و هو أنّه إذا أُطلق اللاحق على القريب فهو إطلاق مجازي و ليس بحقيقي، فالأقوى جواز التقليد له؛ وفاقاً لصاحب المناهل‌[2].

و ممّا يؤيّد ما اخترناه: أنّ المجتهد الفعلي إذا حدثت له مرافعة عليه أن يرجع إلى غيره في باب القضاء، و حكم القاضي نافذ عليه، سيّما إذا كانت الشبهة حكميّة.

[1]المناهل، كتاب القضاء، ص 699.

[2]المناهل، كتاب القضاء، ص 698.


صفحه 226

و كذا رجوع أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى شريح قاضي الكوفة في قصّة درعه(عليه السلام)، و درع طلحة، و هو الخليفة على المسلمين.

هذا حال المجتهد بالفعل، فكيف بحال المجتهد بالقوّة. فلما ذا لا يجوز له الرجوع إلى المجتهد بالفعل في باب الفتوى؟.

ط) نظرة إلى بعض الكلمات‌

علّق السيّد الشاهرودي على كلمة «الاحتياط» في العروة، بقوله:

بعد أن اجتهد، أو قلّد في مسألة عدم اعتبار الجزم بالنيّة، و إلا لا يتمكّن من الاحتياط أصلًا إلا بالتشريع المحرّم.[1]أقول: إنّ كثيراً من موارد الاحتياط غير محتاج إلى الجزم بالنيّة.

أمّا في المعاملات فقد لا يكون الترديد في النيّة حال الاحتياط مضرّاً، كما لو أدّى المثل و القيمة معاً حال الشكّ في ضمان أيّهما، و كما لو احتاط و لم يتصرّف في العوض و لا في المعوّض عند فوات بعض ما يحتمل اشتراطه في العقد، و قد يكون الجزم بالنيّة موجوداً في المعاملة بسبب الاحتياط، كما لو أجرى العقد حال وجود جميع ما شكّ في اشتراطه فيه.

أضف إلى ذلك أنّ الترديد في النيّة غير مضرّ بالاحتياط في ترك ما يشكّ في كونه محرّماً، و في فعل ما يشكّ في كونه واجباً في الواجبات التوصّليّة.

و أمّا الحال في التعبّديّات فقد يكون الجزم بالنيّة عند الاحتياط موجوداً كما في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر؛ إذ يأتي المحتاط بالأكثر في صورة عدم احتمال كون المشكوك فيه مضرّاً.

و من المعلوم: أنّه يكفي للمحتاط في الاجتهاد في هذه المسألة إحراز حكم عقله بعدم اعتبار الجزم في النيّة، فإذا حصل له الوثوق بذلك، و بكفاية الإتيان الرجائي‌

[1]العروة الوثقى، ج 1، ص 3.


صفحه 227

فلا يكون مؤاخذاً.

أُمنيّة: يا ليت كان دأب علمائنا المتأخّرين عن الشيخ الأنصاري حلّ الإشكالات في المسائل، و إراءتهم الشريعة الإسلاميّة سمحة سهلة كما هي كذلك.

[المسألة 2] جواز العمل بالاحتياط

المسألة 2: الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أولا، لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.

هل الاحتياط متأخّر عن عدليه؟

إذا كان العمل بالاحتياط عند العقل متأخّراً بحسب الرتبة عن الاجتهاد و التقليد فلا يجوز العمل به ما دام المكلّف قادراً على الاجتهاد أو التقليد.

و قبل الدخول في البحث ينبغي التنبيه على أمرين:

أحدهما: أنّ المقصود من الاحتياط عند القدرة على الاجتهاد و التقليد هو الاكتفاء به في سقوط التكليف الواقعي، سواء أ كان التكليف معلوماً أم محتملًا.

ثانيهما: أنّ المقصود من الاحتياط المبحوث عنه في المقام هو الاحتياط الذي لا يكون مبغوضاً لدى الشارع، فيعمّ البحث الاحتياط المرفوع في الشرع.

