الرأي فاصغ لما نتل عليك، و لها صور ثلاث:
الأُولى: أن يكون كلّ واحد من رأي الأعلم و رأي غيره مخالفاً للاحتياط.
مثلًا أفتى الطبيب الأفضل بتذريق إبرة لعلاج مريض قائلًا: إنّه لو لم يعمل بذلك لهلك المريض، و خطّأ الطبيب المفضول رأي الأفضل قائلًا: إنّ الإبرة مهلكة للمريض، أ تراهم يعملون بقول الأفضل عملًا أعمى؟ كِ، و قد مضى بيان سيرتهم في هذه الحالة.
الثانية: أن لا يكون كلّ واحد من الرأيين مخالفاً للاحتياط.
و قيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى الأفضل في هذه الصورة في جميع فروضها مستلزم لانسداد باب معيشة جميع الخبراء المفضولين من جهة الرجوع إلى الأفضل.
الثالثة: أن يكون أحد الرأيين مخالفاً للاحتياط فقط.
و سيرتهم في هذه الصورة على العمل بما يوافق الاحتياط بلا ترديد، فأين قيام السيرة على العمل برأي الأفضل عند الاختلاف في الرأي؟.
و تحصّل من جميع ذلك عدم وجود سيرة للعقلاء بالرجوع إلى الأفضل عند اختلاف رأيه مع رأي المفضول، و من زعم ذلك فإنّما أخبر عمّا تخيّله، و لم ينظر إلى سيرتهم الخارجيّة الدائرة بينهم حتّى يخبر عنها.
و تحقيق البحث: أنّ العقلاء ليس لهم طريق تعبّدي، فإنّ الطريق عندهم واحد، و هو الذي يفيد الوثوق، و نقصد من الطريق التعبّدي ما يجب العمل به و إن كان غير مفيد للوثوق، فإذا صار رأي الأعلم معارضاً برأي غيره، فإمّا أن تكون إفادته للوثوق باقية أو زائلة، فعلى الأوّل يعملون به، و على الثاني لا يعتدّون به، و إلا يكون طريقاً تعبّدياً، هذا خلف، فليس عندهم قاعدة كلّيّة حاكمة بوجوب الرجوع إلى الأعلم في جميع الأحوال، و لا موضوعيّة لديهم لرأي الأعلم، بل هو عندهم طريق من الطرق.
[المسألة 13] تقديم الأورع
المسألة 13: إذا كان هناك مجتهدان متسايان في الفضيلة يتخيّر بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع.
قد مرّ الكلام مشبعاً في حكم التخيير بين المتساويين في العلم سابقاً فلا نعيد.
و أمّا الوجه في تقديم الأورع على الورع فقد حكي عن المحقّق الثاني دعوى الإجماع عليه[1]، و يمكن الاستدلال عليه بقوله(عليه السلام)في خبر داود بن حصين: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفّذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر»[2]، و مثله مقبولة عمر بن حنظلة،[3]و روى أيضاً: بأنّه لا يحلّ الفتيا إلا لمن كان أتبع أهل زمانه برسول الله[4]، الحديث، و قال صاحب المستمسك: «و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخير»[5].
أقول: أمّا الإجماع فلدعوى عدم ثبوته مجال، و الشاهد عليها كلام المرتضى في الذريعة.[6]و قد حكيناه سابقاً، و على فرض تسليم ثبوته فالكلام في تعبّديّته.
و أمّا الخبران فقد مرّ بيان اختصاصهما من حيث الدلالة بقاضي التحكيم، فإسراء الحكم منه إلى المفتي مع ما بينهما من الفروق محتاج إلى الدليل.
