و بعبارة أُخرى: هذه الأُمور ممّا يحدث لهم سوء ظنّ بالخبر أو بالمخبر؛ فلذلك لا يكتفون بنفس الخبر، بل يجب الفحص عندهم عن صدقه.
إذا تبيّن الحال في سيرة العقلاء فلنصرف عنان الكلام عن إمضاء الشارع لها و عن إجرائها في الأُمور الشرعيّة.
فنقول: إنّ إجراء سيرة العقلاء فيما له صلة بالشرع هل هو محتاج إلى إمضاء من ناحية الشارع، أو يكفي عدم الردع من ناحيته؟
و جهان، بل قولان: لا يخلو ثانيهما من قوّة فيما إذا لم يكن للشارع طريق خاصّ فيه.
لنا: حكم العقل بصحّة الاحتجاج بسيرة العقلاء إذا لم تكن مردوعة من قبل الشرع، فلا يكون العامل بها و المتعمد عليها مؤاخذاً عنده و مسؤولًا لديه إذا خالف الواقع، بل العقل يحكم بقبح المؤاخذة عن مثل هذا الشخص؛ لكونه من قبيل التكليف بما لا يطاق، فإنّه من المعلوم طلب الشارع أمراً حال عدم جعل طريق من ناحيته عند الحكم بعدم حجّيّة الطرق العقلائيّة تكليف بما لا يطاق. مضافاً إلى أنّ نفس عدم جعل طريق خاصّ من قبل الشارع كاشف عن توكيل الأمر إلى الطرق العقلائيّة، فعدم الردع عن سيرة العقلاء كاشف عن إمضائه لها، و يشبه أن يكون النزاع في اعتبار إمضاء الشارع للسيرة، أو عدم ردعه لها لفظيّاً، و ينبغي التنبيه على أُمور:
الأوّل: أنّ الرّدع الذي يأتي من قبل الشارع حول إجراء أمر عقلائي يجب أن يكون بحسب القوّة و الضعف متناسباً مع المردوع، فإذا كان المردوع أمراً راسخاً في أذهان الناس، و شيئاً متداولًا بينهم، يجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً مكرّراً بحيث تكون الحجّة بالغة من قبل الشارع، كما صنعه الشارع في الردع عن العمل بالقياس، و عن العمل بالرأي و الاستحسان.
فإذا فرض صدور ردع عمّا أشرنا إليه من السيرة العقلائيّة القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرف بالكذب في موارد، و على العمل بقول الثقة في موارد أُخر لوجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً، و لو كان كذلك لذاع و شاع، مثل ردعه عن القياس
و الاستحسان، و من المعلوم أنّ عدم تبيّن الردع عنها و عدم استفاضته كاشف عن عدمه، فلا سبيل إلى القول بصدور ردع عنها، محتجّاً برواية أو روايتين، سيّما إذا كانت محلّا للكلام متناً و دلالة.
الثاني: أنّه قد وقعت إمضاءات من ناحية الشرع لهذه السيرة العقلائيّة.
و بيان ذلك: أنّ السيرة كانت مشتملة على عقدين: سلبي و إيجابي.
أمّا عقدها السلبي و هو عدم الاعتماد على خبر من يسيئون الظنّ بقوله فإمضاؤه متحقّق بآية النبإ، و هي قوله تعالىإِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ[1]؛ الآية.
و أمّا عقدها الإيجابي فقد كان متناولًا لأمرين:
أحدهما: اعتمادهم على قول كلّ مخبر لا يساء الظنّ به في صنف من أُمورهم.
ثانيهما: اشتراط وثاقة المخبر، أو تعدّده في الاعتماد على خبر في صنف آخر.
أمّا إمضاء الشرع للصنف الأوّل فهو في موارد:
أحدها: ما ورد من النصوص المستفيضة، بل المتواترة إجمالًا في باب صلاة المسافر، و هي التي وردت لبيان مقادير المسافة المعتبرة لتقصير الصلاة و الصوم من البريد و الفرسخ و الميل، فإنّ تعيين هذه المقادير في الطرق قد تحقّق من قبل من لا معرفة بحاله من جهة الوثاقة.
