بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 247

و أورد عليه بعض الأساطين ب:

أنّه إن كان المراد منها الأدلّة الأوليّة على حجّيّة الفتوى فهي ساقطة في موارد معارضة الفتاوي؛ بناء على ما هو المختار في باب الأمارات من الطريقيّة، و إن كان المراد أدلّة التخيير فقد أشرنا سابقاً إلى أنّه لم يتمّ عندنا دليل على التخيير، لا في باب الأخبار؛ للمناقشة في سند ما دلّ على التخيير من الأخبار العلاجيّة.[1]و لنا في هذا الكلام نظر؛ لما عرفت من شمول أدلّة التقليد لموارد معارضة الفتاوى، و أنّ توهّم عدم الشمول قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الأمارة، و قد عرفت أنّه زعم باطل، و على فرض صحّة هذا التوهم لا وجه للحكم بالسقوط أيضاً؛ لأنّ التكاذب يرتفع بحملهما على المعذّريّة فقط، برفع اليد عن المنجّزيّة من جهة العلم بعدمها، مضافاً إلى أنّه يمكن القول بصحّة الاعتماد على دلالة الأخبار العلاجيّة الحاكمة بالتخيير عند تكافؤ الخبرين، إذن المناقشة مندفعة، و تحقيق الكلام في محلّه.

و من جميع ما ذكرنا ظهر الحال في القول باختيار أحوط القولين إذا كانا متساويين كما احتمله العلامة العراقي في تعليقته الاستدلاليّة[2]، و اختاره بعض الأساطين‌[3]دام ظلّه، و هو القول بالتوقّف في المسألة، و مرجعه إلى القول بعدم الجواز.

[المسألة 12] تقليد الأعلم‌

المسألة 12: يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط، و يجب الفحص عنه.

قد مرّ ما هو مقتضى التحقيق في هذه المسألة، و لنتكلّم حول بعض ما في المتن من التعبير على مسلك القوم، فنقول: أمّا قوله: «يجب تقليد الأعلم» فلا يخل من نظر؛ لأنّ عدم جواز تقليد المفضول عند التمكّن من تقليد الأفضل غير مستلزم للقول بوجوب تقليد الأفضل لإمكان الاحتياط.

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 63.

[2]تعليقة استدلالية، ص 10.

[3]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 63.


صفحه 248

و أمّا ما عن الشيخ الأنصاري من دعوى الإجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامّي فهو غير مستلزم للقول بوجوب تقليد الأعلم. نعم، المستلزم لذلك هو الإجماع على حرمة الاحتياط عليه، و لا إجماع على ذلك، مع أنّ المتيقّن منه هو الاحتياط الواقعي، فلا يمنع من الذهاب إلى اختيار أحوط القولين.

و كذا قوله: «على الأحوط» فلا يخل من نظر أيضاً و إن كان مراده الاحتياط في المسألة الأُصوليّة؛ فإنّه لو كان دليل وجوب تقليد الأعلم تامّاً و فاقداً من الخلل لزم القول بالأقوى، و إن لم يكن خالياً من الخلل فلا وجه لجعل الاحتياط بوجوب الرجوع إلى الأعلم.

و نقول أيضاً: إنّ الماتن إن لم يكن قائلًا بوجود إطلاق في الباب حاكم بالتخيير فيلزم القول بوجوب تقليده على الأقوى، لأعلى الأحوط؛ فإنّ الشكّ في حجّيّة قول المفضول ملازم للحكم بعدم حجّيّته، و إنّ كان قائلًا بوجود إطلاق لزمه القول بعدم وجوب تقليد الأعلم، فلا وجه للاحتياط.