و أمّا الرواية فمع ما فيها من الإرسال أنّ ظهورها خلاف لأقوال الأئمّة «و سيرتهم؛ إذ لو كانت الفتيا غير جائزة إلا لمن كان أتبع أهل زمانه لرسول الله فكيف كانوا يرشدون إلى رجلين من فقهاء صحابتهم؟! مع أنّ الاستحالة العادية قاضية في المساواة في الورع، مضافاً إلى أنّ الرواية غير معمول بها بين الأصحاب؛ فإنّ كثيراً من الأصحاب قائلون بتقديم الأفضل على الكلّ، و الأورع داخل في المفضّل عليه، فالأولى حملها على تحريض المفتي إلى الورع.
[1]حكاه السيّد الحكيم في المستمسك، ج 1، ص 31؛ راجع دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 113، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ الفقيه، ج 3، ص 5 ح 17؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 301، ح 843.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.
[4]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.
[5]المستمسك، ج 1، ص 31.
[6]الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 317.
و أمّا أصالة التعيين فلا رجحان عند العقل لخبر الأورع على خبر الورع بعد حصول الوثوق من خبر الورع، فلا يدور الأمر بين التعيين و التخيير.
و بعبارة أُخرى: أنّ احتمال التعيين يجب أن يكون ناشئاً ممّا يكون له دخل في الطريقيّة و الإراءة، أو في الحجّيّة، و إلا فلا اعتداد بصرف هذا الاحتمال عند العقل، و من المعلوم، أنّ الأورعيّة ليس لها دخل في أيّهما، مضافاً إلى ما مرّ حول هذا الكلام في البحث عن تقليد الأعلم.
ثمّ إنّ العقلاء غير قائلين باشتراط العدالة و الورع في العمل بقول الخبير، فلا يسألون عن عدالة طبيب أو مقوّم عند قصد الرجوع إليه، نعم، لا يعملون بقول من يساء به الظنّ، و ذلك غير اشتراط العدالة، و الورع فيه، فاشتراط مثل هذا الوصف في المفتي يجب أن يكون من ناحية الشرع، و قد عرفت عدم وصول دلالة من ناحيته في هذا الباب، فالظاهر أنّ إطلاقات الباب حاكمة بالتخيير بين الأورع و غيره.
و اعلم أنّه لا فرق فيما ذكرنا من التخيير بين الأورع و غيره في أن تكون الأورعيّة في مقام العمل الشخصي، أو في مقام الاستنباط، بأن يكون مبالغاً في بذل جهده في الإحاطة بمدارك الحكم، بحيث لم تحصل له الأفضليّة، و إلا فيكون داخلًا تحت عنوان الأفضل.
[المسألة 14] إن لم تكن للأفضل فتوى
المسألة 14: إذا لم تكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و إن أمكن الاحتياط.
هذه المسألة مبتنية على القول بوجوب تقليد الأعلم، و عليه فاللازم اشتراط مراعاة الأعلم فالأعلم بين المفضولين، و جملة القول فيها أنّه إذا لم تكن للأعلم في مسألة فتوى و قد صارت محلّا لابتلاء المستفتي فوجود الأعلم في هذه الحالة كالعدم، فإن كان بين المفضولين من هو أفضل من البقيّة فيجب الرجوع إليه إن كان له رأي في تلك المسألة، و إلا فإلى الأفضل بعده فالأفضل؛ لما مرّ من الأدلّة، فإن لم يكن هناك أفضل
فالحال كصورة تعدّد المفتين مع مساواتهم في الفضيلة.
ثمّ إنّ إطلاق المتن لا يخل من إشكال؛ لأنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان عدم فتوى للأعلم من جهة عدم مراجعته للأدلّة، و أمّا إذا كان في صورة مراجعته للأدلّة، و عدم حصول فتوى له من جهة مشاهدته نقصاً في دلالة الأدلّة، إمّا من حيث نفسها، أو من حيث معارض يعارضها، فالرجوع إلى غيره في هذه الصورة محلّ منع؛ لأنّ رأي المفضول حينئذ غير صحيح في نظر الأفضل؛ لأنّه يرى عدم وفاء المدارك بحكم المسألة، و لعلّه لذلك ما كان يجيز العلامة الخراساني الرجوع فيما يقول بالاحتياط إلى غيره[1]، و من المعلوم أنّ الاحتياط في الفتوى كثيراً ما يكون من هذا القبيل.