ثانيها: ما ورد في باب الحجّ في أحكام الحرم، فإنّ لازمه إمضاء تعيين حدود الحرم بيد من لا معرفة بحاله.
ثالثها: ما ورد في باب المعاملات من الاعتداد بخرص الخارصين لبيع الثمار على الأشجار، أو إيجار البساتين.
رابعها: ما ورد في العمل بقول المرأة عند إخبارها بكونها خليّة، و ما ورد في قبول خبر البائع باستبراء الأمة، هذا مع وجود الاحتياط في باب الفروج من قبل الشرع.
خامسها: ما ورد في اعتبار إخبار ذي اليد.
[1]الحجرات (49) الآية 6.
سادسها: ما ورد في اعتبار شهادة القابلة.
سابعها: خبر ابن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال(عليه السلام):
«اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء، فقال(عليه السلام): ما كان عليك لو سكتّ، ثمّ مسح تلك اللمعة بيده»[1].
فإنّ مسح الإمام لتلك اللمعة و حكاية الإمام عنه دليلان على جواز الاعتماد على قول من لا يعرف بقرينة قوله(عليه السلام): «فقيل له» الظاهر في ذلك.
ثامنها: اعتماد أبي الحسن موسى(عليه السلام)في سجن الفضل بن ربيع على قول الغلام عند إخباره بدخول الوقت، و قد حكاه الفضل:
فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس إذ يثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يحدث حدثاً. إلى أن قال: فلست أدري متى يقول الغلام: إنّ الفجر قد طلع إذ قد وثب هو لصلاة الفجر[2].
و يمكن أن تجعل أماريّة يد المسلم على التذكية من هذا الباب، و كذا أماريّة سوق المسلم، فهما داخلان في الإخبار الفعلي، و كذا أماريّة اليد على الملكيّة عند عدم معرفة المالك، فإنّ عليها سيرة العقلاء أيضاً.
و أمّا إمضاء الشارع للصنف الثاني فما سيأتي من النصوص الدالّة على ترتيب الآثار على قول الثقة عند إخباره ببعض الموضوعات، و كذا ما يدلّ على اعتبار البيّنة في باب المرافعات، و لثبوت موضوعات خاصّة عند الحاكم، إمضاء لهذا الصنف أيضاً.
ثمّ إنّ في بيان الفرق بين الصنفين يمكن أن يقال:
بأنّ الصنف الذي لم يعتبر في التصديق بها وثاقة المخبر أو تعدّده؛ إنّما هو من جهة كثرة ابتلاء الناس بها، و لصعوبة معرفة حال المخبر فيها، بل قد يكون غير ممكن في بعض الأحوال بحسب العادة، و قد يوجب التفحّص عن حال المخبر فوق المقصود، بخلاف
[1]وسائل الشيعة، ج 2، ص 259 260، الباب 41 من أبواب الجنابة، ح 1، مع اختلاف يسير في اللفظ؛ الكافي، ج 3، ص 45، ح 15.
[2]عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 107.
الصنف الآخر، فإنّ الحال فيها ليس من هذا القبيل، فكثير منها قضايا شخصيّة، أو ممّا يجب فيه التفحّص عن حال المخبر لظروف مقتضية لذلك.
الثالث: قد يتوهّم ثبوت الردع عن هذه السيرة بحديثين:
أحدهما: خبر مسعدة بن صدقة[1]و قد مرّ الكلام فيه، و سيأتي أيضاً.
ثانيهما: خبر عبد الله بن سلمان، و رواه الكليني في الفروع عن أبي عبد الله(عليه السلام)في الجبن، قال(عليه السلام): «كلّ شيء لك حلال حتّى يأتيك شاهدان يشهدان عندك أنّ فيه ميتة»[2].