و كذا قوله: «يجب الفحص عنه» لا يخلو من نظر؛ إذ على فرض وجوب تقليد الأعلم لا يجب الفحص عنه أيضاً، لإمكان العمل بفتواه بالأخذ بأحوط الأقوال، و لعلّ الوجه لوجوب الفحص عنده أنّه بعد فرض ثبوت الاختلاف في الفتوى بين المفتين، و بعد فرض عدم جواز تقليد المفضول، فاشتباه الأفضل بغيره اشتباه الحجّة بلا حجّة.

و على هذا، يكون عدم جواز العمل بقول أحدهم قبل الفحص لا يختصّ بصورة العلم بوجود الأعلم، بل يتناول لصورة الشكّ في وجوده أيضاً.

حكم محتمل الأعلميّة

و لا يخفى أنّ حكم محتمل الأعلميّة حكم الأعلم إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم؛ لعموم دلالة بعض الأدلّة المستدلّة عليه، مثل: دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و لأنّ أصالة عدم بلوغه مرتبة الأعلم لا تثبت مساواته مع غيره التي هي الموضوع للحكم‌


صفحه 249

بالتخيير على هذا القول، مع أنّها معارضة بأصالة عدم بلوغ غيره مرتبة التساوي معه، و لا يخفى اختلاف مجاري الأُصول في صورة اختلاف الأحوال السابقة.

و علّق بعض الأساطين على كلام الماتن: «على الأحوط» بقوله: «بل وجوبه مع العلم بالمخالفة و لو إجمالًا فيما تعمّ به البلوى هو الأظهر»[1].

و زيّف دام ظلّه كما في تقريره جميع ما استدلّ به للقول بالوجوب سوى بناء العقلاء، حيث قال:

عمدتها بناء العقلاء على العمل بقول الأعلم إذا اختلف مع غيره في مختلف الأنحاء الشرعيّة و العرفيّة. و استوضح ذلك من مراجعة الناس إلى الأطبّاء إذا كان أحدهم أعلم من الآخرين خالفوه في الرأي، فإنّه جرى عملهم على الأخذ برأيه و ترك رأي الباقين، و لم يثبت ردع من الشرع عن العمل به في الأحكام الشرعيّة.

و عليه فلا ينبغي الشكّ في لزوم العمل بفتوى الأعلم إذا كانت موافقة للاحتياط، و أمّا إذا كانت مخالفة له فالظاهر التخيير بينه و بين فتوى غير الأعلم؛ لبناء العقلاء على الرجوع إلى الأعلم و إن كان رأيه مخالفاً للاحتياط، فتكون فتواه حجّة في هذه الصورة أيضاً، و أمّا جواز العمل بفتوى غير الأعلم فإنّما هو من باب الاحتياط، لا الحجّيّة، فلا يصحّ إسناد الحكم الذي أفتى به إلى الله تعالى و إن كان موافقاً للاحتياط.[2]أقول: قد أشبعنا الكلام سابقاً حول هذه السيرة التي نحلوها إلى العقلاء، فراجع، و نزيدك هنا توضيحاً:

أنّك إذا نظرت إلى سيرتهم الجارية تجد أنّ سيرتهم قائمة على التخيير بين الرجوع إلى أيّ خبير من الخبراء في صورة العلم بوجود من هو الأفضل فيهم.

و من المعلوم: أنّه لو كانت سيرة الناس قائمة على الرجوع إلى أفضل الخبراء دائماً لمات كثير من الخبراء جوعاً؛ فإنّ الأكثريّة تتحقّق من المفضولين.

و إذا أحببت معرفة سيرتهم عند العلم التفصيلي باختلاف الأفضل و المفضول في‌

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 74.

[2]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 79.


صفحه 250

الرأي فاصغ لما نتل عليك، و لها صور ثلاث:

الأُولى: أن يكون كلّ واحد من رأي الأعلم و رأي غيره مخالفاً للاحتياط.

مثلًا أفتى الطبيب الأفضل بتذريق إبرة لعلاج مريض قائلًا: إنّه لو لم يعمل بذلك لهلك المريض، و خطّأ الطبيب المفضول رأي الأفضل قائلًا: إنّ الإبرة مهلكة للمريض، أ تراهم يعملون بقول الأفضل عملًا أعمى؟ كِ، و قد مضى بيان سيرتهم في هذه الحالة.