[المسألة 15] تقليد الميّت في مسألة البقاء
المسألة 15: إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحيّ الأعلم في جواز البقاء و عدمه.
لا يجوز تقليد الميّت في مسألة البقاء على تقليده و إن كان العامّي مقلّداً له في المسائل الفرعيّة؛ لأنّ الميّت إن كان رأيه جواز البقاء فجواز تقليده في هذه المسألة مستلزم للدور، و كذلك إن كان رأي الميّت وجوب البقاء فاللازم هو الرجوع إلى الحيّ في نفس هذه المسألة سواء أ كان قائلًا بعدم جواز البقاء، أم بوجوبه، أو بجوازه فإذا بقي على تقليد الميّت بإجازة الحيّ ثمّ مات الحيّ فلا يجوز تقليده أيضاً في هذه المسألة، أمّا بدون إجازة حيّ ثالث فقد مرّ وجهه، و أمّا بعد الرجوع إلى حيّ ثالث، فإن توافق رأياهما بحسب المدلول سعة و ضيقاً، أو كان رأي الثالث أوسع مدلولًا، فلا ثمرة في الرجوع إلى الثاني في هذه المسألة بعد الرجوع إلى الثالث؛ فإنّه كضمّ الحجر إلى الإنسان.
[1]كفاية الأُصول، ص 542.
نعم، إذا كان رأي الثاني أوسع مدلولًا كما لو كان مجوّزاً للبقاء فيما عمل، و فيما لم يعمل، و كان الثالث مجوّزاً للبقاء فيما عمل فقط، و المفروض عمل العامّي برأي الثاني في هذه المسألة، فيرجع العامّي إلى الثاني بعد رجوعه إلى الثالث، و يبقى على تقليده للأوّل فيما عمل به و فيما لم يعمل به. هذا كلّه إذا كان الثاني و الثالث متّفقين في الحكم التكليفي بالبقاء. و أمّا إذا كانا مختلفين فيه بأن كان رأي أحدهما وجوب البقاء و رأي الآخر جوازه، فالمرجع هو رأي الثالث؛ فإن رأي الثاني قد سقط عن الحجّيّة بواسطة اختلافه عن رأي الثالث، لأنّ حجّيّته قد أتت بدلالة من رأي الثالث، و الدليل لا يقوم على أمر يوجب إثبات ذلك الأمر انتفاء دلالة الدليل، و انتفاء دلالته مستلزم لعدم حجّيّة رأي الثاني، فإنّ الدلالة على حجّيّته صارت منتفية.
مثلًا: إذا كان رأي الثاني وجوب البقاء، و رأي الثالث الجواز، فلا أثر عمليّاً لتقليده بعد الرجوع إلى الثالث؛ لكون الرجوع إلى الحيّ جائزاً بسبب رأي الثالث، و إن كان رأي الثالث وجوب البقاء فالواجب على المقلّد هو البقاء على تقليده و إن كان الثاني مفتياً بجواز البقاء؛ لأنّ حجّيّة رأي الثاني مشروطة بعدم تنافيه لرأي الثالث الذي تقوم حجّيّة رأي الثاني عليه، و قد تقرّر أنّ الحجّة لا تقوم على أمر يوجب انسلابها عن الحجّيّة.
[المسألة 16] الجاهل المقصّر و القاصر
المسألة 16: عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل و إن كان مطابقاً للواقع، و أمّا الجاهل القاصر أو المقصّر الذي كان غافلًا حين العمل، و حصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحاً، و الأحوط مع ذلك مطابقته، لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.