فإنّ دليلي نفي العسر و الحرج حاكمان برفع وجوب المعسور و الأمر الحرجي، فجواز هما باق على حاله، و لا بأس بدخول هذا الاحتياط في البحث.

إذا تبيّن ذلك فنقول:

الحقّ وفاقاً للمتن جواز العمل بالاحتياط حتّى عند التمكّن من الاجتهاد أو التقليد، فلا يكون عدلاه متقدّمين عليه، و ذلك من غير فرق في العمل به في العبادات و غيرها بحكم العقل بتحقّق الامتثال به، و ما يمكن أن يكون رادعاً لإجراء هذا الحكم العقلي أُمور ثلاثة:

أحدها: ما دلّ على وجوب تعلّم الأحكام، كرواية مسعدة بن زياد في الصحيح عن‌


صفحه 228

أبي عبد الله(عليه السلام)حيث قال: سئل جعفر بن محمّد «عن قوله تعالى‌فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[1]فقال(عليه السلام): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال: أ فلا عملت بما علمت؟

و إن قال: كنت جاهلًا قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه، و ذلك الحجّة البالغة لله عزّ و جلّ في خلقه».[2]لكن هذا الحديث غير مناف لذلك الحكم العقلي؛ لأنّه ينظر إلى من عصى و لم يعمل بالتكاليف الإلهيّة، و ليس بناظر إلى من كان عاملًا بها، و منقاداً لها، سيّما بطريق الاحتياط، فإنّ ذلك من أعلى مراتب الإطاعة و الانقياد، ثمّ إنّ الحديث غير مفيد للوجوب النفسي للتعلّم؛ إذ المتبادر منه أنّ وجوب تعلّم الأحكام طريق لامتثالها، و إرشاد فيه إلى أنّ الجهل بالتكليف لا يصحّ أن يكون عذراً لترك المكلّف به.

ثانيها: ما عن شيخنا الأنصاري(قده):

أنّ الجزم المعتبر في العقود و الإيقاعات ينافيه الترديد الموجود في العمل بالاحتياط.

أقول: إن كان مراده من منافاة الترديد كونه مانعاً من تحقّق الإنشاء فذلك باطل؛ فإنّ الإنشاء قد يتحقّق حال القطع بالخلاف فضلًا عن حال الترديد، و إن كان مراده أنّ الترديد مانع من تأثير الإنشاء إذا تحقّق فهو أيضاً فاسد؛ لاستحالة تفكيك الإنشاء عن المنشإ.

و من المعلوم: أنّ مقتضى الاحتياط في هذه الصورة عدم التصرّف في كلا العوضين، أو إبطال العقد بطريق يقيني، أو إجراء العقد حال وجود جميع ما شكّ في اشتراطه فيه حتّى يحصل القطع بوجود الأثر.

و إن كان المراد وجود الترديد فيما هو الممضى شرعاً من الأسباب فهو غير مضرّ أصلًا، كما لو شكّ في ضمان بالمثل أو بالقيمة، فإنّ الاحتياط قاض بدفعهما معاً.

[1]الأنعام (6) الآية 149.

[2]جامع أحاديث الشيعة، ج 1، ص 94 و 95.


صفحه 229

ثالثها: ما يتوهّم من كونه مانعاً عن جريان الاحتياط في العبادات فقط.

و البحث عنه قد يكون فيما يستلزم الاحتياط تكرار العبادة، و سيأتي في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، و قد يكون فيما لا يستلزم التكرار.