الثانية: أن لا يكون كلّ واحد من الرأيين مخالفاً للاحتياط.

و قيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى الأفضل في هذه الصورة في جميع فروضها مستلزم لانسداد باب معيشة جميع الخبراء المفضولين من جهة الرجوع إلى الأفضل.

الثالثة: أن يكون أحد الرأيين مخالفاً للاحتياط فقط.

و سيرتهم في هذه الصورة على العمل بما يوافق الاحتياط بلا ترديد، فأين قيام السيرة على العمل برأي الأفضل عند الاختلاف في الرأي؟.

و تحصّل من جميع ذلك عدم وجود سيرة للعقلاء بالرجوع إلى الأفضل عند اختلاف رأيه مع رأي المفضول، و من زعم ذلك فإنّما أخبر عمّا تخيّله، و لم ينظر إلى سيرتهم الخارجيّة الدائرة بينهم حتّى يخبر عنها.

و تحقيق البحث: أنّ العقلاء ليس لهم طريق تعبّدي، فإنّ الطريق عندهم واحد، و هو الذي يفيد الوثوق، و نقصد من الطريق التعبّدي ما يجب العمل به و إن كان غير مفيد للوثوق، فإذا صار رأي الأعلم معارضاً برأي غيره، فإمّا أن تكون إفادته للوثوق باقية أو زائلة، فعلى الأوّل يعملون به، و على الثاني لا يعتدّون به، و إلا يكون طريقاً تعبّدياً، هذا خلف، فليس عندهم قاعدة كلّيّة حاكمة بوجوب الرجوع إلى الأعلم في جميع الأحوال، و لا موضوعيّة لديهم لرأي الأعلم، بل هو عندهم طريق من الطرق.

[المسألة 13] تقديم الأورع‌

المسألة 13: إذا كان هناك مجتهدان متسايان في الفضيلة يتخيّر بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع.


صفحه 251

قد مرّ الكلام مشبعاً في حكم التخيير بين المتساويين في العلم سابقاً فلا نعيد.

و أمّا الوجه في تقديم الأورع على الورع فقد حكي عن المحقّق الثاني دعوى الإجماع عليه‌[1]، و يمكن الاستدلال عليه بقوله(عليه السلام)في خبر داود بن حصين: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفّذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر»[2]، و مثله مقبولة عمر بن حنظلة،[3]و روى أيضاً: بأنّه لا يحلّ الفتيا إلا لمن كان أتبع أهل زمانه برسول الله‌[4]، الحديث، و قال صاحب المستمسك: «و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخير»[5].

أقول: أمّا الإجماع فلدعوى عدم ثبوته مجال، و الشاهد عليها كلام المرتضى في الذريعة.[6]و قد حكيناه سابقاً، و على فرض تسليم ثبوته فالكلام في تعبّديّته.

و أمّا الخبران فقد مرّ بيان اختصاصهما من حيث الدلالة بقاضي التحكيم، فإسراء الحكم منه إلى المفتي مع ما بينهما من الفروق محتاج إلى الدليل.

و أمّا الرواية فمع ما فيها من الإرسال أنّ ظهورها خلاف لأقوال الأئمّة «و سيرتهم؛ إذ لو كانت الفتيا غير جائزة إلا لمن كان أتبع أهل زمانه لرسول الله فكيف كانوا يرشدون إلى رجلين من فقهاء صحابتهم؟! مع أنّ الاستحالة العادية قاضية في المساواة في الورع، مضافاً إلى أنّ الرواية غير معمول بها بين الأصحاب؛ فإنّ كثيراً من الأصحاب قائلون بتقديم الأفضل على الكلّ، و الأورع داخل في المفضّل عليه، فالأولى حملها على تحريض المفتي إلى الورع.

