الاجتهاد
قيمة الاجتهاد
إنّ الإسلام شريعة صالحة لكلّ زمان و مكان، فهو الدين عند الله دون سواه، و هو دين البشريّة لا غير، دين متكفّل للحياة السعيدة للإنسان، فرده و مجتمعه.
و إنّ للإسلام في كلّ شيء نظر، و لكلّ موضوع حكم، فما من فعل أو قول يصدر من مكلّف إلا و للإسلام له حكم من الأحكام. و للإسلام أحكام إرشاديّة سمحة سهلة بل كلّ أحكامه سمحة سهلة.
و أحكام الإسلام على أصناف: تكليفيّة أو وضعيّة، واقعيّة أو ظاهريّة، مولوّية أو إرشاديّة، نفسيّة أو غيريّة.
و لمّا كانت أعمال الناس و أقوالهم غير محدودة، و وجوه تصرّفاتهم غير متصوّرة، بل هي متجدّدة بتجدّد الأفكار و الأزمان، مختلفة باختلاف البقاع و الأقوام، فقد يحدث موضوع لحكم في جيل جديد ما لم ير مثله في جيل بائت.
و قد يخلق قوم أعمالًا لم يطّلع عليها قوم آخرون، و حينئذ تظهر صلاحيّة هذا الدين لكلّ زمان و مكان، فإنّ فقهاء المسلمين من كلّ عصر، و المفتين منهم من كلّ جيل يستقبلون كلّ حادثة تتجدّد، و كلّ قضيّة تعرض، و يستخرجون حكمها من الأدلّة في إطار الأُصول المحكمة التي هي أساس الشريعة، و يدخلون بالفقه الإسلامي كلّ مجال، يطرقون به كلّ باب، و يحملون عليه الأُمّة الإسلاميّة حملًا، لا بالقوّة و لا بالثورة، بل بالجهاد و الإرشاد، و بالإقناع و التوجيه، و بإبراز محاسنه للفرد و المجتمع،
و بالتخلّص من الجمود و التعصّب.
و لعلّ ذلك هو المقصود من دعوى صلاحيّة هذا الدين القويم الصراط المستقيم لجميع الأعوام و الأقوام، و يتجلّى للناس فضل الفقه الإسلامي، و سعة أُفقه، و مدى طواعيّته، و حسن تقبّله لكلّ ما يفيد المجتمع الإنساني مدى الدهور و الأحقاب.
ذلك قيمة الاجتهاد، و هذا قيمة المجتهد، و ما أغلى هذا الثمن فهو المنفّذ لما يضمن سعادة الإنسان و كرامته، فلا ثمن أغلى منه و إن غلا.
إنّ الاجتهاد أهمّ موضوع حي له صلة وثيقة بالفقه الإسلامي؛ لأنّ عليه يترتّب أهمّ وصف يوصف به فقه الإسلام من حيث صلاحيّته لكفالة الحياة السعيدة لجميع أولاد آدم في كلّ عصر و زمان.
الاجتهاد عند الشيعة و السنّة
الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة عبارة عن: استقصاء طرق كشف الأحكام من الكتاب و السنّة، فهو استنباط الفروع من الأُصول المأثورة في الدين. و قد بني الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة على قاعدتين: الكتاب و السنّة: و السنّة محكيّة بواسطة الأئمّة المعصومين من أهل البيت «، أو بنقل ثقات صحابة النبي كلامه أو فعله أو تقريرهُ، و أمّا الإجماع عندنا معاشر الإماميّة فليس بحجّة مستقلّة تجاه السنّة، بل يعدّ حاكياً لها؛ إذ منه يستكشف رأي المعصومين «، و لذا تختصّ حجّيّة الإجماع بالمسائل الأصليّة المتلقّاة من المعصومين(عليه السلام)دون المسائل التفريعيّة التي احتاج الاجتهاد فيها إلى إعمال رويّة و فكر؛ و ذلك معنى تعبّديّة الإجماع عندنا.
قال الفقيه الهمداني(قده)في مصباح الفقيه:
إنّ المدار على حجّيّة الإجماع على ما استقرّ عليه رأي المتأخّرين ليس على اتّفاق الكلّ، بل و لا على اتّفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة، و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد
فربّ مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام(عليه السلام)و إن اتّفقت فيها آراء جميع الأعلام، كبعض المسائل المبتنية على مبادئ عقليّة، أو نقليّة القابلة للمناقشة، و ربّ مسألة يحصل فيها الجزم بالموافقة و لو من الشهرة[1].