فنقول: قال شيخنا الأنصاري في رسالة القطع:

أمّا إذا لم يتوقّف الاحتياط على التكرار كما إذا أُتي بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزءً فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع، و وجوب تحصيل اليقين التفصيلي، لكن لا يبعد ذهاب المشهور إلى ذلك، بل ظاهر كلام الرضي في مسألة الجاهل بوجوب القصر، و ظاهر تقرير أخيه المرتضى له ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها.[1]أقول: الإجماع الذي ادّعاه الأخوان(قدس سرهما)على فرض ثبوت تعبّديّته مختصّ بالصلاة، فلا يعمّ جميع العبادات، و منه يظهر النظر في كلام صاحب المستمسك حيث توهّم دام ظلّه عموم الإجماع لجميع العبادات‌[2]،؛ ثمّ إن هذا الإجماع غير مانع عن القول بجواز الاحتياط في محلّ البحث؛ لأنّ المتيقّن منه صورة الجهل بمقدار كثير من أحكام الصلاة، بحيث لا يمكن معه إتيان الصلاة صحيحة، و الصلاة حينئذ باطلة قطعاً، هذا مع قطع النظر عن إيراد شيخنا الأنصاري النافي للاتّفاق.

اشتراط معرفة طريق الاحتياط بأحد عدليه‌

إنّ الوجوب في كلام الماتن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط إلخ شرطي، إمّا من جهة كون المعرفة من قبيل الشرط لتحقّق الاحتياط، و إمّا لكون عدمها من قبيل المانع عنه، فالعمل بالاحتياط بدون معرفة كيفيّته غير ممكن التحقّق، نعم، لو كانت كيفيّة العمل الذي يقصد الاحتياط فيه معلومة بالضرورة فلا يجب فيها الرجوع‌

[1]فرائد الأُصول، ج 1، ص 25.

[2]المستمسك، ج 1، ص 7.


صفحه 230

إلى الاجتهاد أو التقليد؛ لأنّهما مختصّان بالمسائل النظريّة غير اليقينيّة.

[المسألة 3] الاحتياط ذو صور

المسألة 3: قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً، و كان قاطعاً بعدم حرمته، و قد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه، و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.

الصور الممكنة للاحتياطقد عقدت هذه المسألة للإشارة إلى إخراج الاحتياط المستحيل من البحث، مثل: دوران الأمر بين الواجب و الحرام، و إليك صور الاحتياطات الممكنة:

منها: دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب، و الاحتياط هنا مقتض للترك.

و منها: دوران الأمر بين الواجب و غير الحرام، و الاحتياط مقتض للفعل.

و منها: دوران الواجب بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لفعلهما معاً.

و منها: دوران الحرام بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لتركهما معاً.

و منها: دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعيّة.

فقد يمكن الجمع بينهما في فعل واحد، مثل: دوران الأمر بين الجهر و الإخفات، و الاحتياط في هذه الصورة أن يأتي بالقراءة جاهراً مرّة و أُخرى خافتاً، إمّا بنيّة القرآنيّة في كليهما، أو بنيّة تحقّق القراءة الواجبة بإحداهما و الاستحباب بالأُخرى، و قد لا يمكن الجمع بينهما، فيأتي بالمأمور به أوّلًا مع المشكوك فيه، و يأتي به ثانياً بدون المشكوك فيه.

[المسألة 4] حكم الاحتياط المستلزم للتكرار

المسألة 4: الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد.


صفحه 231

جواز مثل هذا الاحتياطالبحث في جواز الاحتياط و عدم جوازه إنّما يصحّ في صورة تمكّن المكلّف من الاجتهاد أو التقليد؛ إذ لا إشكال في جوازه في صورة عدم التمكّن منهما، و الأقوى وفاقاً للمتن و لكثير من الأصحاب هو القول بالجواز؛ لقضاء العقل بتحقّق الامتثال إذا قصد المكلّف الإطاعة بإتيان فعلين حال كونه عالماً بأنّ أحدهما مأمور به؛ إذ العقل لا يرى فرقاً من حيث تحقّق الإطاعة بين هذا الامتثال، و بين ما إذا أتى بفعل واحد و هو يعلم بكون ذلك الفعل مأموراً به.

فإنّ ملاك الامتثال لدى العقل هو حصول اليقين بإتيان المأمور به، و ذلك متحقّق في كلا الامتثالين بلا ريب، هذا حكم العقل في المقام.