ينبغي تقديم أُمور لعلّها تفيدنا في البحث عن هذه المسألة:
الأوّل: الظاهر أنّ المراد من قوله: «عمل الجاهل المقصّر» هو عباداته
بقرينة لفظ البطلان؛ فإنّه كثير الدوران في ألسنتهم، و يستعمل فيما لا يصحّ من العبادات، كما أنّ
الاصطلاح عندهم هو الفساد فيما لا يصحّ من العقد و الإيقاعات، و يشهد لما استظهرناه من كلامه قوله: «و حصل منه قصد القربة.»
الثاني: أنّ المقصود من الجاهل المقصّر
من كان ملتفتاً إلى أنّه مكلّف بتكاليف لكنّه لم يتعلّم تلك التكاليف تهاوناً، و المقصود من الجاهل القاصر من لم يكن ملتفتاً إلى تكاليفه.
الثالث: أنّ الملحوظ في هذه المسألة مطابقة عمل الجاهل للواقع أو لفتوى المجتهد
، بخلاف «مسألة 7» فإنّه لم يلحظ فيها هذه الخصوصيّة، فهذه المسألة أخصّ مدلولًا من تلك، على أنّه قد فصّل هنا بين مصاديق الجاهل بخلافه هناك، فقد تكلّم فيها بنحو الإجمال.
إذا تبيّنت الأُمور الثلاثة فنقول: إنّ البحث في هذه المسألة مشتمل على جهتين:
الجهة الأُولى: في حكم عمل الجاهل المقصّر الملتفت إلى جهله
. و قد اختار فيه البطلان، و ما يمكن أن يحتجّ به على هذا القول أُمور:
منها: الإجماع.
و فيه: أنّ المسألة ممّا يمكن أن يكون العقل فيها حاكماً، فلا مجال لدعوى تعبّديّة الإجماع، أُضيف إلى ذلك أنّ ثبوت أصل الاتّفاق غير معلوم.
سلّمنا ثبوت الاتّفاق، و سلمنا ثبوت تعبّديّته، لكن المتيقّن منه عدم جواز اكتفاء الجاهل بعمله.
و أمّا عدم صحّته واقعاً فلا دلالة عليه.
و منها: عدم تمشّي قصد القربة من الجاهل المقصّر.
فإنّ الشاكّ في مقرّبيّة شيء كيف يمكنه التقرّب به إلا على وجه التشريع؟.
و فيه: أنّ الشاكّ في مقرّبيّة شيء لا يمكنه التقرّب به على الوجه اليقيني، و أمّا على الوجه الاحتمالي فهو قادر عليه؛ إذ يكفي في صحّة العبادة بعد المطابقة إتيان الفعل برجاء كونه عبادة؛ لأنّ العقل لا يشترط في مقام الامتثال أكثر من ذلك، نعم، لا يجوز له الاكتفاء بالعمل ما لم تتبيّن له الصحّة؛ لأنّها تدور مدار المطابقة لكونها أمراً
ثبوتيّاً، بخلاف الاكتفاء فإنّه أمر إثباتي يدور مدار قيام الحجّة على الصحّة، مضافاً إلى أنّ الجاهل قد يحصل له القطع بصحّة عمله كما نشاهد كثيراً.
و منها؛ ما ذكره الشيخ الأنصاري في التنبيه الثاني من تنبيهات البحث عن الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة في رسالة البراءة:
و هو أنّ من قصد الاقتصار على أحد الفعلين فهو ليس بقاصد لامتثال الواجب الواقعي على كلّ تقدير، نعم، هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل للواقع، لا مطلقاً، و هذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبّد بها.[1]ثمّ قال(قده): «ما علم فيه ثبوت التعبّد بأحد الأمرين، فإنّه لا بدّ فيه من الجزم بالتعبّد»[2].