و إثبات الردع به موقوف على إلغاء خصوصيّة المورد بحسب المتفاهم العرفي، فيشمل جميع الموضوعات، و لكنّ التحقيق عدم صلاحيّته للردع عن السيرة.
أمّا أوّلًا: فلضعف في سنده. فإنّ ابن سليمان لم يذكر بمدح، و إثبات حجّيّة قوله بالسيرة مستلزم لعدمها، و إنّ الراوي عنه أبان بن عبد الله لم تعرف وثاقته، و لا مذهبه، و الراوي عنه محمّد بن الوليد و هو مشترك، و سيرة علمائنا القطعيّة على عدم العمل بمثل هذا السند ما لم يكن محفوفاً بقرائن، و هذه هي السيرة العقلائيّة فإنّها قائمة على عدم قبول قول من يساء الظنّ بخبره. كروايات هؤلاء الراوة، فإنّ العلم بوجود أخبار موضوعة كاذبة يرويها أمثال هؤلاء يحدث الريب في أخبارهم، فلا يحصل الوثوق بها عند العقلاء.
و ثانياً: ما عرفت، بأنّ الردع عن مثل هذه السيرة يجب أن يكون متتابعاً متواصلًا مشتهراً بين الأصحاب، فلا يصلح هذا الحديث للردع عنها في غاية الحلّيّة.
تقتضي صعوبة ثبوتها و هي الحرمة، توسعة على الناس، و يشهد على ذلك نفس المفتي، و هو الحلّيّة، فإنّها حكم يسهل على الكلّ.
و ثالثاً: أنّ إلغاء الخصوصيّة محلّ تأمّل؛ لاحتمال اشتراط خصوصيّة، و يمكن إلغاء خصوصيّة عن الغاية بأن يقال: إنّ ذكر شاهدين كناية عمّا يحصل من كلامهما
[1]قد مرّ تخريجه في ص 264.
[2]الكافي، ج 6، ص 339، ح 2؛ وسائل الشيعة، ج 25، ص 118، الباب 61، من أبواب الأطعمة المباحة ح 2.
و هو الوثوق، و لا تبعد دعوى الظهور في ذلك بقرينة أمثال ذلك من النصوص التي جعل فيها العلم غاية للحلّيّة أو النجاسة.
و رابعاً: أنّ منتهى ما يستفاد منه اختصاص مدلوله بحكم جزئي حتّى يصعب إثباته، فإنّ الحرمة الكلّيّة تثبت بخبر الواحد بمقتضى دليل حجّيّة الخبر في الأحكام.
الرابع: أنّ معرفة المخبر بالوثاقة ملازم مع الوثوق بخبره عند العقلاء، فلا يخطر ببالهم احتمال الكذب في حقّ المخبر الثقة.
لست أقول: إنّهم لا يعتدّون بهذا الاحتمال، بل أقول: إنّ الاحتمال لا يخطر ببالهم بحسب طبعهم، و لا يلتفتون إلى احتمال الكذب في حقّ المخبر الموثوق به.
إذا تبيّن ذلك فلا معنى للتكلّم في حجّيّة خبر الثقة عندهم إذا لم يفد الوثوق، إذ لا فائدة في هذا البحث.
الطريق الثاني: نصوص واردة في مقامات خاصّة تدلّ على حجّيّة قول الثقة في الموضوعات
، بعضها بالإطلاق، و بعضها بإلغاء الخصوصيّة عن المورد بحسب المتفاهم العرفي.
منها: إطلاق قوله(عليه السلام)في موثّقة سماعة: سألته عن رجل تزوّج جارية، أو تمتّع بها، فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إنّ هذه امرأتي و ليست لي بيّنة، فقال(عليه السلام): «إن كان ثقة فلا يقربها، و إن كان غير ثقة فلا يقبل منه»[1].