و أمّا العقل عند الشيعة الإماميّة فهو الحاكم في مقام امتثال الأحكام الشرعيّة، و ليس بحاكم في مقام التشريع نعم، قد يصير حكم العقل طريقاً عندهم إلى معرفة حكم الشرع.
و أمّا الاجتهاد عند أهل السنّة فهو أصل مستقلّ تجاه الكتاب و السنّة، و لذا جعل البحث عنه في كتبهم في أُصول الفقه في فصل مستقلّ.
إنّ أهل السنّة لمّا لم يقولوا بإمامة الأئمّة الاثني عشر المعصومين «، و حجّيّة أقوالهم، و لم تكن الأخبار النبويّة الموجودة عندهم كافية لبيان جميع الأحكام الفقهيّة، حداهم الاحتياج في استنباط أحكام الحوادث الواقعة إلى القول بحجّيّة القياس. و لمّا لم يف القياس بها لجأوا إلى الاستحسانات العقليّة، و إلى الحكم على طبق ما يرونه من المصالح و المفاسد الظنّيّة.
و من المعلوم: لو صار باب هذا الاجتهاد منفتحاً لجاز دخول كلّ شيء في الدين، و لله درّ من سدّ باب هذا الاجتهاد.
و أمّا الإجماع عندهم فهو أصل أقوى من الاجتهاد، و هو أيضاً دليل مستقلّ تجاه القرآن الحكيم، و سنّة النبي الكريمُ، فهم يستندون له إلى ما روي عنهُ: «لن تجتمع أُمّتي على الخطإ»[2]و يفسّرون الإجماع باتّفاق المجتهدين من هذه الأُمّة في عصر على أمر من الأُمور.
ثمّ إنّ إطلاق النصّ شامل لجميع الأُمّة، فلا يختصّ بالمجتهدين منهم، كما أنّ إطلاق الأُمّة يعمّ جميع الطوائف الإسلاميّة، فلا يختصّ بأهل السنّة منهم. و الشيعة الإماميّة
[1]مصباح الفقيه، ج 2، ص 436.
[2]مجمع الزوائد، ج 5، ص 218.
يقولون بحجّيّة مثل هذا الإجماع؛ لأنّ المعصوم داخل في الأُمّة.
الاجتهاد بحسب اللغة
إنّ البحث عن الاجتهاد قد يقع في معناه اللّغوي، و قد يقع في معناه الاصطلاحي الذي هو المقصود في هذا الباب، و لكن لمّا كان البحث عن المعنى اللغوي لا يخلو من الفائدة فقد بدأنا البحث عنه أوّلًا.
قال ابن الأثير: الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد و الطاقة. و قال: الجهد بالضمّ: الوسع و الطاقة، و بالفتح: المشقّة.[1]و قال الفيّومي:
الجهد بالضمّ في الحجاز، و بالفتح في غيرهم: الوسع و الطاقة، و قيل: المضموم: الطاقة، و المفتوح: المشقّة. و قال: اجتهد في الأمر: بذل وسعه و طاقته في طلبه ليبلغ مجهوده، و يصل إلى نهايته.[2]أقول: قوله: «قيل: المضموم» لعلّه ناظر إلى تفسير ابن الأثير.
و قال في أقرب الموارد: «الاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل أمر مستلزم للكلفة.»[3]تقول: اجتهد في حمل الحجر، و لا تقول: اجتهد في حمل الخردلة. و قال: الجهد بالفتح: مصدر جهد: الطاقة، يقال: أفرغ جهده أي طاقته، و المشقّة يقال: أصاب جهداً أي مشقّة. و الجهد بالضمّ: الطاقة.
و قال العلائلي في مرجعه:
الاجتهاد مصدر بذل غاية الوسع، و أقصاه في نيل المقصود، و لا يستعمل إلا فيما فيه كلفة و مشقّة.
[1]النهاية، ج 1، ص 319، (جهد).
[2]المصباح، ج 1، ص 138، (جهد).
[3]أقرب الموارد، ج 1، ص 114، (جهد).