[1]حكاه السيّد الحكيم في المستمسك، ج 1، ص 31؛ راجع دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.

[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 113، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ الفقيه، ج 3، ص 5 ح 17؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 301، ح 843.

[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

[4]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.

[5]المستمسك، ج 1، ص 31.

[6]الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 317.


صفحه 252

و أمّا أصالة التعيين فلا رجحان عند العقل لخبر الأورع على خبر الورع بعد حصول الوثوق من خبر الورع، فلا يدور الأمر بين التعيين و التخيير.

و بعبارة أُخرى: أنّ احتمال التعيين يجب أن يكون ناشئاً ممّا يكون له دخل في الطريقيّة و الإراءة، أو في الحجّيّة، و إلا فلا اعتداد بصرف هذا الاحتمال عند العقل، و من المعلوم، أنّ الأورعيّة ليس لها دخل في أيّهما، مضافاً إلى ما مرّ حول هذا الكلام في البحث عن تقليد الأعلم.

ثمّ إنّ العقلاء غير قائلين باشتراط العدالة و الورع في العمل بقول الخبير، فلا يسألون عن عدالة طبيب أو مقوّم عند قصد الرجوع إليه، نعم، لا يعملون بقول من يساء به الظنّ، و ذلك غير اشتراط العدالة، و الورع فيه، فاشتراط مثل هذا الوصف في المفتي يجب أن يكون من ناحية الشرع، و قد عرفت عدم وصول دلالة من ناحيته في هذا الباب، فالظاهر أنّ إطلاقات الباب حاكمة بالتخيير بين الأورع و غيره.

و اعلم أنّه لا فرق فيما ذكرنا من التخيير بين الأورع و غيره في أن تكون الأورعيّة في مقام العمل الشخصي، أو في مقام الاستنباط، بأن يكون مبالغاً في بذل جهده في الإحاطة بمدارك الحكم، بحيث لم تحصل له الأفضليّة، و إلا فيكون داخلًا تحت عنوان الأفضل.

[المسألة 14] إن لم تكن للأفضل فتوى‌

المسألة 14: إذا لم تكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و إن أمكن الاحتياط.

هذه المسألة مبتنية على القول بوجوب تقليد الأعلم، و عليه فاللازم اشتراط مراعاة الأعلم فالأعلم بين المفضولين، و جملة القول فيها أنّه إذا لم تكن للأعلم في مسألة فتوى و قد صارت محلّا لابتلاء المستفتي فوجود الأعلم في هذه الحالة كالعدم، فإن كان بين المفضولين من هو أفضل من البقيّة فيجب الرجوع إليه إن كان له رأي في تلك المسألة، و إلا فإلى الأفضل بعده فالأفضل؛ لما مرّ من الأدلّة، فإن لم يكن هناك أفضل‌


صفحه 253

فالحال كصورة تعدّد المفتين مع مساواتهم في الفضيلة.

ثمّ إنّ إطلاق المتن لا يخل من إشكال؛ لأنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان عدم فتوى للأعلم من جهة عدم مراجعته للأدلّة، و أمّا إذا كان في صورة مراجعته للأدلّة، و عدم حصول فتوى له من جهة مشاهدته نقصاً في دلالة الأدلّة، إمّا من حيث نفسها، أو من حيث معارض يعارضها، فالرجوع إلى غيره في هذه الصورة محلّ منع؛ لأنّ رأي المفضول حينئذ غير صحيح في نظر الأفضل؛ لأنّه يرى عدم وفاء المدارك بحكم المسألة، و لعلّه لذلك ما كان يجيز العلامة الخراساني الرجوع فيما يقول بالاحتياط إلى غيره‌[1]، و من المعلوم أنّ الاحتياط في الفتوى كثيراً ما يكون من هذا القبيل.