و تقريب الاستدلال بإطلاق الجواب على حجيّة قول الثقة مطلقاً واضح.
فإن قلت: إنّ هذه الرواية واردة في باب الدعاوي و الخصومات؛ لأنّ المرأة منكرة لزوجيّة الرجل بطبيعة الحال، و الأصل معها. و لم يقل أحد باعتبار خبر الثقة في باب المرافعات، فالحديث معرض عنه و مطروح.
قلت: التدبّر في معنى الرواية حاكم بعدم صلتها بباب المرافعات، فإنّ الراوي ليس
[1]وسائل الشيعة، ج 20، ص 300، الباب 23 من أبواب عقد النكاح، ح 2؛ تهذيب الأحكام، ج 7، ص 461، ح 1845.
في مقام السؤال عن وظيفة القاضي عند فقدان المدّعى للبيّنة، فإنّه لو حملت الرواية على هذا المعنى لكان فرض اتّصاف المدّعى بالوثاقة، أو عدمها لغواً، فإنّ هذا الوصف غير معتبر في المدّعى سلباً أو إيجاباً.
مضافاً إلى أنّ إنكار المرأة بطبيعة الحال غير مقوّم للخصومة، بل المقوّم لها هو الإنكار الصريح بالفعل، و لعلّ فيه إشعاراً بعدم معرفة المرأة عمّا أخبر به الرجل.
فالمتبادر من السؤال أنّ السائل طالب عن معرفة حكم هذا الزوج مع زوجته، و الجواب يشهد بذلك.
و منها: صحيحة هشام بن سالم الواردة في باب ثبوت عزل الوكيل بإبلاغ الثقة أو بالمشافهة، قال(عليه السلام): «و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة»[1].
و تقريب الاستدلال بها: أنّ ظاهر النصّ ثبوت عزل الوكيل بطريقين: إبلاغ الثقة، و المشافهة؛ إذ هما جعلا في سياق واحد، فهما متّفقان في الاتّصاف بصفة الحجّيّة، فالنصّ مفيد بأنّ حجّيّة خبر الثقة عامّة مثل حجّيّة المشافهة، و أمّا تقديم إبلاغ الثقة بحسب اللفظ فلعلّه لإفادة هذا المعنى، مضافاً إلى أنّ تعليق ثبوت العزل على أحد الأمرين مشعر بعلّيّة كلّ واحد منهما، و ذلك من لوازم الحجّيّة المشتركة بينهما.
ثمّ إنّ العرف لا يرى للعزل عن الوكالة خصوصيّة لها دخل في ثبوته بخبر الثقة دون بقيّة الموضوعات، و إلغاء الخصوصيّة عند العرف مفيد للإطلاق.
و يشهد لإلغاء الخصوصيّة صحيح إسحاق بن عمّار[2]، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضاً، فقال لي: إن حدث لي حدث فأعط فلاناً عشرين ديناراً، و أعط أخي بقية الدنانير، فمات و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي:
[1]وسائل الشيعة، ج 19، ص 162، الباب 2 من أبواب الوكالة، ح 1؛ الفقيه، ج 3، ص 49، ح 170.
[2]إن التحقيق قاض بأنّه رجل واحد و هو إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي الكوفي، و أمّا توصيفه بالساباطي فهو زلة من قلم الشيخ(قده)في الفهرست.
إنّه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدّق منها بعشرة دنانير، اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً؟
فقال(عليه السلام): «أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير»[1].
و يشهد له أيضاً صحيح ابن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل يصيد الطير، يساوي دراهم كثيرة، و هو مستوي الجناحين، فيعرف صاحبه، أو يجيئه، فيطلبه من لا يتّهمه؟
قال(عليه السلام): «لا يحلّ له إمساكه، يردّه عليه»[2]الحديث.
فإنّ المتبادر من قوله: «من لا يتّهمه» أنّه يعرفه و يثق به.