أقول: ظاهر كلام هؤلاء الذين هم أئمّة اللغة أنّ الاجتهاد مأخوذ من الجهد الذي بمعنى الوسع و الطاقة، سواء أ كان بالفتح أم بالضمّ، و لم يقل أحد منهم إنّ الاجتهاد من الجهد الذي بمعنى المشقّة، كما أن كلّ من فسّر منهم الاجتهاد فسّره ببذل الوسع في طلب أمر، و لم يفسّره بتحمّل المشقّة.
فظهر الفساد فيما ذكره العلامتان: الخراساني، و العراقي من المعنى اللغوي للاجتهاد في الكفاية، و في المقالات.
فقد قال الأوّل: الاجتهاد لغة تحمّل المشقّة، و قال الثاني: الاجتهاد مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة.
و يرد عليهما أيضاً: أنّ المستفاد من كلام هؤلاء اللغويّين أنّ نحواً من الطلب داخل في مفهوم الاجتهاد اللغوي، فلا ينطبق على مطلق تحمّل المشقّة و إن كان يقارنه كثيراً.
الاجتهاد بحسب الاصطلاح
و قد عرّف الاجتهاد عند القوم بتعريفات:
منها ما حكي عن ابن الحاجب و هو «استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي»[1].
أقول: هذا المعنى و إن يناسب المعنى اللغوي للاجتهاد، لكنّه لا يناسب المعنى المصطلح عليه عند الكلّ، فإنّ الإماميّة غير قائلين بحجّيّة الظنّ مطلقاً من أي طريق حصل سواء أ كان في حال التمكّن من تحصيل العلم و انفتاح بابه، أم في حال عدم التمكن منه و انسداد بابه.
لكنّ المحقّق الخراساني قد كمّل هذا التعريف على مذهب الإماميّة أيضاً، فقال في الكفاية: «الأولى تبديل الظنّ بالحكم عليه»[2]فيفيد أنّ الاجتهاد بالمعنى المصطلح عند الكلّ هو استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.
قال(قده):
فإنّ المناط فيه هو تحصيلها قوّة أو فعلًا لا تحصيل الظنّ بما أنّه ظنّ، حتّى عند القائلين بحجّيته مطلقاً، أو بعض الخاصّة القائل بها عند انسداد باب العلم بالأحكام، فإنّ الظنّ بنحو الإطلاق عند الأوّلين، أو في حال الانسداد عند الثاني من أفراد الحجّة، و لهذا لا شبهة في عدّ استفراغ الوسع في تحصيل غير الظنّ من أفراد الحجّة اجتهاداً أيضاً، سواء أ كان ذلك الغير من قبيل العلم بالحكم أم غيره ممّا اعتبر من الطرق التعبّديّة التي لا يفيد الظنّ و لو نوعاً.[1]انتهى مع تحرير في كلامه.
و يرد على هذا التعريف أنّه أعمّ من المعرّف؛ لشموله الاستفراغ الذي يستعمله غير صاحب الملكة في تحصيل الحجّة، مع أنّ الاجتهاد متقوّم بالملكة.
و منها: ما حكي عن شيخنا البهائي من: «أنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلًا، أو قوّة قريبة».
أقول: هذا التعريف غير مبيّن لحقيقة الاجتهاد؛ إذ الاجتهاد ليس نفس الملكة، و إلا لكان إضافة الملكة إلى الاجتهاد بيانيّة، و الحال أنّ إضافة الملكة إلى الاجتهاد كإضافتها إلى صفات العدالة، و السخاوة، و الشجاعة، و نحوها، مضافاً إلى أنّه لا يصدق على من حصلت له هذه الملكة العناوين الواردة في النصوص مثل قوله(عليه السلام): «من عرف أحكامنا، و نظر في حلالنا، و حرامنا[2]» فإنّ الظاهر من الملكة أنّه أمر بالقوّة، و لذلك قال: «يقتدر بها» و ظاهر النصّ أنّ العارف بالأحكام، و الناظر في الحلال و الحرام أمر بالفعل.
فالتعريف المقبول: أنّ الاجتهاد: استخراج الحكم من الحجّة ناشئاً عن الملكة.
و قد عرفت أنّ نحواً من الطلب داخل في مفهوم الاجتهاد اللغوي.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 422.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 300، الباب 31 من أبواب كيفيّة الحكم، ح 2. مع اختلاف يسير.