[المسألة 15] تقليد الميّت في مسألة البقاء

المسألة 15: إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحيّ الأعلم في جواز البقاء و عدمه.

لا يجوز تقليد الميّت في مسألة البقاء على تقليده و إن كان العامّي مقلّداً له في المسائل الفرعيّة؛ لأنّ الميّت إن كان رأيه جواز البقاء فجواز تقليده في هذه المسألة مستلزم للدور، و كذلك إن كان رأي الميّت وجوب البقاء فاللازم هو الرجوع إلى الحيّ في نفس هذه المسألة سواء أ كان قائلًا بعدم جواز البقاء، أم بوجوبه، أو بجوازه فإذا بقي على تقليد الميّت بإجازة الحيّ ثمّ مات الحيّ فلا يجوز تقليده أيضاً في هذه المسألة، أمّا بدون إجازة حيّ ثالث فقد مرّ وجهه، و أمّا بعد الرجوع إلى حيّ ثالث، فإن توافق رأياهما بحسب المدلول سعة و ضيقاً، أو كان رأي الثالث أوسع مدلولًا، فلا ثمرة في الرجوع إلى الثاني في هذه المسألة بعد الرجوع إلى الثالث؛ فإنّه كضمّ الحجر إلى الإنسان.

[1]كفاية الأُصول، ص 542.


صفحه 254

نعم، إذا كان رأي الثاني أوسع مدلولًا كما لو كان مجوّزاً للبقاء فيما عمل، و فيما لم يعمل، و كان الثالث مجوّزاً للبقاء فيما عمل فقط، و المفروض عمل العامّي برأي الثاني في هذه المسألة، فيرجع العامّي إلى الثاني بعد رجوعه إلى الثالث، و يبقى على تقليده للأوّل فيما عمل به و فيما لم يعمل به. هذا كلّه إذا كان الثاني و الثالث متّفقين في الحكم التكليفي بالبقاء. و أمّا إذا كانا مختلفين فيه بأن كان رأي أحدهما وجوب البقاء و رأي الآخر جوازه، فالمرجع هو رأي الثالث؛ فإن رأي الثاني قد سقط عن الحجّيّة بواسطة اختلافه عن رأي الثالث، لأنّ حجّيّته قد أتت بدلالة من رأي الثالث، و الدليل لا يقوم على أمر يوجب إثبات ذلك الأمر انتفاء دلالة الدليل، و انتفاء دلالته مستلزم لعدم حجّيّة رأي الثاني، فإنّ الدلالة على حجّيّته صارت منتفية.

مثلًا: إذا كان رأي الثاني وجوب البقاء، و رأي الثالث الجواز، فلا أثر عمليّاً لتقليده بعد الرجوع إلى الثالث؛ لكون الرجوع إلى الحيّ جائزاً بسبب رأي الثالث، و إن كان رأي الثالث وجوب البقاء فالواجب على المقلّد هو البقاء على تقليده و إن كان الثاني مفتياً بجواز البقاء؛ لأنّ حجّيّة رأي الثاني مشروطة بعدم تنافيه لرأي الثالث الذي تقوم حجّيّة رأي الثاني عليه، و قد تقرّر أنّ الحجّة لا تقوم على أمر يوجب انسلابها عن الحجّيّة.

[المسألة 16] الجاهل المقصّر و القاصر

المسألة 16: عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل و إن كان مطابقاً للواقع، و أمّا الجاهل القاصر أو المقصّر الذي كان غافلًا حين العمل، و حصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحاً، و الأحوط مع ذلك مطابقته، لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

ينبغي تقديم أُمور لعلّها تفيدنا في البحث عن هذه المسألة:

الأوّل: الظاهر أنّ المراد من قوله: «عمل الجاهل المقصّر» هو عباداته‌

بقرينة لفظ البطلان؛ فإنّه كثير الدوران في ألسنتهم، و يستعمل فيما لا يصحّ من العبادات، كما أنّ‌