و منها: النصوص الدالّة على أماريّة أذان المؤذّن المؤتمن لدخول الوقت، سيّما المعلّلة منها بأنّ المؤذّنين أُمناء، فإنّ عموم التعليل حاكم بصحّة الاعتماد على خبر كلّ من يكون مؤتمناً.
و منها: صحيح إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة فيدخل بها فيغلق باباً و يرخي ستراً عليها و يزعم أنّه لم يمسّها و تصدّقه هي بذلك، عليها عدّة؟ قال(عليه السلام): «لا» قلت: فإنّه شيء دون شيء؟ فقال(عليه السلام): «إن أخرج الماء اعتدّت، يعني إذا كانا مأمونين صدّقا»[3].
و تقريب الاستدلال به: أنّ وصف المأمونيّة علّة لوجوب التصديق فيستفاد منه الإطلاق، و احتمال كون الظهور مختصّاً بما إذا كان الخبر موافقاً للأصل فلا يتعدّى إلى الخبر المخالف للأصل يدفعه الإطلاق، مضافاً إلى أنّ الظاهر من النصّ تعليق التصديق على نفس المأمونيّة لأعلى كون الخبر مطابقاً للأصل.
[1]وسائل الشيعة، ج 19، ص 433، الباب 97 من أبواب الوصايا، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 237، ح 923.
[2]وسائل الشيعة، ج 23، ص 388، الباب 36 من أبواب الصيد، ح 1؛ الكافي، ج 6، ص 222، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 61، ح 258.
[3]وسائل الشيعة، ج 21، ص 325، الباب 56 من أبواب المهور، ح 2؛ الكافي، ج 6، ص 110، ح 9.
نعم، احتمال كون الجملة التفسيريّة من كلام الراوي مضرّ بالاستدلال، و ليس ببعيد؛ لظهور كلمة «يعني».
ثمّ إنّ من المعلوم انصراف هذه النصوص عن صورة المخاصمة و المرافعة، كما يشهد بذلك كلام ابن عمّار: «و لم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً»[1]فلا معارضة بينها و بين ما دلّ على حجّيّة البيّنة في باب المرافعات.
و أمّا ما دلّ على اعتبار البيّنة لثبوت بعض الموضوعات كالهلال و الطلاق و العتق و الرضاع و موت الزوج، أو ما دلّ على اعتبار البيّنتين لثبوت الزنى، فذلك إنّما يكون للقاضي، فيدخل في باب الحكم و القضاء، و قد عرفت انصراف هذه النصوص عن ذلك الباب، و على فرض تسليم إطلاق لهما فنقول بالتخصيص و التقييد.
و قد يتوهّم وقوع التعارض بين هذه النصوص، و بين خبر مسعدة بن صدقة المشتهر بينهم، فقد جاء فيه:
«و الأشياء كلّها على ذلك حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة»[2]حيث يدلّ على انحصار ثبوت الموضوع بطريقين:
الاستبانة الواقعيّة، أو قيام البيّنة، و يقصد منها شهادة عدلين.
و يرد عليه ما أوردناه على خبر أخيه ابن سليمان[3]من قبل، فهو ضعيف السند، فلا يصلح لمعارضة الصحاح، و لا للردع عن السيرة، و يمكن أن يقال: إنّ ظهور لفظ البيّنة في شهادة عدلين في غير باب المرافعات الذي يصلح لأن يكون قرينة لهذا المعنى محلّ نظر، فلدعوى ظهور البيّنة في الحجّة مجال.
فيصير لسان هذا الخبر لسان صحيحة هشام بن سالم،[4]فيدلّ على أنّ ثبوت الأشياء بأمرين: الاستبانة الواقعيّة، أو قيام الحجّة عليها، مضافاً إلى أنّ الاحتمال كاف
[1]قد مرّ تخريجه في ص 279.
[2]قد مرّ تخريجه في ص 264.
[3]قد مرّ تخريجه في ص 277.
[4]مرّ تخريجه في ص 279.