أقول: إنّ اشتراط الجزم بالتعبّد في عباديّة العبادة ممنوع، فإنّ المعتبر فيها بعد المطابقة كون الداعي لإتيان الفعل هو المولى فقط، فمن يكون قاصداً للامتثال على تقدير مطابقة هذا المحتمل يكون عمله صحيحاً إذا طابق الواقع؛ إذ العقل لا يعتبر في الامتثال أكثر من ذلك، و إذا كان أمر معتبر في الامتثال أكثر من ذلك فيجب أن يكون من قبل الشرع؛ إذ للشارع حقّ التصرّف في مقام امتثال أو أمره و نواهيه، و من المعلوم أنّه لم يرد شيء في ذلك من الشرع، و لو كان لبان، فعدم وروده كاشف عن عدم اشتراط شيء زائد على ما يراه العقل عند الشرح في تحقّق الامتثال.
و منها: أنّ الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بفرد من الأفراد مستلزم للإخلال بقصد الخلوص، فلو كان الداعي للامتثال نفس الأمر لكان أتياً بجميع محتملات المأمور به، و ذلك كاشف عن أنّ الداعي مركّب من الأمر و من تعلّقه بمورد خاصّ، و هو مضرّ بالعبادة كما لا يخفى، و فيه:
أوّلًا: بعد كون المفروض مطابقة الفعل للواقع، فالامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمأتي به امتثال للأمر المتوجّه نحوه بلا ضميمة، فهذا الجاهل لم يقصد شيئاً زائداً على
[1]فرائد الأُصول، ج 2، ص 455.
[2]فرائد الأُصول، ج 2، ص 455.
الأمر المتوجّه نحوه، فلم يكن الداعي مركّباً.
و ثانياً: أنّ الامتثال الاحتمالي برجاء كون الفعل هو المأمور به شيء، و الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بفرد مخصوص شيء آخر، و هو قاصد للأوّل دون الثاني، فإنّ نفي الفرد الآخر مقوّم للقصد في الثاني، و ليس بمقوّم لامتثال الاحتمال الرجائي في الأوّل، و الفرق واضح.
فظهر ممّا ذكرنا صحّة عمل الجاهل المقصّر إذا أتى بفعل برجاء المطابقة للواقع و طابق الواقع، و قد مرّ في «مسألة 7» ما يرتبط بالمقام.
و لا يعدّ خافياً على أحد أنّه لا ثمرة عمليّة للنزاع في هذا البحث؛ لعدم السبيل إلى معرفة مطابقة الواقع إلا في الضروريّات، و أمّا اليقينيّات فهي تابعة ليقين الجاهل شخصاً.
و يمكن إدخال هذا البحث تحت عنوان البحث في الجهة الثانية التي يبحث فيها عن مطابقة العمل لرأي المجتهد، لكن ذلك خلاف ظاهر المتن حيث جعلها قسمين.
الجهة الثانية: في بيان حكم عمل الجاهل المقصّر الغافل حين العمل، أو الجاهل القاصر
إذا طابق العمل لفتوى المجتهد.
و إنّما لم يتعرّض لصورة مطابقة عمل كلّ منهما للواقع؛ لأنّ الصحّة الواقعيّة غير مفيدة ما لم تكن محرزة، و السبيل للإحراز هو المطابقة لفتوى المجتهد.
و هل المجتهد هو الذي كان يجب عليه الرجوع إليه حال العمل، أو هو الذي رجع إليه بعد العمل، أو كليهما، أو أحدهما؟ أقوال.
و تحقيق البحث: أن يقال لمّا كانت حجّيّة الحجّة مشروطة بالعلم، و إنّ علم الجاهل بفتوى من كان مفتياً في حال العمل، و من كان مفتياً في حال الرجوع، و هو بعد العمل طبعاً حصل في زمان واحد، فيصحّ الاعتذار بمطابقة عمله لفتوى كلّ منهما.
فالأقوى هو القول الأخير، و هو أنّ الملاك مطابقة عمله لقول أحدهما، فإنّ كلّ واحد من القولين حجّة واصلة، و الوصول مقوّم لفعليّة الحجّة، بل و لحجّيّة الحجّة، و ذلك نظير رجوع العامّي للتقليد عند تعدّد المفتي في زمان واحد، فإنّه يصحّ طريقيّة