و أمّا حكم الشرع فالدالّ على الجواز ترك الاستفصال الوارد في النصّ جواباً عن السؤال عن قبلة المتحيّر بالأمر بالصلاة إلى أربع جوانب، و ترك الاستفصال كالإطلاق شامل لصورة إمكان الفحص عن القبلة، و إليك قوله(عليه السلام): «إذا كان ذلك فليصلّ لأربع وجوه»[1].

و ما يمكن أن يكون مانعاً عن القول بالجواز أُمور:

أحدها: الإجماع‌

، و قد حكي على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقّف على تكرار العبادة. و يرد عليه: أنّ دعوى الإجماع موهونة؛ بعدم ذكر أحد من الفقهاء في أبواب العبادات أنّ التكرار من مبطلات العبادة، مضافاً إلى أنّهم أفتوا في بعض المسائل في باب العبادات بالاحتياط بالتكرار.

سلّمنا تحقّق الإجماع، لكن الكلام في تعبّديّته؛ إذ من المحتمل اعتماد المجمعين على بعض الاستحسانات العقليّة التي سنشير إليها، و من المحتمل استناد دعواه إلى السيرة العمليّة الجارية بين المسلمين على الاجتهاد أو التقليد، فهي تقوم على الإعراض عن‌

[1]تهذيب الأحكام، ج 2، ص 45، ح 144؛ الاستبصار، ج 1، ص 295، ح 1085.


صفحه 232

العمل بالاحتياط، لكنّ الإعراض ناشئ عن المشقّة و الصعوبة الموجودة في الاحتياط، فالسيرة خُلقيّة و ليست بشرعيّة محضة.

الثاني: احتمال اشتراط قصد الوجه في العبادة

، و كذا احتمال اشتراط قصد التمييز فيها.

و هذا الاحتمال نشأ من قول بعض أصحابنا بالاشتراط، و قد حكي عن ابن إدريس في مسألة الصلاة في الثوبين المشتبهين أنّه قال: بعدم جواز التكرار للاحتياط حتّى في صورة عدم التمكّن من العلم التفصيلي بالمتنجّس.[1]و ذلك لفوات قصد الوجه المعتبر عنده في العبادات وصفاً أو غاية.

و التحقيق: أنّ اشتراط قصد الوجه في العبادات سيّما فيما تعمّ به البلى محلّ منع؛ لكونه ممّا لا يعتبره العقل، فيجب أن يكون اعتباره من ناحية الشرع، و إذا كان معتبراً في العبادة من قبل الشرع لكونه ممّا يغفل عنه الناس عامّة، فالواجب على الشارع الإعلام بذلك مثل بقيّة الشرائط المعتبرة عنده؛ فإنّ عدم الإخبار مخلّ بمقصوده.

و من المعلوم: أنّ قصد الوجه إذا كان معتبراً شرعاً فليس هناك دواع متوفّرة إلى إخفائه؛ و لذا يكون عدم وصول إعلام من الشارع يكشف عن عدم اشتراطه في العبادة عنده، مضافاً إلى أنّ الإطلاق المقامي في بعض النصوص الواردة في مقام بيان ما يشترط في عامّة العبادات كالنيّة و الإخلاص يدفع احتمال اشتراطه.

و مثله الكلام في قصد التمييز.

الثالث: أنّ في تكرار العبادة فوات نيّة الأمر

؛ لأنّ الفعل يكون حينئذ بداعي احتمال الأمر، لا بداعي نفس الأمر.

و فيه: أوّلًا: أنّه إن أُريد به فوات نيّة الأمر في أحد الفعلين فالمفروض أنّه لا يكتفى به، و إن أُريد به في مجموع الفعلين فقصد ذات الأمر فيها موجود؛ لأنّ الإتيان بهما قد كان بداعي ذات الأمر المعلوم إجمالًا، لا احتماله.

[1]السرائر، ج 1:، ص 184 و 185 (منقول بالمعنى).