ثمّ اعلم أنّ ملكة الاجتهاد تفارق سائر الملكات في شيء، و هو إمكان حصول تلك الملكات بالمداومة على الأفعال التي تنشأ منها؛ فإنّ الشجاعة قد تأتي من التشجّع، و السخاوة قد تأتي من التسخّي، لكن ملكة الاجتهاد لا تحصل إلا بمعرفة العلوم التي يتوقّف عليها حصول هذه الملكة.
و عرّفه المدقق الأصفهاني في تعليقته على الكفاية:
أنّه استنباط الحكم من دليله، قال(قده): و هو لا يكون إلا عن ملكة، فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة، و هو موضوع الأحكام باعتبار انسياق الفقيه، و العارف بالأحكام إليه، ثمّ قال: و هذه الملكة تحصل دائماً بسبب معرفة العلوم التي يتوقّف عليها الاستنباط، و ليست ملكة الاستنباط إلا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم، و ليست بقوّة أُخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة؛ فإنّ الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع في تحصيل الحجّة على الحكم ممكن الحصول للعالم و الفاسق، و المؤمن و المنافق[1].
أقول: و هو كلام حسن.
ثمّ إنّه لا وجه لتأبّي علمائنا الأخباريّين عن لفظ الاجتهاد بما ذكرنا له من المعنى؛ إذ لو لم يكن الاجتهاد لانسدّ باب معرفة الأحكام في غير الضروريات من الدين.
نعم، لهم الإباء عن حجّيّة بعض ما يقوله المجتهدون بحجّيّته، و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد، و على هذا يصير النزاع بين الأخباري و الأُصولي صغرويّاً و ليس بكبروي فإنّ النزاع في الصغرى واقع بين الأخباريين أنفسهم، كما يقع مثل ذلك بين الأُصوليّين كثيراً.
و لعلّ مخالفة العالم الأخباري مع العالم الأُصولي من جهة الاختلاف في مفهوم الاجتهاد لا في مصداقه و حقيقته، فقد زعم الأخباري أنّ الأُصولي يقصد من الاجتهاد استخراج الحكم من القياس و الاستحسان، مع أنّ الإماميّة كلا لا يقولون بذلك.
[1]نهاية الدراية، ج 6، ص 363.
علم الاجتهاد
إنّ الاجتهاد هو الغاية لعلم أُصول الفقه الذي هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة، فلا يصير البحث عن الاجتهاد داخلًا في مباحث أُصول الفقه، و إلا لزم دخول البحث عن الغاية في البحث عن المغيّا.
و لمّا كان الاجتهاد من الموضوعات الخارجيّة، و أنّه ليس بحكم شرعي فلا يكون البحث عنه داخلًا في مباحث علم الفقه؛ فإنّه العلم بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.
ثمّ إنّ البحث عن الاجتهاد ليس من مباحث علم أُصول الدين؛ لأنّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الفرعي من الحجّة، و أين هذا من ذاك؟ فالبحث عن الاجتهاد علم مستقلّ من العلوم الإسلاميّة، و ليس من مباحث الفقه، و لا من مباحث أُصول الفقه، و لا من مباحث أُصول الدين.
و بما ذكرنا تبيّن الحال في البحث عن التقليد أيضاً، فإنّه غير داخل في أبحاث أُصول الفقه؛ لما عرفت و ستعرف كما أنّه ليس بداخل في مباحث علم الفقه الذي موضوعه فعل المكلف، فإنّ التقليد ليس نفس فعل المكلّف و إنّما هو من العوارض الطارئة لفعله، و ليس البحث عن التقليد من مباحث أُصول الدين، و إن قيل يجوز التقليد فيها، فإنّ التقليد في الأُمور الاعتقاديّة من قبيل الحجّة و البرهان لها، و ليس منها، فالبحث عن التقليد أيضاً علم مستقلّ من العلوم الإسلاميّة.
الاجتهاد واجب كفائي
الاجتهاد واجب كفائي في الإسلام، فإذا أقامه البعض سقط الوجوب عن الباقين، و إن لم يقم به أحد أثم المسلمون جميعاً في ذلك العصر الذي لا يوجد فيه مجتهد. و الحجّة على وجوبه الكفائي قوله تعالى:فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا